الباحث مهدي براشد: الحراك الجزائري خلقته لغة الناس والفصحى وقفت عاجزة

صدور أول معجم عن العامية الجزائرية، وفيه يكشف الباحث مهدي براشد عن أمور عديدة تتعلق بهذه اللهجة خاصة من ناحية أنتروبولوجية واجتماعية وسياسية وثقافية.
الأحد 2019/09/01
مهدي براشد: الجدل الجزائري الدائر بين اللغة العامية واللغة الفرنسية في الجزائر وراءه فريقان ايديولوجيان

تشكل اللسانيات حقلا دراسيا مرتبطا ومؤثرا بمجمل المنظومة المعرفية في الثقافة، إنما يمكن الحديث عن ندرة في الدراسات اللسانية العربية وخصوصا تلك التي يمكن أن تستفيد من المناهج المعرفية الحديثة. في هذا السياق يأتي عمل الباحث في اللغة مهدي براشد الذي عبرت اهتماماته وأبحاثه عن ولع عميق باللسان الجزائري يبحث فيه منذ سنوات عديدة، خاصة ما تعلق بمعانيه ومترادفاته ونقائضه وعلاقته بفضاء المكان والزمان من حيث تطور اللهجة الجزائرية، وقد أثمر هذا الجهد صدور أول معجم يعنى بهذا المجال عنوانه “معجم العامية الجزائرية بلسان عربي مبين”، وفيه كشف عن أمور عديدة تتعلق بهذه اللهجة خاصة من ناحية أنتروبولوجية واجتماعية وسياسية وثقافية.

 في هذا اللقاء يعود الباحث مهدي إلى العديد من القضايا المرتبطة باللهجة العامية الجزائرية وارتباطها باللغة العربية، ويميط اللثام عن خلو هذه اللهجة من تأثيرات اللغة الفرنسية مثلما يتم الترويج له، ويقدم رأيه في لغة الحراك ودور النخب في العناية ودراسة واقع ما أفرزه الحراك خاصة الشعارات اللغوية والثقافية.

مهدي براشد مهدي من مواليد حي القصبة بالجزائر العاصمة في 1965، درس الأدب العربي، يشتغل حاليا محررا صحافيا.

انصب اهتمامه على التراث الشعبي والشفهي المغاربي عموما وتراث العاصمة الجزائرية. يعد ماجستر في الأدب الشعبي حول “الوشم في قصائد (الحجام) في الملحون المغاربي”.

صدر له منذ سنوات قاموس حول العامية السائدة في الجزائر العاصمة بعنوان “معجم العامية الجزائرية بلسان عربي مبين”.

كتب سيرة لفنان الموسيقى والغناء الشعبيين الراحل عمر الزاهي.

وله تحت الإعداد “العرس الشعبي والطقس”.

لكي تفهم كيف يتكلم الجزائري؟ وبأي لغة؟ ما عليك إلا أن تستفسر الباحث في التراث الشعبي الشفهي مهدي براشد صاحب معجم مهم صدر منذ سنوات بعنوان “معجم العامية الجزائرية بلسان عربي مبين”، والذي بيّن فيه كما يقول، أن “العامية الدزيرية محصلة لعدة عاميات جزائرية تشكلت بفعل توافد الجزائريين على العاصمة ‘دزاير’ التي كانت حاضرة وعاصمة استقطبت الجزائريين من منطقة القبائل والمدية وجيجل وبسكرة ومليانة وغيرها من المناطق الجزائرية الأخرى، عبر العصور. لذلك كان إصراري على أن يكون العنوان الثانوي للقاموس ‘بلسان جزائري مبين’. مقام العامية الدزيرية بين العاميات الجزائرية الأخرى شبيه بمقام لغة قريش التي نزل بها القرآن، بلسان عربي مبين، بين لغات القبائل العربية الأخرى”.

مغالطات وأكاذيب تاريخية

العامية الدزيرية (الجزائرية) إلى غاية السبعينات كانت تحتوي على 10 بالمئة على أكثر تقدير من الألفاظ الفرنسية
العامية الدزيرية (الجزائرية) إلى غاية السبعينات كانت تحتوي على 10 بالمئة على أكثر تقدير من الألفاظ الفرنسية

في محيط العائلة يقول براشد عن سؤال يتعلق بمدى تأثير اللغة الفرنسية على اللهجة الجزائرية إن “استعمالهم للقاموس الفرنسي لم يتعلق، إلا بأشياء لا معادل لفظي لها في لهجتنا. اللفظة الفرنسية تأتي في آخر الترتيب بعد العربية والأمازيغية والتركية والفارسية والإسبانية والإيطالية واليونانية والمالطية”، وبلغة تصر على التحدي يضيف “أن العامية الدزيرية إلى غاية السبعينات كانت تحتوي على 10 بالمئة على أكثر تقدير من الألفاظ الفرنسية، حتى الألفاظ التي نعتقد أنها فرنسية إنما هي ألفاظ إسبانية أو إيطالية أو يونانية”.

فحتى الذين يقولون بـ”أطروحة ‘اللغة الفرانكا’ (la lingua franca) لا يستطيعون أن يأتوا بدليل واحد على أن هذه اللغة الفرانكا تجاوزت حدود الميناء إلى داخل المدينة، بدليل أن شعراء شعبيين من ‘دزاير’، على ما نعرف عن هؤلاء ارتباطهم بلغة المتلقي في نظمهم، لا نجد في قصائدهم ألفاظا من هذه اللغة المفترضة”.

ومن أمثلة ذلك يقول براشد “الشاعر الشيخ محمد بن إسماعيل صاحب قصيدة (الفراق) التي غناها الحاج امحمد العنقى، هذا الشاعر (1870-1820)، له قصائد كثيرة في مدح الأولياء الصالحين، وعلى رأسهم الولي الصالح الذي تنسب الجزائر العاصمة إليه سيدي عبدالرحمن الثعالبي، شارك في التحالف العثماني الفرنسي البريطاني والإيطالي ضد الإمبراطورية الروسية في حرب القرم (1853-1858). وقد أفرد له العلامة الدكتور محمد بن شنب مقالا مطولا في ‘المجلة الأفريقية’، لا نجد لفظة واحدة من هذه اللغة الفرانكا.

وهناك شاعر آخر هو مصطفى بن محمد الكبابطي، شاعر من ‘دزاير’ أيضا عمل مدرسا في مساجد الجزائر (العاصمة)، ثم تولى التدريس في الجامع الأعظم (1824)، ثم ولاه الداي حسين باشا القضاء على المذهب المالكي (1827)، ناهض الاحتلال من خلال معارضته ضم الأوقاف الإسلامية إلى أملاك الدولة الفرنسية، ونضاله للإبقاء على تعلم القرآن الكريم، وإصداره فتوى تحريم الهجرة هروبا من الاحتلال، فسجن ثم نفي إلى الإسكندرية. لن نجد في شعره لفظة من قاموس اللغة الفرانكا. أعتقد أن الأمر، في هذه اللغة الأكذوبة، يتعلق بمسألة اقتراض لا أكثر”.

ويستنتج الباحث براشد أن “العاصمة لم تفرنس أيام الاستعمار الفرنسي الذي عجز، على مدى 130 سنة، عن إدخال لغته إلى البيت الجزائري والحي الجزائري، واستطاع الاستقلال أن يفعل ذلك وببراعة في أقل من 50 سنة. مسألة اللغة بصفتها أحد أهم مكونات الهوية بالنسبة إلى أي شعب، كانت ومازالت مظهرا وحقلا للجدل الدوغمائي والانفعالي، إلا أنها في الجزائر كانت موضوع تنازع عاطفي بشكل فج”.

ويرجع مسألة التجاذب والجدل القائم بين العامية الجزائرية واللغة الفرنسية إلى “فريقين أيديولوجيين: معرب متطرف بفعل التوجه الناصري الذي أراد أن يلحق الجزائر، في انتمائها الثقافي واللغوي أيضا بالقومية العربية على مشيئة المشرق العربي ورؤيته، وبالتالي احتقار العامية الجزائرية أو على الأقل جعلها وسيلة اتصال لا ترقى للتعبير عن الهوية الثقافية للجزائر، كما هي اللغة العربية الفصحى (اللغة الرسمية)، بل واعتبر الاهتمام بالعامية تكتيكا من الداعي إلى الاهتمام بها لضرب العربية باعتبارها مقوما أساسيا من مقومات الشعب الجزائري. ومفرنس متطرف كذلك يعتقد اعتقادا في أن العربية لغة تخلف، وأن الفرنسية ‘غنيمة الحرب’ الوصف الذي وجد فيه درقا جيدا للاختباء وراءه، هي لغة التطور، وعمل جاهدا على الاهتمام بالعامية، ولكن من باب أنها لا تمت بأي صلة للعربية، مستندا في ذلك، عن بينة أو جهل، إلى أكذوبة ما يعرف بـ’اللغة الفرانكا’ (Lingua franca) هذا الهجين اللغوي الذي عرفته مرافئ حوض البحر المتوسط خلال القرن الـ16 والـ17 والـ18 بفعل تطور وتوسع القرصنة فيه”.

اللسان الجزائري

جرنا الحديث مع الباحث براشد إلى سؤال هام ومفصلي حول علاقة اللهجة العامية الجزائرية باللغة العربية ولماذا يتردد أنه يقول دوما عنا المشارقة إنهم لا يفهموننا عندما نتحدث معهم، يقول “إن لغة الجزائريين، والمغاربة على العموم، أداء من الأداءات العربية، بل وأداء ينحت من قاموس موغل في القدم، فيه ما لم يعد مستخدما حتى في دول المشرق. وإن كان هناك من يحاول أن يمرر فكرة أن اللغة المغاربية ذات جذور ‘بونيقية’ (هي لغة سامية مندثرة، تحدث بها سكان شمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط، وتعتبر منحدرة من الفينيقية)، على ادعاء الأستاذ عبدو اليمام (باحث جزائري في اللسانيات)، غير أنه ادعاء يسهل دحضه، لأنه استشهد بكلمات بونيقية في العامية المغاربية هي موجودة في العربية على اعتبار أن كلا اللغتين سامية، بل ونجد بعد الأمثلة المستشهد بها حتى في العبرية والآرامية. فلماذا لا تكون هذه الأمثلة عربية وليست بونيقية”.

ويعطي براشد أمثلة عن ذلك فإلى “غاية السبعينات كان الجزائريون يقولون للمطرقة ‘فطيسه’، ولشريط مسك الشعر’قردون’ من ‘القردن’ أي القفا، ويقولون لزاوية البيت ‘القنط’ من قنط أي ضاق، ومازالوا يقولون لرأس الخروف بعد أن يحرق ‘بوزلوف” لأنهم يزلفونه من النار، أي يقربونه، ومازالوا يقولون لرائحة الطعام المحترق ‘شياط’ وللفضلة ‘شياطه’ من شياط القدر أي معلق به، ويقولون ‘الطابونة’ للموقد من ‘طبن النار’ إذا دفنها في الأرض موقدا. والأمثلة كثيرة على ذلك”، وهو ما يفسر حسبي “أن الأمر يتعلق بحركة الشعر الشعبي التي كانت جد مزدهرة في الدول المغاربية والجزائر واحدة منها، وكان هذا الشعر مثالا يحتذى به ينحت منه الجزائريون لغتهم”.

استبدال الفرنسية بالإنكليزية

مهدي براشد مهدي من مواليد حي القصبة بالجزائر العاصمة في 1965، درس الأدب العربي، يشتغل حاليا محررا صحافيا.
مهدي براشد مهدي من مواليد حي القصبة بالجزائر العاصمة في 1965، درس الأدب العربي، يشتغل حاليا محررا صحافيا

​​​​

عما تردد مؤخرا عن توجه السلطة في الجزائر إلى استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنكليزية يرى براشد أن هذا “الطرح جاء في ظرف سياسي تعيشه الجزائر منذ 22 فبراير 2019، وهو يخضع لاعتبارات سياسية تريد أن توهم بأن السلطة الجديدة/القديمة تريد أن تحدث قطيعة مع الهيمنة الفرنسية سياسيا واقتصاديا عن طريق القطيعة الثقافية واللغوية، على اعتبار أن الانسداد الذي وصلت إليه البلاد سببه هذه الهيمنة. أعتقد أنها محاولة استغلال العاطفة الجماعية للجزائريين المعادية لفرنسا الاستعمارية لتحقيق نوع من المصداقية والثقة لدى الشارع الجزائري المنتفض المطالب بذهاب النظام القديم والسلطة التي يتمظهر فيها”.

يبدو الطرح حسبه إلى نوع من “الارتجالية غير خاضع لإرادة مسبقة في هذا الاتجاه حتى تكون هناك فعلا دراسة وتفكير في الموضوع بشكل جدي والتوجه إلى الإنكليزية كلغة أجنبية أولى، على ما في الفكرة من حقيقة أن البحث العلمي تجاوز اللغة الفرنسية”، فمثل هذه المواضيع وإن “كان طرحها يخضع لاعتبارات عاطفية، فعلينا معالجتها بعيدا عن هذه الأخيرة، ونتعامل معها من منطلق مناقشة الواقع بكل تجرد وعقلانية. والواقع يقول إن اللغة الفرنسية، وعلى مدار 132 سنة من الاحتلال الفرنسي، وتكريسا لها لقرابة 60 سنة، ثم تغلغلها في المجتمع كما في دواليب مؤسسات الدولة، أصبحت لغة ثالثة للجزائريين بعد العربية بكل أداءاتها اللهجية المختلفة والأمازيغية بكل أداءاتها اللهجية أيضا. وفي كثير من الأحيان تكون هي اللغة الأولى، في المجالات الرسمية السياسية والاقتصادية، وفي مجال الثقافة والفن، وحتى المجال العلمي التقني. ناهيك عن أن الاتصال مع الآخر مع العالم الخارجي يمر بنسبة كبيرة عبر وسائط إعلام فرنسية وفي مقدمتها التلفزيون والسينما وشبكات التواصل الاجتماعي”.

إضافة إلى ذلك يذكر براشد “أن أكبر جالية جزائرية في الخارج موجودة في فرنسا، وفيها جزء معتبر من النخبة. هذه الجالية مازالت مرتبطة بالوطن الجزائر ولكنها في الوقت نفسه تعمل على ربط عائلاتها ومعارفها بفرنسا. كل هذه الأمور تقول إن التخلص من اللغة الفرنسية في التعامل الرسمي صعب إن لم يكن صعبا جدا ويحتاج إلى عمل طويل المدى. أما على مستوى التعامل اليومي، فإن تعاطي الجزائريين مع الفرنسية تم بشكل أصبحت به هذه اللغة تنطبع بطبيعة جزائرية محضة. الفرنسية لدى الجزائريين ليست فرنسية فرنسا”.

لغة الحراك

كان من حسنات الحراك الشعبي في الجزائر حسب براشد وهو يفكك لغته أنه “أبان عن الواقع اللغوي للجزائريين، بعيدا عن أحكام القيمة التي تتحكم فيها وتحددها الانتماءات الفكرية والأيديولوجية ومآرب أخرى، هو واقع موجود ويفرض وجوده علينا شئنا الاعتراف به أو لم نشأ”، وقد أكد الحراك على “المقولة اللسانية المعروفة التي لا يريد أن يسلم بها البعض أن الفرق بين اللغة واللهجة هو أن الأولى: لها سلطة تكفل لها أدوات فرضها وحمايتها والدفاع عنها، والثانية: ليس لها ذلك”. لذلك في اللحظة التي استعاد فيه الشعب الفضاء العام وأسقط السلطة التي كانت تحتكره تحولت “اللغة العامية” أو “الدارجة” من “الهامش” غير المعترف به إلى المركز، وأصبحت هي “اللغة الرسمية” للحراك.

أهم ما سجله من ملاحظات خلال الحراك الشعبي يقول “إن الشعارات والهتافات التي رفعها الجزائريون خلال مظاهراتهم طغت عليها اللغة العامية (الدارجة)، ولم تستطع الشعارات والهتافات التي رفعت باللغة ‘الرسمية’ العربية أو الفرنسية أن تصمد أمامها. حتى المنتوج الإبداعي في الأغاني كان منتوجا شعبيا. ولم يظهر، إلى حد الساعة، منتوج ثقافي أو فني باللغة الرسمية فرنسية أو عربية”.. فشعارات، يضيف، “من قبيل ‘جزائر حرة ديمقراطية’ ولا ‘يونا مار دو سو بوفوار’ (سئمنا من هذا النظام) ولا حتى نشيد ‘من جبالنا’ كان يرددها مناضلو حزب التجمع من أجل الديمقراطية والثقافة أمام المقر الولائي بشارع ديدوش مراد أن تصمد كثيرا أمام شعار ‘جيبو البياري جيبو الصاعيقه.. ماكاش الخامسه يا بوتفليقة’. كما لم تصمد أمامه حتى شعارات الإسلاميين التي اعتقد الكثير أنها تجذرت في مخيال عامة الجزائريين”.

وهناك نقطة أساسية وهامة يقول براشد طغت على الحراك وهي “تصدر اللغة العامية من خلال شعارات الحراك، واجهات الصحف دون أن يثير ذلك حتى أرثدوكس اللغة العربية ‘الفصحى’، بل إن المتعلم والمثقف الذي كان يستعمل اللغة الرسمية بشكل واسع لمقتضيات نشاطه العلمي أو الثقافي أصبح يقول ‘الشعب حررنا’ وكأنه ليس من الشعب. إنه الشعور بأن الحراك الشعبي قد حرره من الرسمي وأدواته اللغوية والثقافية”، من هنا أعتقد أن “الحراك في لحظة تمظهره حالة وجدانية انفعالية، ومن ثمة فهي حالة لن تجد قاموسها في اللغة الرسمية بل في اللغة اليومية التي يعيش بها الجزائري ويتعامل بها يحب بها ويكره بها، يمدح بها ويشتم بها. ولا يمكن أن تكون هناك لغة مواتية لهذه الحالة الوجدانية من اللغة الأم اللغة العامية”.

أسباب ونتائج

 الحراك الشعبي في الجزائر “أبان عن الواقع اللغوي للجزائريين"
 الحراك الشعبي في الجزائر “أبان عن الواقع اللغوي للجزائريين"

عن أسباب هذا النزوع والتشبث باللغة العامية فيرجعها براشد إلى أن “الجزائريين لم يغيروا لغة التواصل بينهم والتعبير عن أنفسهم بين ليلة وضحاها، فهي لغتهم اليومية، كل ما في الأمر أنها انتقلت من الفضاء المغلق المظلم الهامش إلى الفضاء المفتوح المضيء المركز.

بعبارة أدق انتقلت من ملاعب كرة القدم باعتبارها فضاء هامشا لمجموعة هامشية هم الأنصار إلى الساحات العمومية والشوارع الرئيسية للمدن باعتبارها فضاء عاما للمواطنة. لذلك استلذ الشباب الجزائري الحراك إذ وجد فيه رحابة واتساعا أكبر للتعبير وأمام حضور أكبر يعطي أهمية لتظاهره ويرد له الصدى وبالإعجاب، فلم يكن له استعداد للعودة إلى الهامش مرة أخرى”.

لماذا لم تتفاعل النخب بشكل قوي مع لغة الحراك هذه يرد براشد على هذا التساؤل بالقول “المشكلة في أن النخبة التي التصقت بالرسمي بشكل وثيق بل وكانت بالنسبة إلى البعض أداة الرسمي في تنميط ثقافة المجتمع ولغته في معيارية لا تقبل التنوع وتخاف منه هي التي كرست عمى هذه النخبة والسلطة معها عن الأغاني التي كان يصدح بها أنصار ‘المولودية’ و’اتحاد العاصمة’ و’الحراش’ و..غيرها من الفرق الكروية الأخرى، على ما كان في هذه الأغاني من خطاب سياسي واقتصادي واجتماعي يعبر بصدق عن واقع عموم الجزائريين، وموقف تجاه السلطة ينبئ بشيء ما كان سيحدث ولم ننتبه إليه”.

دلالات ومعان

براشد: الجزائريون على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية وجدوا في الدارجة اللغة الصادقة غير المداهنة رفعت سقف المطالب بشكل أحرج السلطة.
براشد: الجزائريون على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية وجدوا في الدارجة اللغة الصادقة غير المداهنة رفعت سقف المطالب بشكل أحرج السلطة

يحلل براشد بعض مقولات الحراك وبعض أغانيه ومفرداته ويدرجها ضمن سياقات تاريخية، فأغان كـ”لا كازا دل المرادية” و”بابور اللوح”، التي أربكت السلطة في 2018، ثم ما انفكت أن تغاضت عنها مثلما عميت عنها النخبة، مؤشر على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم قد بلغت مداها، وأنه لم يعد ممكنا أن تستمر بالشكل الذي هي عليه، فلا أحد انتبه “أن الأشياء قد بلغت مداها الأقصى، إلى أن كانت حادثة القاعة البيضاوية حيث أعلن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة (القطرة التي أفاضت الكأس). في هذا الحين ظهر مصطلحا ‘الكاشير’ و’الكاشيريست’ اللذان سيزداد تداولهما بعد الحراك ويصل حتى إلى المخابر اللغوية الأجنبية”.

كذلك الأمر مع لفظة “كاشير” أين انتشرت كالهشيم في أتون الحراك، يقول عنها براشد “تكرست بعد فيديو لشاب حضر ‘مهرجان’ القاعة البيضاوية يشكو أنه لم يجد قطعة ‘الكاشير’ في الساندويش الذي أعطي له ولم يحصل على 500 دج نظير حضوره ولملء القاعة البيضاوية”.

قد يكون الفيديو قد تم إخراجه ولم يكن عفويا، ولكن في كلا الحالتين فإن لفظة “الكاشير” خرجت من سياقها القاموسي للتدليل على هذا النوع من اللحم المجفف إلى لفظة بمحمولات سياسية وأخلاقية وقيمية. تحول “الكاشير” إلى مرتبة أعلى في الرشوة وشراء الذمة، فهو ليس “القهوة” (الرشوة البعدية) التي كنا نعرفها في السبعينات ولا “التشيبة” التي تعني الحق في مقابل تأدية الخدمة، بل هو بيع الذمة بأبخس الأثمان، أكل “الكاشير” هذه الأكلة الرخيصة المبتذلة من أجل دعم العهدة الخامسة (أكل الكاشير ليأكلوا هم البلد). علينا ألا ننسى ما اقترفه “الكاشير” في حق المستهلكين من تسممات خلال السنتين الماضيتين، ومن مصنع كان يظهر يوميا في قناة محسوبة على السلطة ليكذب على المستهلك “بلاط غذاؤك بين أياد آمنة”.

في السياق نفسه يقول “عبارة ‘كليتو لبلاد يا السراقين’، يجب أن تؤخذ على غير ظاهرها، فهي على تهذبها تحمل دلالة جنسية. فلطالما عبر الجزائري عن ممارسته الجنس بعبارة ‘كليتها’ للتعبير عن الجوع والنهم الجنسي الذي كان يعانيه، وعبارة ‘كليتو لبلاد’ لو حولت إلى العربية الفصحى لكانت ‘اغتصبتم البلاد'”.

ويخلص براشد إلى نتيجة مهمة وهي أن “الجزائريين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية وجدوا في الدارجة اللغة الصادقة غير المداهنة لغة راديكالية رفعت سقف المطالب بشكل أحرج السلطة. لقد كانت عبارة ‘يتنحاو قاع’ التي تجاوزت الحدود ودخلت حتى مهرجان كان السينمائي، منعرجا هاما في تطور الحراك الشعبي أوضح أن مطلب الملايين الذين خرجوا إلى الشارع في جمعات متتالية إنما هو اقتلاع النظام من جذوره وليس تغييرا سطحيا لا يؤثر في الأشياء مهما اتسع على السطح وطال البيادق وغيرها دون أن يغير في قواعد اللعبة”.

11