الباحث في التاريخ يفتش عن مكان له تحت الشمس

يبقى التاريخ من المباحث القديمة والأساسية قي العلوم الإنسانية، لما يشكّله من ركيزة تبنى عليها قراءة الأحداث واستشراف المستقبل. “العرب” التقت الباحث التاريخي التونسي حسام الدين شاشية، لمحاورته حول راهن البحث التاريخي وصعوباته، وعن الجامعة التونسية وكتابة التاريخ ودور مخابر البحث، وحول العديد من المواضيع الأخرى، فكان الحوار التالي.
الجمعة 2016/10/07
التاريخ قراءة لإشكاليات الحاضر من خلال البحث في الماضي

يبدأ الباحث التاريخي التونسي حسام الدين شاشية حديثه عن ميدانه، وهو التخصص الأكاديمي في التاريخ، وتأثيره المباشر على كتاباته، مستعرضا أهم إصداراته، يقول «الكتاب الأول بعنوان “المورسكيون والسفارديم”، وهو عبارة عن رسالة دكتوراه، وقد فاز هذا الكتاب بجائزة ابن بطوطة 2015، في اختصاص الدراسات، والمؤلَّف دراسة مقارنة عن المورسكيين، وهم المسلمون الذين بقوا بالأندلس ولم يهاجروا مثل إخوانهم في ما بين سنوات 1609 و1614، والسفارديم الذين طردوا من أسبانيا وهم آخر اليهود. أما الكتاب الثاني فهو تحقيق لمخطوط “ناصرالدين على القوم الكافرين”.

باحث في الظل

عن الصعوبات التي تعترض الباحث في عمله، يرى ضيفنا أنها بالأساس مادية بحتة، كما تتمثل في صعوبة الوصول إلى الوثائق خارج تونس، والموجودة في مراكز الأرشيف الأوروبية، إضافة إلى أن الكتاب التاريخي يواجه صعوبة في النشر والتسويق، خصوصا أن الباحث لا يتحصل على حقوق التأليف.

ويوضح شاشية قائلا “على مستوى النشر نلاحظ غيابا كليا للدوريات العلمية والأكاديمية، إضافة إلى عدم صدورها بانتظام، وهذا ما يجعل الباحث مترددا في القيام بالأبحاث التاريخية، وهذا موجود في تونس وفي العالم العربي، كما أنني لاحظت غياب مراكز للبحث، في تونس مثلا يوجد مركز واحد وهو مخصص لتاريخ تونس المعاصر”.

ويتابع محدثنا “في تونس تواجه الباحث في التاريخ عراقيل عديدة، منها غياب مركز بحث حول تاريخ تونس في العصر الحديث، وهي فترة حكم الدايات والبايات، كما أن تحرك الدولة لإيجاد حلول يبقى ناقصا، فمثلا لماذا لا يتم تحويل القصر السعيد إلى متحف ومركز بحث، على غرار المعمول به عالميا، وهذا يجعل من البحوث ثريّة وغنيّة، كما يتيح للزائر حينها الاستفادة من اللوحات الموجودة وكل الأثاث ومتعلقات الشخصيات الفاعلة في تلك الفترة”.

يعرف قطاع النشر هذه الأيام زخما كبيرا في إصدار الروايات، إلا أنه يعاني من غياب الأعمال التاريخية الأكاديمية، وحول هذا الموضوع يعتقد شاشية أن العديد من الأسباب تجعل من الباحث التاريخي يبقى دائما في الظل، باحثا عن مكان له تحت الشمس. يقول “أولا ثمة تقصير من الباحث التاريخي، لأنه يكتفي بالكتابات الأكاديمية والمنشورات الموجودة في السوق التي في أغلبها دراسات متخصصة، إضافة إلى أن الباحث لا يبحث عن طريقة سهلة لإيصال غاياته وأهدافه إلى العموم دون السقوط في السطحية، أما السبب الثاني فهو غياب الاهتمام بالتأليف بصفة عامة من قبل وسائل الإعلام وأقصد البرامج الثقافية في التلفزة أو الإذاعات، وحتى الصحف المكتوبة والمواقع الإلكترونية، يعني هناك شلل تام على مستوى الإشهار والتعريف بالإنتاجات التاريخية، مع وجوب التنصيص على أهمية القراءة التاريخية بالنسبة إلى المجتمعات بصفة عامة”.

نقرأ التاريخ لأننا في حاجة إليه لفهم الحاضر

من جهة أخرى وعن سؤالنا عن أهمية المباحث التاريخية اليوم، في ظل ما يشهده العالم من تطورات تكنولوجية وعلمية، يجيب شاشية قائلا “الأزمة الحالية التي يعيشها العالم العربي، قبل أن تكون سياسية واقتصادية واجتماعية، هي أزمة تاريخية، بمعنى أننا اليوم مازلنا في صراعات وخلافات تعود إلى فترة صدر الإسلام، كما برزت مشكلة الشرعية في العالم الإسلامي، وأقصد شرعية الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه العقد الاجتماعي، هل على أساس دنيوي وهو ما حصل في أوروبا، أم على أساس ديني وهو ما تنظّر له تيارات مختلفة؟ كل هذا أدّى إلى انقسامات وخلافات عديدة في مسائل عقائدية، نتجت عنها الطائفية والمذهبية”.

في سياق آخر، وعن أهمية التاريخ في حياة الشعوب، يؤكد شاشية على أننا نقرأ التاريخ لأننا في حاجة إليه لفهم الحاضر؛ فالتاريخ قراءة لإشكاليات الحاضر من خلال البحث في الماضي، وقراءة التاريخ ليست مجرد ترف أو بحث لمجرد البحث.

المسيحي والمسلم

ذكر محدثنا مخابر البحث والمشكلات التي تعانيها، ونسأله عن دور هذه المخابر، فيقول “باعتباري عضوا في مخبر التراث بجامعة منوبة، أرى أن مهمة مخبر البحث، هي الإحاطة بالباحثين الجدد، أي الطلبة في مستوى الماجستير ثم في مستوى الدكتوراه. ومن مهامه أيضا توفير الظروف العلمية، من كتب وإحاطة من الأستاذ المشرف، وتوفير الظروف المادية اللازمة للقيام بالأبحاث التاريخية والوصول إلى الوثائق، وتوفير تذاكر السفر ومِنحِه، كما أن له دورا آخر يتمثل في تنظيم الندوات والملتقيات العلمية، والتكفل بإصدار الكتب والمجلات العلمية المختصة، لكني أعتقد أن مخابر البحث قادرة على القيام بدور أكبر من هذا إذا توفرت لها الإمكانيات المادية الضرورية على غرار المعمول به في مخابر البحث بأوروبا”.

في خضم هذه التطورات التي يعيشها العالم اليوم، نتساءل أي مستقبل لكتابة التاريخ اليوم، يعلق ضيفنا “أعود وأكرر مرة أخرى على أننا في حاجة إلى كتابة تاريخ علمي، وإلى تدوينه بطريقة علمية وموضوعية، كما أننا في حاجة إلى الانفتاح على الخبرات الأجنبية، وتكثيف التعاون سواء على مستوى الجامعات العربية في ما بينها أو على مستوى التعاون في المشاريع المشتركة مع الجامعات الأوروبية. كما تجب إعادة الاعتبار للتاريخ في مستوى التدريس الابتدائي والثانوي، وتعليم الناشئة أن التاريخ ليس مجرّد أخبار أو مادة للحفظ، بل يمكن من خلاله تكوين ناشئة وطنية واعية بتضحيات الأجيال التي سبقتها، ومنفتحة على الآخر المتوسطي”.

ويتابع ضيفنا “إن الوعي بقراءة التاريخ يمكن أن يواجه الأفكار الظلامية والمتشددة، التي تتغذّى على الفهم الخاطئ للتاريخ أو تأويل ما يريدون تأويله”.

أي مستقبل لكتابة التاريخ اليوم

تدور أغلب مؤلفات الباحث حسام الدين شاشية حول صورة المسيحي عند المسلم وصورة المسلم عند المسيحي، عن سبب هذا التركيز يقول شاشية “اهتمامي بهذا الموضوع يعود إلى مشكلة العلاقة المتوترة اليوم بين العالمين الإسلامي والمسيحي، فالسؤال الذي قادني إلى دراسة الموضوع هو: هل كانت العلاقة دائما متوترة بين هاتين الحضارتين المتجاورتين؟ وهل تاريخ هذه العلاقة هي علاقة صدام دائم كما ينظر صامويل هنتغتون في كتابه “صدام الحضارات”؟ من هنا اهتممت خصوصا بتاريخ هذه العلاقة في الفترة الحديثة بين القرنين 16 و19، ولكن أيضا خلال العصر الوسيط (من سقوط روما إلى سقوط غرناطة 1492)، حيث حاولتُ من جهة دراسة الكتابات الأوروبية وخصوصا الأسبانية حول العالم الإسلامي، ومن جهة أخرى الكتابات العربية حول العالم المسيحي، ويمكن القول مبدئيا إن تاريخ هذه العلاقة، وإن انبنى في الظاهر على الصدام والاختلاف، فإنه يقوم على التواصل، ذلك أن حركة الأشخاص والمسافرين لم تتوقف يوما بين الاتجاهين. إجمالا يمكن القول إننا اليوم في حاجة أكثر إلى فهم تاريخ العلاقات المسيحية- الإسلامية لتجاوز الصدام وخلق حالة ممّا يمكن تسميته بتدبير الاختلاف أو التعايش في هاتين الحضارتين، بمعنى آخر إن التعايش يقوم على فهم الآخر، أي أن نتعايش كما يقول أمين معلوف: بهويات منفتحة لا هويات قاتلة”.

15