الباعة المتجولون في مصر، سجع وإنكليزية لجذب الزبون

يلجأ الكثير من الشبان المصريين، في الوقت الحالي، إلى امتهان مهنة البائع المتجول، لمواجهة البطالة التي سجلت خلال الربع الثالث من العام الجاري نسبة 12.6 بالمئة، وفقا للبيانات الرسمية. والبيع في القطارات، بالنسبة إلى هؤلاء البائعين، ليس مجرد عمل يتكسبون منه، بل صار “أسلوب حياة” أيضا، إذ يحاول كل منهم إضفاء جزء من شخصيته على العملية التسويقية، وربما يتشابه البعض منهم في أسلوب واحد، كما لو كان الأمر متفقًا عليه.
الثلاثاء 2016/12/20
كل أنواع السلع معروضة على الرصيف

القاهرة - عالم البيع في الشوارع والقطارات بمصر مليء بالعجائب، فجميع الوسائل مشروعة لإقناع الزبون بالشراء، بداية من فنون الدعاية وتوجيه الرسالة باحترافية تفوق خبرة وكالات الإعلان، مرورا باستخدام اللغات الأجنبية لجذب انتباه الزبون إلى مؤهلات البائع العلمية، وانتهاء بالسخرية السياسية، واللعب على وتر أوضاع المواطنين الاقتصادية.

وينتمي باعة القطارات في مصر إلى فئة الباعة المتجولين، الذين يباشرون مهنة التجارة دون أن تكون لهم مقار أو أماكن يقومون بالبيع فيها، والبعض منهم يتجولون في الطرقات والحارات بل والمدارس، لعرض بضاعتهم. ومنهم من يشغل الرصيف، ويستخدمه في عرض بضائعه لفترات محددة في اليوم.

وتقدر استثمارات “تجارة الشوارع”، ومن بينها تجارة الباعة المتجولين، في مصر، بنحو 4.5 مليار دولار سنويًا، تحتل فيها الملابس والأقمشة المركز الأول في المبيعات، وتليها الأحذية، ثم السلع الغذائية والخضروات والفاكهة، فلعب الأطفال والأدوات المكتبية، ثم المشروبات والجرائد والكتب والمطبوعات.

رشدي المنوفي، أشهر بائع شاي في قطارات الوجه البحري بمصر، عادة ما يبدأ رحلة عمله اليومية في القطار بعبارات تهكم سياسية متكررة، وغالبا ما يبادر بإلقاء التحية على أهالي محافظة المنوفية، (70 كيلو مترا شمال القاهرة)، مؤكدا أنها أهم محافظات مصر، نظرا لتولي اثنين من أبنائها من قبل رئاسة الدولة المصرية، هما أنور السادات وحسني مبارك، كما أن عائلة الرئيس الحالي، عبدالفتاح السيسي، تنتمي إلى هذه المحافظة أيضا.

يكرر رشدي دائما عبارة “ربنا يمسيك بالخير يا أبوعلاء (يقصد مبارك).. الراجل الطاهر.. الراجل المحترم.. أيه يعني سرق فلوس.. المهم الأخلاق”.

كل تاجر له أسلوبه لجلب الزبون

ويشكو هذا البائع الجوّال حاليا من ارتفاع سعر كيلو السكر إلى 15 جنيها مصريا، في إسقاط على ما بلغت إليه الأحوال في مصر، بعد ثورة 25 يناير 2011، واعتاد الركاب على سخرياته تلك، حتى أن أغلبهم لم يعودوا يجادلون أو يسردون الاتهامات، أو عيوب وأخطاء الرئيس الأسبق، أو يهاجمون البائع أو ينتقدونه، أو حتى يفتحون حوارا بينهم متعلقا بما يقوله.

وتشهد مصر في الفترة الأخيرة العديد من الأزمات الاقتصادية، ونقصا في السلع الأساسية، وفي مقدمتها السكر والزيت والأرز، رغم تأكيد وزارة التموين والتجارة الداخلية على توفير جميع السلع في السلاسل التجارية للمواطنين بأسعار مخفّضة.

مروان حسنين، بائع الجوارب، يلعب هو الآخر على وتر أوضاع المصريين الاقتصادية، فيبدأ بإلقاء التحية باللغة الإنكليزية، ثم يلحقها بعبارة (مراعاة لظروفك الاقتصادية السيئة.. قرر مصنعنا بيع جوارب قطن.. الأربعة بعشرة جنيهات)، ثم يلحقها بترجمة إنكليزية.

حمادة يلعب

مروان، حاصل على بكالوريوس كلية التجارة عام 1995، وتحول من مجرد بائع للجوارب القطنية إلى صاحب ورشة صغيرة تضم 4 ماكينات للتصنيع، لكنه مع ذلك مازال يفضل حتى الآن التجول لبيع منتجاته في القطارات بنفسه، لارتباط زبائنه به، علاوة على امتلاكه أسلوبا مميزا في التسويق، يقول إنه نتاج لدراسته لمادة إدارة الأعمال في الجامعة.

كذلك، يردد بائعو الألعاب عبارة مشتقة من فيلم سينمائي، للممثل أحمد رزق، هي “حمادة يلعب”، مع إضافة عبارات أخرى من عندهم، لجذب الزبون، فتصبح العبارة على النحو التالي “حمادة يلعب.. جده يدفع .. بابا مُفلس”.

وفقا لاتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية وتنمية الدخل، فإن 68 بالمئة من الباعة المتجولين بمصر، في سن الشباب، وحوالي 33 بالمئة منهم تتراوح أعمارهم بين 21 و30 عاما، ومنهم الحاصلون على شهادات عليا، ولجأوا إلى تلك المهنة بسبب البطالة.

ودائما يتبع بائعو الأرصفة والقطارات أسلوب المقارنات، للترويج لرخص منتجاتهم وإقناع الزبون، فبائع المفروشات البلاستيكية مثلا يقارن أسعار السلع التي يعرضها للبيع بسعر الصحف والمجلات، وبائع الألعاب يقارن أسعارها بسعر وجبات الفول والفلافل، وبائع الكتيبات ومطبوعات تعليم الأطفال يقارن أثمانها بأسعار كروت شحن المحمول، وتُقارن أثمان الملابس الرخيصة بأسعار السجائر.

في القطارات المصرية “العادية” (درجة ثالثة) يزيد عدد البائعين على خمسة في القطار الواحد المكوّن من 13 عربة، حيث تجد فيها أحدث البضائع المستوردة من الصين، ربما قبل أن تنزل إلى باقي الأسواق، وهناك أحدث الماكينات الصغيرة، لقص الشعر، والخياطة، وأحدث أنواع أجهزة التسجيل والراديو الإلكترونية.

تجار على الأرصفة بلا قانون

لكن شهدت الأشهر الأخيرة شكاوى جماعية من البائعين تذمّرا من ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة من الخارج بسبب ارتفاع سعر الدولار، إلى قرابة الـ19 جنيها مصريا، وحتى أبسط البضائع ارتفعت أسعارها بنسب تتجاوز الخمسين بالمئة، وسط عزوف من معظم الركاب عن الشراء.

ووفقا للبائعين، فإن اختيار كل بائع منهم طريقة معينة للبيع، يسمونها “ستايل”، يسهم في جذب انتباه الراكب الذي لا يستقل القطار باستمرار، أو الراكب “الطياري” كما يقولون، أما الراكب الدائم الذي يسافر بالقطارات بصورة شبه يومية، فإنه لن يشتري تلك البضائع في أغلب الأوقات، وتنحصر مشترياته في كوب من الشاي أو بعض السكاكر.

وتنقل السكك الحديدية، التي تعتبر أول خط سكة حديد تم إنشاؤه في أفريقيا والشرق الأوسط، والثاني على مستوى العالم بعد بريطانيا، ما يقرب من 1.5 مليون مواطن يوميا على خطوطها المختلفة، التي تغطي أغلب محافظات الجمهورية.

وقال أحد بائعي سكاكر النعناع، إن جزءا من عملية الشراء يرتبط بمدى رضى المشتري عن شخصية البائع، وليس عن المنتج الذي يبيعه، لذا فهو دائما يلجأ إلى السجع لترويج بضاعته؛ إذ ينتقي المتلقي الذي سيوجه إليه “الرسالة البيعية”، فإذا كان هذا المتلقي فتاة، يقول لها “النعناع يزوّج البنات.. النعناع”، وإذا كان المتلقي ولدا يقول له ” النعناع يطوّل الشنبات (الشوارب) النعناع”، وإذا كان مسنا يقول له “يعالج الكحة (السعال) ويجيب الصحة بإذن الله.. النعناع)، وإذا كان مدخنا يخاطبه قائلا “يمنع الدوَخان (الدوار).. النعناع”.

وغالبا ما يوجد ما يسمى بـ”المعَلِم” في القطارات، وهو الذي يحدد لكل عدد من الباعة قطارا معينا، يمتهن فيه مهنة البيع، ولا يجوز لأحد تغيير قطاره أو البضاعة التي يبيعها دون الرجوع إليه، تحاشيا للاعتداء على حقوق زميله، كما يساعدهم هذا المعلم حال إلقاء رجال شركة السكك الحديدية القبض عليهم.

على عكس الشيخ علي، بائع العطور -الذي لا يعتبر نفسه بائعا بل حاملا للسنة النبوية ببيع منتجات المسك والسواك والبخور رغم بيعه جميع أنواع العطور الأخرى التي تجد إقبالا عند الكثير من المشترين لسعرها الأرخص وحجمها الأكبر- فإن أحمد، بائع ماكينات الحلاقة التي تعمل بالبطارية، غالبا ما يثير الأزمات المستمرة مع بعض الركاب، حينما يوزع عددا منها عليهم، ثم يطالبهم بتجريبها على ذقونهم أو ذقون من يجاورهم، ما يثير سخط الملتحين من الركاب، إلا أن أحمد يعتبر تلك الأزمات نوعا من الترويج ولفت الانتباه.

بلا حماية

تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية، يلجأ الكثير من المصريين إلى التعامل مع الباعة المتجولين في الشوارع والقطارات، رغم تأكدهم من رداءة معظم بضاعتهم ومخالفتها للشروط الصحية، خصوصا ما تعلق بالمأكولات والمشروبات، فزجاجات المياه المعدنية ما هي إلا زجاجات مستعملة تتم إعادة ملئها بالماء العادي، وبيعها مجددا، وكذلك الملابس المباعة، معظمها تهريب من الصين، والبعض الآخر منها مستعمل تم تنظيفه وصبغه وإعادة بيعه من جديد.

وقال عبدالرحمن محمد، أمين عام نقابة الباعة المتجولين، إن النقابة رفضت انضمام بائعي القطارات إليها لأنهم “سريحة” (جواّلون)، يتحركون باستمرار في المحافظات، ولا يمكن محاسبتهم حال ارتكابهم مخالفات، على عكس بائع الشارع الذي يمتلك مكانا شبه ثابت، ويمكن الوصول إليه بسهولة.

ارتفاع الدولار يرهق التاجر والمواطن

ويحذر خبراء الاقتصاد في مصر من خطورة ترك الباعة المتجولين دون تنظيم أو توفير ضمان اجتماعي وصحي لهم، في ظل إمكانية انحرافهم تجاه التطرف والإرهاب أو تجارة المخدرات والبلطجة.

وأكد عبدالرحمن، لـ”العرب”، أن بضاعة تجار الشوارع ليست رديئة، ورخص أثمانها يرجع إلى عدم تحميلها بالضرائب ورواتب العمالة وأسعار الخدمات كما يحدث في المحال التجارية العادية، مشيرا إلى أن قوانين الباعة المتجولين لا ترى النور، فالدولة لا تعترف بهم وتتهمهم بترويج منتجات غذائية رديئة، والتسبب في أمراض للمواطنين، رغم أن 5 بالمئة فقط من الباعة الجائلين هم الذين يعملون في مجال المنتجات الغذائية.

ولا يوجد قانون لتنظيم عمل الباعة المتجولين في مصر، رغم وجود العديد من المشروعات التي تم الإعلان عنها، وأشهرها مشروع أعده اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية، في عام 2013، والذي يمنع في مادته الثانية أي بائع متجول من ممارسة عمله، إلا بعد الحصول على ترخيص، ويحظر على الأطفال والمصابين بأمراض نفسية أو معدية مزاولة تلك المهنة.

النائب محمد المسعود، عضو مجلس النواب، قدّم مشروعا جديدا في نهاية أكتوبر الماضي، حظي بتأييد 108 من النواب، استحدث مواد جديدة، تتعلق بضرورة أن يكون البائع مصريا، مع جواز إضافة جنسيات أخرى بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناء على عرض الوزير المختص بشؤون الإدارة المحلية، وأن يكون حسن السيرة والسلوك، وغير محكوم عليه بعقوبة في جريمة مخلة بالشرف والأمانة.

استحداث الجنسية في قانون المسعود، ربما جاء بسبب تزايد أعداد العرب العاملين في مصر، بجانب انتشار باعة متجولين لمنتجات الجلود والتجميل ينتمون إلى جنسيات أفريقية وآسيوية، في المناطق الشعبية المصرية. وأضاف أمين نقابة الباعة المتجولين، أنه هو نفسه تعرض للحبس بسبب قضية إشغالات، وأن النقابة تعرضت للتهميش وتم إبعاد وسائل الإعلام عنها، لمنع صوتها من الوصول، رغم العدد الكبير من الباعة المتجولين في مصر؛ إذ يقول إن عددهم يبلغ حوالي 5 ملايين شخص.

20