البارزاني يرفض الانتحار سياسيا ويمضي بخيار الاستفتاء

الاثنين 2017/09/25
الإعاقة تحاصر ولادة الدولة الكردية

أربيل - لم تفلح الضغوط الداخلية والخارجية في إجبار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، على التراجع عن خطوة الاستفتاء على مصير أكراد العراق، الذي دخل عمليا حيز التنفيذ اليوم الاثنين. ويقول محللون إن البارزاني لم يعد متاحا أمامه خيار التراجع، الذي قد يصبح بمثابة انتحاره سياسيا.

وبينما أعلنت إيران إغلاق أجوائها مع إقليم كردستان العراق بطلب من الحكومة العراقية في بغداد، واصل الجيش التركي مناوراته العسكرية قرب حدود الإقليم الكردي.

وجاءت هذه التطورات في الساعات الأخيرة التي سبقت الاستفتاء. ويقول مراقبون إن التصعيد الإقليمي الجاري مؤشر على الإجراءات التي ستتخذها بعض الدول الكبرى والإقليمية بشأن الاستفتاء.

وقال البارزاني في مؤتمر صحافي إن الأكراد سيمضون قدما في الاستفتاء على الاستقلال الاثنين.

وأضاف أنهم سيسعون لإجراء محادثات مع الحكومة المركزية في بغداد لتنفيذ نتيجة الاستفتاء المتوقع أن تكون “نعم”، حتى إذا استغرق ذلك عامين أو أكثر.

وتابع “لن نعود مطلقا إلى شراكة فاشلة” مع بغداد، مضيفا أن العراق أصبح “دولة دينية طائفية” وليس دولة ديمقراطية كان من المفترض إقامتها بعد الإطاحة بصدام حسين في 2003.

وسرعان ما ردّ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي أكد أن حكومته لن تعترف باستفتاء استقلال كردستان ولا بنتائجه، مهددا باتخاذ إجراءات لاحقة لحفظ وحدة البلاد.

وقال العبادي في خطاب للشعب العراقي إن “التفرد بقرار يمس وحدةَ العراق وأمنه ويؤثر على كل مواطنيه وعلى أمن المنطقة هو قرار مخالف للدستور وللتعايش السلمي بين المواطنين”.

وبدت مدن إقليم كردستان الثلاث، أربيل والسليمانية ودهوك، هادئة قبل موعد إجراء الاستفتاء بساعات، في إشارة إلى إمكانية أن يجرى الاقتراع بصورة سلسة، على عكس مدينة كركوك التي تقع خارج حدود الإقليم.

وتقول مصادر محلية في كركوك إن “التوترات بلغت مداها في المدينة” الغنية بالنفط، وحيث يعيش خليط من الأكراد والعرب والتركمان.

وكركوك هي معقل للاتحاد الوطني بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني، حيث انتشرت قوات الأمن التابعة للحزب وضربت طوقا أمنيا على مراكز ومقار حكومية وحزبية، في ظل انتشار واضح لقوات تتبع أطرافا أخرى كحزب البارزاني وتشكيلات متعددة تتبع الحشد الشعبي.

وفي منطقة سهل نينوى المجاورة ذكرت وسائل إعلام كردية أن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وصل إلى المنطقة قبل ساعات من بدء تصويت الناخبين في الاستفتاء. ولم ترشح أنباء عن سبب الزيارة، لكن مصادر قالت إن سليماني زار مواقع لمسلحين تابعين للحشد الشعبي في المنطقة.

وجاءت أنباء زيارة سليماني إلى هذه المنطقة المتنازع عليها والتي يسيطر عليها مسلحون مسيحيون تابعون للحشد الشعبي، على وقع مناورات قتالية أجراها الجيش الإيراني قرب حدود كردستان العراق.

وتقول مصادر سياسية في أربيل لـ”العرب” إن “القيادة السياسية الكردية ضمنت إجراء الاستفتاء في مدن الإقليم والمناطق ذات الغالبية الكردية التي تقع خارجه، ولكن ذلك ليس شرطا لشمول جميع المناطق به”.

وتضيف أن “تصويت مواطن واحد خارج حدود الإقليم لصالح الاستفتاء، سيمنح الخطوة الكردية الشرعية اللازمة”.

وقضت الأحزاب الكردية المعترضة على إجراء الاستفتاء في كركوك ساعات عدة في اجتماع مع البارزاني، الأحد، لكنها لم تنجح في إقناعه بتأجيل الاستفتاء في المدينة المتنازع عليها.

ويخشى الأكراد المعترضون في كركوك على الاستفتاء من أن يطلق مشروع إعلان الدولة الكردية نزاعا مسلحا بينهم وبين جيرانهم التركمان والعرب في المدينة.

وقالت مصادر لـ”العرب” إن “البارزاني تعهد أمام قادة الأحزاب الكردية المعارضة في كركوك بتوفير الأجواء اللازمة لضمان إجراء الاستفتاء في المدينة”.

ووزعت أوراق الاقتراع في الاستفتاء على نحو 250 مركزا انتخابيا في كركوك. ويبدأ الاقتراع في الثامنة من صباح الاثنين ويستمر حتى السادسة مساء.

وفي بغداد تتحدث شخصيات قيادية في الأحزاب السياسية الشيعية عن “إجراءات حكومية قاسية” ضد إقليم كردستان، ردا على خطوة الاستفتاء.

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن الإجراءات التي تخطط لها بغداد ضد كردستان، ردا على الاستفتاء، تشمل فك الارتباط القانوني بين المركز والإقليم ووقف التعامل المالي معه وإيقاف دفع رواتب قوات البيشمركة.

ويعتقد مراقبون أن من شأن هذه الإجراءات أن تسبب أضرارا اقتصادية بالغة للإقليم، لا سيما إذا ترافقت مع إجراءات مماثلة تفرضها كل من إيران وتركيا اللتين تعارضان الاستفتاء الكردي أيضا خشية إيقاظه المشاعر القومية للملايين من الأكراد من مواطني الدولتين.

ويطالب نواب ونشطاء عراقيون بطرد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ونائب رئيس البرلمان آرام الشيخ، والعشرات من الوزراء والنواب والمدراء التنفيذيين الأكراد من بغداد، إذا لم يعلنوا عدم اعترافهم بنتائج الاستفتاء.

ويقول الكثيرون إن “المسؤولين الأكراد في بغداد يكلفون الميزانية العامة للعراق مئات الملايين من الدولارات سنويا، لتغطية رواتبهم ومخصصاتهم ونفقات إقامتهم وتنقلاتهم، وما لم يعلنوا رفضهم لمشروع الانفصال فلا يصح وجودهم في العاصمة العراقية”.

ويقول مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إن “الحكومة المركزية ستؤدي مسؤوليتها لحماية وحدة الأراضي العراقية في حال إجراء استفتاء إقليم كردستان”، من دون الكشف عن طبيعة الإجراءات التي تخطط لها بغداد.

وأضاف الفياض المقرب من إيران أن “الاستفتاء هو عمل استفزازي وكسر للأطر التاريخية بين العرب والأكراد، وسيكلف الجهات الراعية له ثمنا باهظا”. وتابع “يجب أن يكون الحوار قبل الاستفتاء وليس بعد التنفيذ، فمتى ما تم الاستفتاء سيتم الرد عليه بأسلوب دستوري وقانوني”. وكشفت خطوة الاستفتاء عمق الخلافات داخل الأحزاب الكردية.

وتقول مصادر لـ”العرب” إن “حزب الطالباني شهد جدلا مثيرا بشأن الاستفتاء، وانقسمت قياداته إلى فصيلين متعارضين؛ الأول داعم للاستفتاء بقيادة كوسرت رسول نائب الأمين العام والمقرب من البارزاني، والثاني رافض له وتقوده شخصيات قريبة من إيران”.

وامتد الجدل بشأن الاستفتاء إلى حزب البارزاني نفسه، إذ تقول المصادر إن نيجرفان البارزاني، رئيس حكومة الإقليم ونجل شقيق رئيس كردستان، يتبنى خيار تأجيل الاستفتاء في الوقت الحالي.

وقالت رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في البرلمان العراقي، آلا طالباني، إن نيجرفان البارزاني “يتفهم المخاوف بشأن الاستفتاء”.

وتقول المصادر إن “نيجرفان البارزاني تلقى تنبيها من عمه البارزاني بتجنب الحديث عن الاستفتاء في وسائل الإعلام”.

للمزيد:

الاستفتاء.. مفاجأة الأكراد غير السارة للعبادي في ختام حرب داعش

استفتاء انفصال كردستان عن العراق: الواقع والتحديات

استفتاء كردستان: مصير كركوك أم مصير نفط كركوك

سكان كركوك يتهافتون على شراء المواد الغذائية

1