الباحث المصري محمد الباز: كنت مخدوعا بما قالوه عن الكتابة

من الخطأ الاعتقاد بأن الكتابة يمكن أن تعالجنا وتشفينا وتضمد جراحنا وتربت على أكتافنا لتزيل كل همومنا.
الاثنين 2021/04/05
الكتابة عن حزن الموجوعين لا تعالجهم

لشدة تشابك الواقع العربي والتقاطعات الكثيرة التي تشكله بين السياسي والاقتصادي والتاريخي والديني والفكري والثقافي والذاتي والجماعي، فإن مقاربة هذا الواقع إبداعيا والغوص في الذات والآخر تبدو عملية معقدة، فيما يمكن للرواية كجنس أدبي جامع أن تتصدى لذلك. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب والإعلامي والباحث المصري محمد الباز، حول روايته الأولى ومؤلفاته السابقة.

حقق محمد الباز حضورا واسعا إعلاميا وسياسيا وثقافيا منذ انطلاقته في منتصف تسعينات القرن الماضي، باحثا أكاديميا وكاتبا يناقش قضايا ارتبط بعضها بالفكر الديني والتاريخ الاجتماعي، لتستحوذ عليه الصحافة وتشكل كتاباته التي توزعت بين السياسة والفكر والثقافة والدين والتاريخ الاجتماعي بشكل متداخل ومتشابك.

وقد حفلت مسيرة الباز بعدد من المؤلفات الكاشفة عن ثراء وخصوصية في الرؤية والنسيج الحاكم بين الإعلامي والباحث والسياسي والثقافي، منها “الله في مصر” و”أفكار منحرفة.. هل الأديان سر شقاء البشرية؟” و”إسلاميات كاتب مسيحي”، و”الإسلام المصري”، و”حدائق المتعة”، و”ملوك وصعاليك”، وغيرها.

وأخيرا قدم روايته “الزينة.. سيرة وجع”، الصادرة عن دار بتانة، والتي تشكل نقلة في التجربة والمسيرة الإبداعية للباز، إذ رأى فيها النقاد “أنها رواية ليست على غرار الروايات التي نقرأها، لكنها حالة خاصة في سرد متدفق يخرج من قضية دينية إلى قضية شعبوية ومن ثم إلى ذاكرة موجعة بالحكايا، حيث تحضر الأم بخصوصية عالمها الريفي حضورا مفعما بالحب والألم، الأمر الذي انعكس على بنية الرواية وتقنياتها الجمالية والفنية واللغوية وحقق لها تميزها”.

كتابة الرواية

سرد متدفق يخرج من قضية دينية إلى قضية شعبوية ومن ثم إلى ذاكرة موجعة بالحكايا

يقول الباز إن جمعه بين البحث الأكاديمي والكتابة السياسية والعمل الإعلامي والإبداع الروائي لا يمثل نقلات محورية في مسيرته بقدر ما يؤكد أنه طريق واحد “هذه هي الحقيقة ليست نقلات محورية، ولكنها تتقدم في طريق واحد مستقيم دون تعريجات أو انحرافات لا حادة ولا بسيطة، يمكن أن تطلق على ما يجري معي أنه حالة كتابة دائمة، تتعدد أشكالها لكنها خارجة من رحم واحد”.

ويضيف “كل ما فعلته ليس إلا تجاوبا مع رغبة في الاشتباك مع العالم الذي يسعى الكتاب لتغييره، لكنه يظل عصيا عليهم، وبعضهم يضيع عمره من أجل ذلك دون جدوى، أنا أدور في مكاني لا أكثر، أمسك بالفكرة وأصوغها بما يناسبها، ولا فرق عندي بين بحث أكاديمي أو مقال صحافي أو كتاب عام أو حديث في برنامج تلفزيوني أو إطلالة عبر  منصات السوشيال ميديا، أو في رواية، ولن أخفيك سرا فالكتابة عندي هي الغواية الوحيدة التي لا أقاومها أبدًا”.

ويشير إلى أن “الكتابة في السياسة والانشغال بالإعلام الآن مثل سير في طريق ألغام، ولك أن تتخيل أنني أسير في هذا الحقل دون خارطة لهذه الألغام التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة وهو قدر من يقتربون من الحدود وهم على قناعة بموقفهم، ولذلك كان طبيعيا جدا أن أستجيب لنداهة الرواية التي يمكن أن تعتبرها وادي الراحة الذي يحتاجه من يعاني مثلي من تشابكات لا تمنحه مفاتيح حلها بسهولة، أما الرواية فالقرار فيها قراري وحدي، وهو ما لا يتوفر في الكتابة السياسية، فهناك شركاء طول الوقت، ورغم أن وجود الشركاء لا يزعج، لكن الفارق بين الكتابة للسياسة والكتابة للأدب، هو الفارق بين وجودك في إطار لا يمكن أن تغادره بسهولة، والحركة خارج السياق”.

ويبيّن الباز أن الوجع الخاص الذي قاده إلى الكتابة الروائية هو وجع فراق الأم، يقول “كنت أرى أنه كان مراوغا ومتعجلا، فلم أشبع منها وأعتقد أنها لم تشبع مني، كانت هناك أشياء كثيرة يمكن أن نعملها سويا، لكن الموت بقسوته كان الأسبق مني إليها، ظل وجعي يلازمني لسنوات طالت، ولما ألحّ علي أن أفرج عنه فعلت وليتني ما فعلت، فالوجع كان مخبوءا بفعل التحاشي، لكنه الآن أصبح متجسدا أمام عيني، الهروب منه أصبح مستحيلا بعد أن أصبح كل من يقرأه شاهدا عليه، وكل من شاهد أصبح له الحق في التفتيش في الحنايا والسؤال عما يغم عليه، وأصبح علي أن أجيب دون تردد حتى لا أجد نفسي محاصرا باتهامات لا ظل لها من الواقع”.

ويعلق على حضور تجليات الموت في الرواية كمن مر بتجربة حقيقية، وهل كان الشعور به مسيطرًا عليه أثناء الكتابة “لم يكن الشعور مسيطرا فقط، بل كان غامرا حد الغرق، وقد حاولت مغالبته، لكني أعترف لك بأنه غلبني دون عناء، وقد استطبت الهزيمة أمامه، أحيانا أجد نفسي مشدودا لمعايشة بعض المشاهد مرة أخرى، خاصة تلك التي بدا لي فيها الموت عاريا تماما”.

محمد الباز يعتقد أن الدراسة التي كتبها عن هيكل هي الأهم بالنسبة إليه في الكتاب، لأنها تفتح آفاق نقاش حول الكاهن الأكبر في "معبد مهنة الصحافة"

وحول تصريحه في الندوة التي أقيمت أخيرا للرواية “حاولت أن أعالج نفسي بهذه الرواية، لكني فشلت”، يعلّق الباز “فشلت لأنني دخلت إلى الكتابة عن ألمي الخاص دون إجراءات احترازية ـ إذا جاز التعبير ـ كنت مخدوعا بما قالوه عن الكتابة أنها يمكن أن تعالجنا وتشفينا وتضمد جراحنا وتربت على أكتافنا، وأن البوح قادر بمفرده على أن يزيح عن كواهلنا همومنا التى تحاصرنا، اكتشفت أن البوح بالألم يزيده، لأننا بكتابته تتكشف أسراره أمامنا فتتحول إلى وحش لا يتردد عن التهامنا، ولذلك نحتاج إلى الحديث عما نكتب لنتحايل على ما تتركه الكتابة على أرواحنا من جروح”.

يتساءل الباز في الرواية “ماذا نفعل في أشيائهم التي تؤرقنا كلما تذكرناهم؟ ماذا نفعل في البسمة والدمعة، في الضحكة والآهة، ماذا نفعل في الحكاية كلها؟ لماذا لا يحسمون كل الأشياء المعلقة بينهم وبين من عاشوا معهم؟ راجعت نفسي، سحبت سؤالي، إذ كيف للحياة أن تستمر بعدهم، إذا هم حسموا كل المعلقات بينهم وبين من يخالطونهم؟ وهل فكر فيه”؟

ويؤكد “كتبت بعد أن فكرت بالطبع، لكن لا الفكرة أنقذتني ولا السؤال أراحني ولا الكتابة حسمت الأمر عندي، فالذين يرحلون يصرون على أن يبقوا معنا، ولذلك يتركون كل ما يربطنا بهم في وضع معلق، وأعتقد أن هذا أفضل، فحسم الملفات يعني العدم”.

ويضيف “الحياة عندي سؤال، وليس إجابة، الأسئلة صادقة والإجابات طول الوقت مخادعة، صيغة نلجأ إليها علها تريحنا، ونصدق من يجيبوننا لأننا نريد أن نصدقهم وليس لأنهم يقدمون لنا شيئا حقيقيا، وقد يكون الحديث عن الموت هو ما دفعني إلى الأسئلة الكثيرة في الرواية، فالموت يظل هو السؤال الأبدي الذي لا يملك له أحد أي إجابة”.

انطلاقا من رؤية البعض للرواية باعتبارها سيرة ذاتية ورؤية آخرين أنها سيرة روائية، نتطرق للحديث عن السير وإمكانية الشروع في كتابة السيرة الذاتية سيرة العمل الصحافي، يقول الباز “سيرتي الصحافية مؤجلة، من الصعب أن أشرع فيها الآن، ففصولها لا تزال مفتوحة، وعندما أكتب سيرتي لن أتردد عن فضح كل ما جرى، لن أخفي شيئا كنت شريكا فيه وهو كثير، فقد شاءت الأقدار أن أولد في مطبخ الصحافة المصرية، وأكون قريبا من التحولات الكبرى واللاعبين الكبار، ما قصدته هو سيرتي الروحية، وهي سيرة علاقتي بالله منذ أن عرفته، وأعتقد أنها ستكون مفاجأة على خارطة الكتابة العربية، أفكر أن تصدر هذه السيرة في عامي الخمسين إذا قدر الله لي أن أكون موجودا”.

ضد النسيان

صيغة جديدة في كتابة السيرة الذاتية

يلفت الباز إلى أن كتابه “هيكل.. المذكرات المخفية” ليس لمن قرأوا لهيكل أو من عرفوه، ولكنه لأجيال جديدة تدخل مهنة الصحافة العربية، ومن حقهم أن يعرفوا كبيرهم وعلامة مهنتهم، ويعتقد أنها صيغة جديدة في كتابة السيرة الذاتية، فقد رتب حياة هيكل من بين ما كتبه وهو كثير، ولذلك لم يهتم برأي من عرفوا هيكل، وتتبع آراء جمهوره الذي استهدفه، وكان رد الفعل كما توقع.

ويعتقد الكاتب أن الدراسة التي كتبها عن هيكل هي الأهم بالنسبة إليه في الكتاب، لأنها تفتح آفاق نقاش حول الكاهن الأكبر في “معبد مهنة الصحافة”، لكن في ما يبدو أنه لا أحد يريد دخول حلبة النقاش ربما خوفا وربما حرجا وربما بحثا عن راحة. وربما يكون الأمر وهو الأقرب إلى الواقع محاولة لتحجيم هيكل في حياتنا المهنية، فلا أحد يرغب في أن يمنحه شيئا يطيل حياته، أعتقد أن هناك ممن استفادوا من هيكل وهو حي يتعاملون معه بأنانية شديدة وهو ميت.

وقدم الباز في كتابه “كشك وعدوية.. أيام الوعظ والسلطنة” جانبا من تحليل الحالة المجتمعية في حقبة السبعينات، متعرضا لنقد الخطاب الثقافي في شقيه الديني والفني، بينما تجاهل ـ في رؤية البعض ـ الخطاب السياسي رغم أنه كان الوقود الذي يحرق المجتمع.

وهنا يوضح الأمر “يمكنك أن تقول إنني أسقطت الخطاب السياسى عمدا رغم أهميته، كنت أبحث عن شيء آخر في الحقيقة عند الواعظ والمغني، وتخيل أنني طوال الوقت كنت أتعامل مع الشيخ كشك على أنه المغني وأحمد عدوية على أنه الواعظ، وضعتهما في خلفيتهما الثقافية والاجتماعية ورحت أبحث عما يجمعهما وما يفرق بينهما، وفي النهاية تأكدت أنني أمام شخصية واحدة، فلا فرق فعليا بين كشك وعدوية”.

وعن تفاصيل دخوله مجال كتابة السيناريو وانتظاره تصوير مسلسل “السادات” مع المخرج حسني صالح، يوضح الباز “هذا مشروع كبير جدا، ويحتاج إلى إعداد، ورغم أنني أحب السادات وأنحاز إليه بشكل كبير إلا أنني أحب الحقيقة أكثر، وأعتقد أن المشروع لن يرى النور بسهولة، لكننا نحاول، خاصة أن العمل مع مخرج بحجم حسني صالح ليس سهلا أبدًا”.

أما عن كتابه “رائحة الخيانة.. الإخوان والأمريكان” وهو الكتاب المبني على كونه رسائل من البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، والذي شكك كثيرون في أن الرسائل مزيفة”، فيؤكد الباز “صحة الرسائل”، مضيفا “الرسائل التي عملت عليها صحيحة، حصلت عليها من موقع الخارجية الأميركية وقمنا بترجمتها، المفاجأة فيها أن الأميركان لم يتآمروا علينا، كانوا فقط يعملون لمصلحتهم، وكان هناك من بني جلدتنا من يعمل معهم لتحقيق أهدافهم أي مصلحتهم، وهذه هي الخيانة التي شممت رائحتها من هذه الوثائق التي هي علنية ولا شيء فيها سري على الإطلاق”.

الكتابة الأدبية أو البحثية هي عمل لتحصين الذاكرة الجماعية حتى لا تتسرب الفئران مرة أخرى إلى سفينتنا

ويكشف الباز قرب إصداره لـ”موسوعة عن جماعة الإخوان” عن الهيئة المصرية للكتاب يقول “انتهيت من إعداد هذه الموسوعة بالفعل، هي خمسة أجزاء عنوانها ‘المضللون’، وفيها رصد الكتابات النقدية لجماعة الإخوان الإرهابية على مدار تاريخها، وهي عمل لتحصين الذاكرة حتى لا تتسرب فئران السفينة مرة أخرى إلى سفينتا، وأعتقد أنها يمكن أن تكون متاحة في معرض القاهرة الدولي القادم”.

وأضاف عن جديده في مجال الكتابة الروائية “في الحقيقة أكثر من رواية، لكن العمل الذي يستغرقني الآن هو عمل ضخم  اسمه ‘أنا هيكل يا مصطفى’.. وإذا أوحى لك هذا الاسم بشيء فخير وبركة، وإن لم يلفت انتباهك فليس عليك إلا أن تنتظر، وأعدك بدهشة كبيرة تعادل ما في الرواية من أسرار”.

15