الباطل راكبا

الأحد 2017/08/13

تقول الحكاية الرمزية إن رجلا ركب حماره ليعبر الصحراء المقفرة، فصادف نقيضه الباطل في الطريق، وقد تقطعت به السُبل بلا مركوب، توسل الباطل الحق أن يحمله معه على ظهر الحمار.

رقّ قلب الحق، لكنه أشفق على حماره من حمل الاثنين معا، قال للباطل “تركب أنت الآن وأنا أمشي، ثم تنزل وأركب”، استراح الباطل على ظهر الحمار، وعندما نزل وجاء دوره للمشي، بدأ يضمر أمرا باطلا.

ترجّل الحق طوعا ودعا الباطل إلى الركوب، ولما جاء الدور المقرر للحق، لم يدعُ صاحب الحمار للركوب، فطلب الحق من شريك الرحلة أن ينزل، فأجابه “كيف أمشي والحمار لي؟”.

امتد السجال بينهما دون فتح أي ثغرة في جدار الباطل الذي أصرّ على أن الحمار حماره وكان الانسداد. بدا الوهن على الحق الذي تضعضعت حجته وأعيته الحيلة، ولا شهود يؤيدونه وليس في وسعه أن يردع الباطل.

تكسّرت لغته وداخت من خضيض السجال، بل أحسّ الحق بالرغبة في التسليم، ولكن شتّان بين من يُسلِّم ويستريح ومن يرضخ فيشقى وتُدمى روحه وقدماه، فإن عاند غريمه سيشقى أكثر.

ساورته نفسه أن يتوسله لكي يقطعا الصحراء معا بتناوب الركوب، ربما يكون قد لعن الحمار المشؤوم الذي أدخله في هذا السجال، وتمنى لو أن الرحلة بدأت مشيا على الأقدام، فمن لا يحمي نفسه يعجز عن حماية فحواه، فما بالنا بحماره.

اتفق الاثنان على الاحتكام إلى من يصادفهما وإلى حين ظهور هذا الذي يحكم بينهما، سيظل الباطل راكبا والحق يجرجر أقدامه.

عندما ظهر الذي سيحتكمان إليه، كان الحق قد بلغ ذروة القنوط وانعقد لسانه ولم يعد عقله قادرا على المشاركة في صياغة السؤال، فترك الصياغة للباطل “مَن هو الأجدر بأن يمشي في هذه الدنيا.. الحق أم الباطل؟، أجاب الحَكَمْ “الحق طبعا”.

هنا، شدّ الباطل رَسَنَ الحمار في الوجهة الأخرى، وقال للحق “لقد أنْصَفَك الحَكَم”.

وقيل إن باطلا تحدى الحق يوما فقال له “إنّ عندي من الحيِل ما أغطي به وجهك الحقيقي عن الناس”، أجابه الحق “وعندي من القوة ما أهتك به تغريرك بهم”، غضب الباطل وصاح “هَبْ أنك أقنعت الناس جميعا، هل تنسى أن سندي إبليس الباقي إلى يوم يُبعثون؟”، أجاب الحق بهدوء “لن أيأس مادامت للناس عقول تفكِّر”، عاد الباطل فقال “أي ناس هؤلاء ناسك، حتى وإن ظفرت بمن يفكرون؟ فما أكثر الناس أيها الواهم وما أكثر نصيبي منهم!”.

24