البارون ديفيد أوين مذكرا بحمامة السلام الغربية المتفحّمة

السبت 2015/10/10
وزير خارجية بريطاني أسبق يسرّب الخطة السرية لإنهاء الصراع في سوريا

نشرت جريدة الدستور الأردنية تصريحات لوزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد أوين، قال فيها إن “الأردن سيدخل إلى دمشق في نهاية المطاف، بتفويض دولي ورضا أممي”.

ولا شك أن الانتظار الطويل على الأوضاع في سوريا، والذي أرادت له الولايات المتحدة أن يكون هكذا، حتى تتكامل فكرة “مصيدة الذباب” التي وضعتها المخابرات الأميركية، والقصد منها استدراج إرهابيي ومتطرفي العالم إلى هذا البلد الصغير في قلب المشرق العربي، ساهمت في زعزعة أمن واستقرار دول العالم، لا سيما مراكز القوى الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا في أوروبا، ودول عدة في قارات مختلفة، دون أن تنعكس سلبا ومباشرة على أمن الولايات المتحدة أو مصالحها الاستراتيجية.

لكن تلك الدول قد تضرّرت، ولعل هذا هو أحد أهداف المشروع الأميركي، ليس فقط بأزمة اللاجئين، ولكن أيضاً في تفتيت ثقلها في المشرق ذاته، وتهديد مصالحها، وخلخلة قيمها الديمقراطية، فلم يعد ممكناً أن يرفع رئيس الوزراء البريطاني أو نظيره الفرنسي أو غيرهما الصوت بالمبادئ الديمقراطية والحدود الواضحة في عالم القيم المتحضرة، طالما أن الموقف من الأسد الذي يقتل شعبه بكل أنواع الأسلحة، على هذه الشاكلة، وزاد الأمر تعقيداً تدخل الروس عسكرياً، ونسفهم للتفاهم الذي أبرموه بأنفسهم مع الأميركيين والأوروبيين والعرب، والذي عرف باسم بيان جنيف.

يقول أوين “إن الدولة السورية الحالية سوف تتحوصل فقط على شواطئ المتوسط، وإن على العالم الاستعداد لهذا السيناريو، أي: سيناريو سقوط الدولة السورية الحالية والشكل الجديد للمناطق المتبقية من الدولة السياسية الراهنة، فهي مناطق ستخضع فعليا لإعادة ترسيم بقرار دولي”.

دمشق ستسقط قريبا

ليس بلا معنى أن يصدر هكذا تحليل على لسان ديفيد أوين، أو البارون الطبيب أوين الذي ولد في العام 1938 وكان واحداً من “عصابة الأربعة” الذين تركوا حزب العمل لتأسيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي البريطاني، وشغل مقعداً في مجلس النواب عن بليموث لمدة ستة وعشرين عاماً، عمل خلالها كوزير للبحرية والصحة والخارجية، وبدءاً من العام 1992 ترأس أوين مفاوضات السلام التي قادها الاتحاد الأوروبي في يوغوسلافيا السابقة، مع سايروس فانس، ووضعا معاً خطة السلام التي عرفت باسم خطة فانس ـ أوين، ولم يكن أوين في يوم من الأيام، من الذين ينطقون عن الهوى، وهو الأقرب إلى غرف صناعة السياسات الكبرى.

السياسي والطبيب أوين يعد واحدا من (عصابة الأربعة) الذين تركوا حزب العمل لتأسيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي البريطاني، كما ترأس المفاوضات التي قادها الاتحاد الأوروبي في يوغوسلافيا السابقة، مع سايروس فانس، ووضعا معا خطة السلام التي عرفت باسم خطة فانس ـ أوين

يقول أوين “دمشق ستسقط قريباً، وليس بعيداً، وعندئذ سينتقل تنظيم داعش إلى الفوضى، ومن الحتمي بالنسبة إلى روسيا وإيران، وكذلك لأميركا وأوروبا، أن يتم إنقاذ دمشق. ولكن السؤال هو: كيف؟ إن ما تمس إليه الحاجة بشكل يائس، هو تفويض إقليمي بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلام الدولي وتحقيق استقرار الصراع في دمشق وحولها، تفويض لإدارة العاصمة والدفاع عنها، يكفل الانتقال على مدى سنتين لاستعادة دولة مستقلة، والإعداد لانتخابات يتم الإشراف عليها دوليا، وإن هذا التفويض لا بد أن يلبّي ويعترف بالحاجة إلى انسحاب متزامن للأسد وقواته إلى اللاذقية، فيما يتحرك الأردن إلى دمشق. ويقر هذا التفويض أيضاً، بأن الأردن يمكنه استدعاء مساعدة إقليمية كاملة في دمشق وحولها، وصولاً إلى الحدود الأردنية، كما يقر بأن الأردن ينبغي أن يكون قادراً على استدعاء المساعدة العسكرية من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، التي يمكن لقواتها أن تصل جواً على الفور للدفاع عن حدود الأردن، ولكن مع سلطة دخول سوريا”.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها الحل في المشرق على يد البريطانيين وبالطريقة ذاتها، بعد مئة عام بالضبط على دخول الأمير فيصل بن الشريف حسين (جد الملك الأردني عبدالله) إلى دمشق، لإنهاء الفوضى فيها، وضبط الأمور، وتأسيس دولة جديدة على أنقاض الحامية العثمانية التي غادرت المدينة وسوريا معا منكفئة نحو الشمال حيث تركيا الحالية.

حينها استقبل العرب السوريون، بمكوناتهم الدينية والطائفية ومعهم الأعراق السورية المختلفة، القادمين من الجنوب لتحرير دمشق، استقبالاً مهيباً، وخوّلت النخب والطبقة السياسية فيصل كرسي الحكم دون أيّ اعتراض، بل كان بالنسبة إليهما مخلّصاً ومنقذاً من الضياع والتفتت، قادراً بمكانة والده ودعم البريطانيين له على لمّ الشمل السوري تحت عباءة واحدة.

العدو غير الواضح

الأجواء الجيوسياسية كانت يومها، مشابهة تماماً لما يحدث الآن، وكان خطر تفتت سوريا (بمساحتها تلك الأيام) والذي تحدث عنه أوين، قائماً، وكان الرئيس الأميركي ويلسون غير مهتم بالمنطقة، كما هو أوباما اليوم، وتجاهلت إدارته تقرير المبعوث الأميركي كراين، كما تتجاهل إدارة أوباما نداءات الساسة الأميركيين اليوم، مثل جون ماكين وكارتر وآخرين.

العدو كان العثمانيين الأتراك، ومعهم الروس الذين غرقوا في مشاكلهم الداخلية بعد الثورة البلشفية، بينما لا يبدو العدو واضح المعالم اليوم، فإيران كانت مركز محور الشر، وهي اليوم تخطو بفضل أوباما خطوات تطبيعية مع الغرب، بعد الاتفاق النووي، وروسيا التي يختلف الغرب معها حول أوكرانيا يجد نفسه مضطراً إلى التعامل معها بسبب الاقتصاد والغاز وسوريا مؤخراً، والصين عدوّ مؤجل، بعد أن أصبحت الشراكة الاقتصادية الأميركية معها متداخلة إلى درجة تمحو الفوارق بين الحليف والخصم، كوريا بعيدة، والأسد مجرد حجر صغير في طريق الاستقرار، بينما لم يكن في دمشق حينها سوى الفراغ، لكن إلى جانب الفراغ، كان يجري أمر آخر غرب دمشق، بعد وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور للحركة الصهيونية بتأسيس دولة يهودية في جزء من سوريا كان اسمه فلسطين، واليوم وبعد مئة عام، صار كياناً قائماً له دور كبير في إبقاء الحال في سوريا على ما هي عليه.

كان فيصل القادم إلى دمشق، قد اتفق مع حاييم وايزمن في وثيقة شهيرة، تثبت موقف الطرفين في تفهم مطالب وحقوق الآخر، لذلك كان تقدم منقذ دمشق، يسيراً، ولم يواجه صعوبات، ولم تكن قد وقعت حروب بين العرب واليهود حينها، ولا مجازر ولا تهجير ولا أيّ شيء من هذا القبيل، بينما تواجه المعارضة السورية مأزقاً حقيقياً اليوم، فهي عالقة في موقف تاريخي معادٍ لإسرائيل، بسبب تركة وإرث الصراع الذي لم تخضه هي، بل خاضه النظام الذي تثور عليها اليوم، بينما ينسق النظام ذاته، نظام الأسد، مع الروس والإسرائيليين مباشرة، ولا يخفى على أحد دور إسرائيل في ابتكار فكرة نزع السلاح الكيميائي من نظام الأسد بدلاً من ضربه عسكرياً بعد أن وصلت البوارج الأميركية إلى المياه السورية تقريباً.

المعارضة السورية تعجز عن التوصل إلى حلول لمشكلة العلاقة مع إسرائيل، بعضها ذهب إليها مباشرة، وغالبيتها ما تزال عالقة في ثنايا العلاقة الإشكالية، الإسلاميون السوريون لا يستطيعون فك مواقفهم عن موقف حركة حماس، لكنهم في الوقت ذاته لا يقيسون على موقف حلفائهم الأتراك في حزب العدالة والتنمية الذين يحتفظون بعلاقات رسمية واستراتيجية مع إسرائيل رغم الخلافات الشكلية والشفهية.

الأجواء الجيوسياسية تبدو اليوم مشابهة لأجواء المشرق قبل مائة عام، فقد كان خطر تفتت سوريا (بمساحتها تلك الأيام) والذي تحدث عنه أوين، قائما، وكان الرئيس الأميركي ويلسون وقتها غير مهتم بالمنطقة، كما هو أوباما اليوم، حيث تجاهلت إدارته تقرير المبعوث الأميركي راين، كما تتجاهل إدارة أوباما نداءات الساسة الأميركيين اليوم، مثل جون ماكين وكارتر وآخرين

إسرائيل الغائب عن معادلة المعارضة

المعارضة السورية المدنية التقليدية، من غير الإسلاميين، تعتبر نفسها متخرجة من مدرسة النضال العربي الفلسطيني المشترك، نمت وعاشت على شعاراته، وتتلمذت على يد جورج حبش وياسر عرفات وكمال جنبلاط، وحين تسألها عن الحل الذي تقدمه لمسألة الجولان السوري المحتل، يأتيك الجواب بأن هذه المسألة مؤجلة حتى ننتهي من إسقاط نظام بشار الأسد، وهنا يتركز جوهر الإشكال السوري.

لا ترى المعارضة السورية إسرائيل في رقعة شطرنج المنطقة التي تحارب عليها، وحين يعلو صوت جبهة النصرة أو التنظيمات الإسلامية الجهادية الأخرى بهتافات تثير رعب الإسرائيليين أو تعادي اليهود، لا يأتي الرد من المعارضة السورية الليبرالية أو العلمانية، وتكتفي بالصمت، بينما يقدّم بشار الأسد نموذجاً مناسباً صنّعه والده حافظ الأسد في حالة “اللاسلم واللاحرب” التي أرساها، والتي ضمنت لإسرائيل حدوداً آمنة مطمئنة على جبهة الجولان قرابة الخمسين عاماً، وكذلك في تأكيده على الحرب ضد الإرهاب الإسلامي (المعادي لليهود والصهيونية وإسرائيل)، وعلى علمانية الدولة، رغم ما يعرفه الجميع من طبيعة نظامه الطائفية.

امتياز الأردن

الملك الأردني عبدالله الثاني، يتمتع بعلاقات دولية ممتازة، وباتفاقية سلام ثابتة وقوية مع إسرائيل، اتفاقية وادي عربة التي وقعها والده الراحل الملك الحسين بن طلال، ويحظى باحترام عشائري عربي كبير في بلاده والمنطقة الممتدة من شرق سوريا إلى دمشق وجنوبها وغربها حتى حدود إسرائيل، الأمر الذي يجعله الشخص المناسب، تماماً للحلول محلّ قريبه الملك فيصل الذي تحرك التحرك ذاته قبل مئة عام، وهنا نجد تفسير اهتمام أوين بالحديث عن تفويض دولي للأردن لدخول دمشق، ونشر الصحيفة الأردنية المقربة من الديوان الملكي (الدستور) لتلك التصريحات علانية.

ورغم أن الصحيفة اعتبرت أن تدخل الأردن في سوريا لن يأتي “اعتداءً” بل “اضطراراً” إلا أن هذا الأمر مفهوم تماماً، فالأردن تلقى العبء الأكبر من اللاجئين السوريين قبل أن تتقدم عليه تركيا، وأمنه الوطني والقومي عرضة للتهديد المباشر في حال نشوب فوضى في سوريا، ويبدو التدخل الأردني اليوم هو الأنسب بالنسبة إلى العرب، فتركيا يجري قطع الطريق عليها من جهتين، من الشرق بالقوات الكردية المتحالفة مع الأسد، ومن الغرب بالوجود الروسي الجديد، لتبقى جبهة الجنوب السورية مفتوحة أمام الأردن، بعد أن تم ربط الجبهات المقاتلة في حوران وصولاً إلى القنيطرة بقيادة الجيش الأردني بالإشراف السعودي المباشر وعلى نار هادئة طيلة العامين الماضيين.

وقد ينجح الإيرانيون في اختراق تلك الجبهة، التي حاولوا عدة مرات الوصول إليها عبر مقاتلي حزب الله، لكن قوات المعارضة السورية وكذلك الضربات الإسرائيلية المتربصة بكل تحرّك لحزب الله نحو تلك الجبهة، كانت تمنعهم من التقدم، فإسرائيل التي لم تجد مشروعاً جديداً ملائماً لدى المعارضة السورية حتى الآن، يمكنها من العيش بسلام مع سوريا ما بعد الأسد، وتتحرك على الضفتين معاً، مع الروس لدعم النظام شمالاً، ومع الأردنيين لدعم المعارضة جنوباً. لكن هذا المشروع يواجه سباقاً مع الزمن، ففي الوقت الذي يهدف إلى إحلال السلام في دمشق وجنوب سوريا، تبدو حمامة السلام وقد احترقت وتفحّمت تحت وطأة التأخير.

12