الباحث الفلسطيني أحمد قطامش: واشنطن لن تنسحب من المنطقة

الجمعة 2014/08/01
أحمد قطامش: الفوبيا الإسرائيلية انتقلت إلى فوبيا أميركية أوروبية حرصا على الكنز الاستراتيجي

رام الله - حتى اللحظة ورغم ما تعرض له قطاع غزة من “إبادة جماعية” لا وجود لمؤشرات على إمكانية رفع الراية البيضاء أو استنفاد القدرة على الردّ.

يؤكّد أحمد قطامش، الباحث في العلوم السياسية، أن ما يجري في غزة هو عدوان وليست حربا بالنظر إلى غياب التوازن في القوى بين جيش تكنولوجي – نووي هو امتداد للجيوش الأميركية يتمتع بقدرة تدميرية هائلة ودقة في الإصابة، وبين فصائل مقاومة هي أقرب إلى حالة شعبية أقوى أسلحتها إرادتها وتصميمها وما تملكه من سلاح فردي وقذائف تسمى “صواريخ” لا توجه إلى هدف محدد رغم نتائجها المعنوية والاقتصادية على المجتمع الإسرائيلي ومساسها بقوة الردع الإسرائيلية.

الحملة العسكرية الإسرائيلية لم تزل في عنفوانها وهناك استدعاء لمزيد من قوة الاحتياط حيث يرابط نحو 70 ألفا على تخوم قطاع غزة. وهذا الهدف الإسرائيلي يحظى بتأييد أميركي أوروبي، أما التصريحات الخجولة عن “القوة المفرطة وعدم التكافؤ في الرد” فهما لا يحملان سوى قيمة إنشائية أما سياسيا فقد اصطف المعسكر الامبريالي المعولم خلف العدوان.

وإن لم يتحقق هذا الهدف برفع الراية البيضاء واستجداء وقف إطلاق النار يمكن تخفيض التوقعات بتدمير الأنفاق وقواعد الصواريخ المتناثرة تحت الأرض الأمر الذي يقتضي تمشيط شريط قطاع غزة الممتد من بيت لاهيا وبيت حانون شمالا إلى أطراف مدينة غزة ومخيماتها شرقا وصولا إلى رفح وخانيونس جنوبا على عمق بضعة كيلومترات، ويندرج إخلاء واقتلاع عشرات الآلاف من الناس من مواطنهم ومذبحة الشجاعية المروعة في هذا السياق.

أما في حالة الإخفاق فيجري تسويق رواية أخرى "قد عاقبناكم وأمعنا في التقتيل الجماعي وسحقنا ما يكفي من مقومات وجودكم وأعدناكم سنوات إلى الوراء ليكون ذلك درسا لكم" .
ثمة تحالف استراتيجي بنيوي بين السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية وإن برز تفاوت أحيانا فهو في الحقل الكمي لا النوعي

وصف أحمد قطامش، الذي قضى وقتا طويلا في الاعتقال الإداري في إسرائيل وسبعة عشر عاما متخفيا، المبادرة المصرية الداعية إلى “وقف الأعمال العدائية” كعربة تسير عجلاتها في حقل مزروع بالألغام، مشيرا إلى أن المعركة في ذروتها والمساعي الدبلوماسية المكوكية في العديد من العواصم لم تثمر شيئا. وسوف تبقى الورقة المصرية محل نقاش على الطاولة مع إمكانية الإضافة عليها بما يفتح البصر والبصيرة على مطالب قطاع غزة المحاصر وهو ما يؤذن بدور متنام لمصر في الساحة العربية.


الثورات العربية


في إجابته على تساؤل حول وضع فلسطين في ظل ما يحصل من تغيرات بعد الثورات العربية، قال قطامش إنه يتعين في البداية التمييز بين الانتفاضة والثورة، فالانتفاضة تطيح بالنظام الحاكم أما الثورة فتطيح بالنظام وترفع قوى اجتماعية جديدة لتغيير النظام السياسي وعلاقات الإنتاج والثقافة… الخ. وما حصل في تونس ومصر انتفاضتان تتلمسان بدايات التغيير فحسب، وأن ضعف القوى الجذرية التي تذهب بالديمقراطية إلى النهايات وتقوم بتأميم وسائل الإنتاج الثقيلة وتفك بحزم التبعية وتحمل مشروعا عربيا صريحا هو الذي يجعل حركة الانتفاضات تسير بسرعة السلحفاة.

أما في ليبيا فقد انهارت الدولة وفتحت بوابات الصراعات العشائرية والميليشياوية التي لا حدود لها. وشيء مشابه حصل في اليمن مع امتداد للقاعدة والحوثيين وارتفاع أسهم مطالب الجنوبيين مع وجود تناقض في مصالحهم وأهدافهم.

وأما عن العراق وسوريا فلا يمكن القول إلا أن فوضى تعصف بالبلدين ورياحا تكفيرية دموية وتقسيمات مذهبية تعيدنا إلى القرون الوسطى مما يجعل المخرج الوحيد هو التحول الديمقراطي العميق المناهض للعولمة والامبريالية وتقديم مشروع تنموي شامل.

أحمد قطامش:
◄ كاتب ودكتور في العلوم السياسية، قضى وقتا طويلا في الاعتقال الإداري في إسرائيل وسبعة عشر عاما في التخفي، يقيم في رام الله. يعتبر من أبرز مثقفي فلسطين، وله إثنا عشر مؤلفا ومئات المقالات

وليس مفاجئا أن يغلب الطابع القطري على هذه الانتفاضات والتحولات، فالأمة العربية مثخنة بالجراح، ويكفي القول إن الإنتاج القومي العربي السنوي بلغ 2 تريليون دولار نصفه من النفط.

غير أن التجارب الملموسة للشعوب سوف تكشف أن المشروع القُطري قد استنفد طاقته التقدمية منذ وقت ولا مهرب من مشروع قومي نهضوي ديمقراطي. والمرشح للتفاعل مع الأفق القومي أكثر من سواه هو مصر المجبرة على أن تحمل هموم أكثر من قضية قومية ارتباطا بوجود ملايين المصريين الذين يعملون في البلدان العربية وبالنظر إلى حاجتها للاستثمارات والمساعدات والسياحة العربية. والبوابة النموذجية لتسويق نظام أي بلد عربي هي البوابة الفلسطينية “فهي أعدل قضية على الأرض” وفق كلمات رئيس اتحاد الكتاب التركي الأسبق ولها إسقاطاتها على أكثر من بلد.

وأكد الباحث الفلسطيني أن بلاده قادرة على الصمود، فالشعب الفلسطيني اليوم يقترب من 12 مليون نسمة، نحو مليون في الضفة وغزة ومليون ونصف المليون في مناطق الـ48، وهناك طبقة وسطى واسعة من خريجي الجامعات بما تحمله من تطلعات وطاقات (200 ألف طالب وطالبة في جامعات الضفة الغربية وغزة) وقاعدة عمالية نصفها دون عمل.


انتفاضة ثالثة


هناك كتابات تشير إلى أن الواقع الفلسطيني في أراضي 48 و67 والشتات أصبح يتطلب واقعا جديدا وتغييرا كاملا في الوضع الفلسطيني وهناك من يتنبأ بانتفاضة ثالثة أوسع من الاحتجاجات التي جرت قبل بدء العدوان.

في هذا السياق يشير أحمد قطامش إلى أنه من البديهي أن الهوية الوطنية التحررية متجذرة في الوعي الفلسطيني شأن أي هوية أخرى، وهي مسنودة بخبرة كفاح على امتداد عقود يستفزها ويؤججها مشروع صهيوني عنصري إجلائي يكاد يتمسك بمقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” هذه المقولة التي نحلها هيرتزل عن متيفورد اللورد البريطاني في أربعينات القرن 19. فالصراع جوهري ويعيد إنتاج نفسه دوريا.
عائلة فلسطينية في طريقها إلى أحد الملاجئ في غزة بعد أن دكت طائرة إسرائيلية منزلها

ومن أهداف اتفاق أوسلو إطلاق دينامية تفكيكية للشعب واختزالية للحقوق وخارطة الوطن، وبعد عقدين كانت حصيلة مرحلة أوسلو أقرب إلى السلب منها إلى الإيجاب حتى أنها لم تحافظ على الأرض الفلسطينية مركز الصراع واستمر التفاوض يعيد إنتاج نفسه، وكل ما قيل من فترة انتقالية ومؤسسات دولة وقرار 194 مجرد تمنيات. فثمة ثلاثة أرباع مليون مستوطن استعماري في الضفة وأغلبية يهودية في القدس الشرقية ومسطحات استيطانية وشوارع التفافية على 6 بالمئة من الضفة الغربية بينما مسطحات المدن والقرى الفلسطينية على 12 بالمئة وجدار والأغوار.

هذا يعني أن مفهوم الدولة القابلة للحياة هو مجرد وهم وحلم لنخب تروج لليبرالية الجديدة “وهذا الكيان” هو في نهاية المطاف مقايضة لحق العودة حسبما يؤكد ميزان القوى والتسوية الجارية التي هي “إدارة أزمة لا حل أزمة” كما كان عنوان أحد مؤلفاتي قبل عقد ونصف.

إن المطلوب، وفق قطامش، هو رؤية جديدة لإحياء المشروع الوطني وإيجاد حل جذري للصراع.

أما الانتفاضة الثالثة فما يدور في غزة نموذج شعبي مقاتل، أما في الضفة فلا وجود لقيادة للانتفاضية أو أدوات لإشعال فتيلها على غرار ما وقع في أواخر الثمانينات في القرن الماضي ولكن الشعب ملزم بالإجابة عن سؤال، ما العمل؟ في ظل استباحة الاحتلال لكل شيء وبطالة تناهز 30 بالمئة وفقر يناهز 50 بالمئة ومستوى أداء أقل من المتوسط و2 مليون فلسطيني أعمارهم بين 16 و36 سنة وشيخوخة تكتسح المشهد السياسي، بالإضافة إلى ما تشكله التيارات التكفيرية الدموية من تهديد للمجتمع الفلسطيني. ومن الطبيعي أن تستمر المناوشات والاحتكاكات بالاحتلال وسياساته، أي حرب المواقع بلغة غرامشي، أما الصراع الجبهوي فمتطلباته مختلفة وإن كانت كامنة.


بين أميركا وإسرائيل


كما يرى المحلل السياسي الفلسطيني، أحمد قطامش، أن تحالفا استراتيجيا بنيويا بين السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية وإن برز تفاوت أحيانا فهو في الحقل الكمي لا النوعي، وكيري دبلوماسي نشط ومثابر غير أن سياسة حكومة نتنياهو فرملت مسعاه، وهذا تباين تكتيكي لا يمس التحالف الاستراتيجي.

السياسة الإسرائيلية في حالة عداء تناحري مع المحيط العربي والحقوق الفلسطينية وأي تطلعات عربية استقلالية وتنموية ووحدوية

وفي العدوان على غزة توحد المعسكر الامبريالي الأميركي – الأوروبي- الصهيوني وهذا حال الأحزاب الإسرائيلية، فالفوبيا الإسرائيلية انتقلت إلى فوبيا أميركية أوروبية حرصا على “الكنز الاستراتيجي” بلغة الرئيس الأميركي السابق دونالد ريغان.

والتوسعية الإسرائيلية صفة بنيوية في المشروع الصهيوني، ولم تصل الضغوط إلى حدّ تضطر فيه إسرائيل إلى إعادة النظر في توسعيتها والوصول إلى حل وسط أو حل تاريخي بل هي تسحب تجربتها في مناطق الـ48 على مناطق الـ67 وقد أعادت انتشارها في غزة.

في أربعينات القرن الماضي نشـأت حركة يهودية اسمها “باريت شالوم” دعت اليهود للعودة إلى الشرق أي التفاهم مع الشرق لإقامة دولة ديمقراطية لليهود والعرب، ومثل هذه الأطروحة هامشية تماما في المجتمع الإسرائيلي والنسق السياسي، فالخارطة تنزاح نحو اليمين بل وهناك تنافس على المواقف الأكثر يمينية، وكلها ترفض الانسحاب إلى حدود أراضي 67 أو وقف الزحف الاستيطاني الاستعماري وتعتبر القدس بشطريها عاصمة أبدية لإسرائيل وتغلق الباب تماما أمام حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وعليه فالسياسة الإسرائيلية في حالة عداء تناحري مع المحيط العربي والحقوق الفلسطينية وأي تطلعات عربية استقلالية وتنموية ووحدوية. وهذا يشكل أساسا للقول إن المستقبل ينطوي على حروب محتملة، إذ طالما أن التناقض لم يحل، فأطرافه تتحفز للحرب، إلى أن يظهر جيل جديد ورؤيا جديدة.

حتى اللحظة ورغم ما تعرض له قطاع غزة من "إبادة جماعية" لا وجود لمؤشرات على إمكانية رفع الراية البيضاء

انسحاب واشنطن

أما عن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، فهذا أبعد ما يكون، إذ رغم اتساع علاقات واشنطن مع الشرق الأقصى وانسحابها القسري من معظم القارة اللاتينية نتيجة المد اليساري فهي تتشبث بإقليم الشرق الأوسط الذي يضم 60 بالمئة من احتياط النفط العالمي، ويستورد سنويا أكثر من تريليون دولار سلعا عسكرية ومدنية. أي أن إسرائيل “المصلحة الحيوية” كما قال الرئيس الأميركي جورج بوش “والكنز الاستراتيجي” كما قال نظيره ريغان.

يجتاح مخاض عظيم المنطقة العربية ويحمل مشروعات مركبة منها التقدمي ومنها الرجعي ومنها الدموي…، وفي ضوء النتائج القريبة يتحدد مستقبل النفوذ الأميركي – الأوروبي وقاعدتهما الأمامية، إسرائيل.

وإسرائيل تواجه مأزقا استراتيجيا، فالبرجوازية القومية حاربتها واليسار قاومها ويرفض عنصريتها، ولئن كان من السابق لأوانه الاحتفال بالنصر، لا ينبغي نسيان المقولة الشائعة “الجيش الأقوى إن لم ينتصر فهو مهزوم، والمقاومة الأضعف إن لم تهزم فهي منتصرة” أما الطرفة التي يتندر بها الشارع الإسرائيلي “إذا ذهبت إلى الحرب مع العرب تسلح بالورود” فقد سقطت من جديد.

12