البالونات الحارقة أداة فلسطينية تزعج الإسرائيليين

الجيش الإسرائيلي يتعامل مع البالونات كما الصواريخ في رده على غزة.
الثلاثاء 2021/06/22
لا أحد معنيا بالتصعيد.. ولكن

استأنفت فصائل فلسطينية نهاية الأسبوع الماضي إطلاق بالونات حارقة على البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة ردّا على تواصل تشديد الحصار. وفيما كانت الحكومة السابقة تكتفي بالرد على بالونات الفلسطينيين بالعقوبات، فقد اختارت حكومة نفتالي بينيت، أمام ضغوط حزب الليكود المستمرة، معادلة جديدة وأكثر تطرّفا في الرد تقوم على مواجهة البالونات بالقذائف والصواريخ لإثبات أنها لا تقلّ يمينية عن سابقتها، ما يزيد الاحتمالات من نشوب صراع جديد يطيح بمكاسب التهدئة الأخيرة.

غزة - تجمع أوساط سياسية على أنه لا حركة حماس ولا إسرائيل معنيتان حاليا بتصعيد عسكري يتطور إلى عملية عسكرية إسرائيلية أو حتى حرب واسعة في قطاع غزة، حيث ينشغل الطرفان  باستغلال نتائج الحرب الأخيرة لتحقيق مكاسب داخلية والاستفادة من نتائجها لتقوية حضورهما في المشهد، إضافة إلى مساعيهما استرضاء المجتمع الدولي الذي شدد على ضرورة التهدئة والالتزام بقرار وقف إطلاق النار.

غير أن تجربة السنوات السابقة في العلاقة بين إسرائيل وغزة تظهر أن أحداثا صغيرة يمكنها التحول إلى صراع عسكري واسع.

وحرك أحداث الأيام الأخيرة أمران، الأول هو وجود حكومة جديدة يقودها اليميني نفتالي بينيت، الذي يريد تحت ضغط الانتقادات من حزب الليكود اليميني المغادر للسلطة إثبات أن حكومته لا تقل يمينية عن سابقتها، في ظل مساعيه استرضاء الشارع الإسرائيلي.

أما الثاني فهو أن تشكيل الحكومة جاء مباشرة في ذروة الاتصالات التي تقودها مصر لتثبيت وقف إطلاق النار المتوصل إليه أواخر مايو الماضي، وتريد حماس التأكد من أن إسرائيل ستفي بما فيه من التزامات تجاه غزة ووقف التصعيد بالقدس، وفيما لا تبدو مصلحة الحركة حاليا العودة عن التزاماتها بالتهدئة، إلا أنها سترد على أي هجوم متوقع حتى لا تخسر بدورها جمهورها الذي بات يراهن على المقاومة بعد فشل دبلوماسية المفاوضات التي تنتهجها السلطة الفلسطينية في رام الله.

محمد مجادلة: إسرائيل وحركة حماس غير معنيتين حاليا بالتصعيد العسكري
محمد مجادلة: إسرائيل وحركة حماس غير معنيتين حاليا بالتصعيد العسكري

تصعيد متوقع

ردا على التصعيد الإسرائيلي بمدينة القدس الشرقية، يطلق فلسطينيون بالونات حارقة باتجاه إسرائيل، ولكن اعتماد الحكومة الإسرائيلية معادلة التعامل مع البالونات الحارقة كما التعامل مع الصواريخ قد يزيد الأمور تعقيدا.

ومع ذلك يستبعد متابعون ومحللون أن تتدحرج الأمور إلى عملية عسكرية واسعة، فكل من إسرائيل وحماس غير معنيتين حاليا بذلك، وذلك ضمن ما تقضيه حساباتهما الداخلية خاصة حكومة بينيت التي تريد استرضاء حلفائها من القائمة العربية الموحدة.

ويعتقد محمد مجادلة الخبير في الشؤون الإسرائيلية، في تصريحات صحافية، أن “الحكومة الإسرائيلية الجديدة قد تصبح معنية بمثل هذا التصعيد فقط بعد ضمان بديل للأعضاء الأربعة العرب الموجودين ضمنها، لمساندتها وعدم إسقاطها”، في إشارة إلى القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

ومن الجانب الآخر، فإنه على ما يبدو لا يوجد لدى الفصائل الفلسطينية في غزة ما تخسره في ظل الجهود المبذولة حاليا، إقليميا من خلال مصر ودوليا من خلال الولايات المتحدة، وتوجد على الأقل حالة من التوافق مع الحركة.

واستطرد “بلا شك فإن عملية عسكرية ستفقد الحركة والفصائل حالة من شرعيتها المكتسبة في المشهد الإقليمي والدولي”.

وعلى هذا الأساس من المستبعد أن تتجه الأمور إلى تصعيد واسع النطاق، وإن كانت هناك بعض الجولات هنا وهناك، فإن هذا لا يعني بالضرورة الوصول إلى حرب أو عملية عسكرية كبيرة.

لكن ما قد يفتح الباب للعودة إلى الصراع هو البالونات الحارقة، وهي بنظر الإسرائيليين لا تقل خطورة عن الصواريخ والقذائف ويجب الرد عليها بقسوة.

ويشدد حزب الليكود اليميني برئاسة رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو من الضغوط على الحكومة الجديدة، بهدف إسقاطها بأسرع وقت.

وغرد القيادي في الحزب يسرائيل كاتس الجمعة قائلا “اندلعت خمسة حرائق بمناطق زراعية في غلاف غزة نتيجة بالونات حارقة. لقد مات الردع الذي بُني في عملية حارس الأسوار”، في إشارة إلى الحرب الأخيرة على القطاع.

ويلاحظ المتابعون أن رد الحكومة الإسرائيلية الجديدة يتسق مع الحكومة التي سبقتها، حيث تريد إثبات أنها لا تقل يمينية عنها وأن لا أولوية لها إلا ردع الفلسطينيين بضراوة وقسوة، خاصة أعقاب الحرب الأخيرة التي أثبتت تراجع القدرة العسكرية للجيش الإسرائيلي مقابل تطور ترسانة حماس العسكرية.

المعادلة التي وضعتها حكومة نتنياهو، ومازال وزير دفاعها هو نفسه وزير الدفاع الحالي بيني غانتس، واضحة وهي أن الرد على البالون الحارق هو كالرد على القذيفة الصاروخية
في حال استمرت حماس في إشعال النيران عبر الحدود، فسوف يتزايد الضغط على الحكومة الإسرائيلية للرد بقوة أكبر، ومن هناك يمكن أن تتدهور الأمور بسرعة

وبرأي مجادلة فإن “المعادلة التي وضعتها حكومة نتنياهو، ومازال وزير دفاعها هو نفسه وزير الدفاع الحالي بيني غانتس، واضحة وهي أن الرد على البالون الحارق هو كالرد على القذيفة الصاروخية”.

وفي تقديره، فإن هذه المعادلة مازالت مستمرة والدليل على ذلك أن إسرائيل مازالت تقصف غزة، ولكن بالمقابل فإن كل ما يقوم به الليكود الآن هو في سبيل المناكفة.

وفيما لم ترد الحكومة السابقة على البالونات الحارقة بالقصف، إلا أن رد الحكومة الجديدة يثبت أنها أكثر تطرفا فهي تقصف في غزة بطريقة أكثر شراسة من الحكومة السابقة.

وكانت الحكومة السابقة تقصف ردا على الصواريخ في حين تقوم بعقوبات ردا على البالونات الحارقة بينها منع دخول وقود وبضائع وإغلاق منطقة الصيد في بحر غزة، وهو ما يختلف عن نهج الحكومة الجديدة. وقد يكون تكتيك استخدام “البالونات المشتعلة” جديدا في غزة، ولكن تاريخه يعود عقودا إلى الوراء.

ففي الحرب العالمية الثانية استخدمت اليابان “بالونات مشتعلة” مماثلة ضد الولايات المتحدة، وأرسلت 9000 بالون كبير معبأة بالهيدروجين عبر التيار النفاث فوق المحيط الهادئ، حيث التيارات الهوائية تدفعها باتجاه الولايات المتحدة.

ووصلت حوالي 300 من هذه البالونات أميركا الشمالية، دون التسبب بأضرار كبيرة. ولكن كان أحدها المسؤول عن الضحايا الوحيدين خلال الحرب العالمية الثانية في الأراضي الأميركية. وفي 5 مايو 1945 انفجرت قنبلة كان يحملها بالون ياباني في بلدة بلاي الريفية في ولاية أوريغون، وتسببت بمقتل ستة أشخاص.

معادلة إسرائيلية جديدة

آفي ايسخاروف: شن حرب سينعكس على فرص بقاء الحكومة الإسرائيلية
آفي ايسخاروف: شن حرب سينعكس على فرص بقاء الحكومة الإسرائيلية

حسب المحللين، تحاول الحكومة الإسرائيلية الجديدة فرض معادلة جديدة بموجبها سيتم القصف ردا على البالونات الحارقة التي يتم إطلاقها والتعامل معها معاملة الصواريخ.

وأوضح آفي ايسخاروف محلل الشؤون الأمنية في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية في تصريحات صحافية أن “إسرائيل وحماس تريان أن لا مصلحة لهما بالتصعيد والوصول إلى عملية عسكرية أو حرب”، مشيرا إلى قيام الحكومة الجديدة بإدخال تسهيلات وفتح المعابر ودخول المنتجات حتى الوصول إلى اتفاق للتهدئة الدائمة.

لكن مع ذلك تبقى المواجهة العسكرية وجولة جديدة من الصراع والتصعيد محتملة، خاصة أن رئيس الوزراء الجديد هو يميني تماما مثل رئيس الوزراء السابق، بل إن بينيت يقود حزبا أكثر يمينية من الليكود، وخلال الحروب الماضية كان يطرح مواقف متشددة من مسألة التعامل مع غزة، بما في ذلك مطلبه بعملية عسكرية بالقطاع.

وفيما لا يبدو موضوعيا التوقع أن يكون بينيت على يسار نتنياهو، ومع ذلك فقد صرح بأنه إذا كان هناك هدوء في غزة فإن إسرائيل ستقدم تسهيلات.

ويريد بينيت كسب ود القائمة الموحدة التي ساهمت في نجاح حكومته والتغلب على خصمه القوي نتنياهو، وليس من مصلحته حاليا اختيار نهج التصعيد وسيسعى لكسب الوقت لإثبات حسن نواياه لحليفه سليل الإخوان عباس. واعتبر ايسخاروف أن “شن عملية عسكرية أو حرب على غزة سينعكس أيضا على فرص بقاء الحكومة الإسرائيلية”.

واستدرك “لو افترضنا أن بينيت قرر شن عملية عسكرية على غزة فهل ستبقي القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس على دعمها للحكومة؟ أنا لا أعلم ولكنني أشك في ذلك”. وجاءت توترات الأيام الماضية، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إثر عمليته العسكرية في غزة الشهر الماضي، تكريسه لقوة الردع لفترة طويلة.

المعادلة التي وضعتها حكومة نتنياهو، ومازال وزير دفاعها هو نفسه وزير الدفاع الحالي بيني غانتس، واضحة وهي أن الرد على البالون الحارق هو كالرد على القذيفة الصاروخية

وتلفت أوساط عسكرية إسرائيلية إلى أن حكومة بينيت لا تريد المغامرة بتصعيد جديد حيث ستعمل على تقييم ترسانتها العسكرية أعقاب ما منيت به من انتكاسة في جولة الصراع الأخيرة، في الوقت الذي يبرز فيه الرد على بالونات الفلسطينيين محاولة لتطويق ضغوط حزب الليكود.

وذكر محلل الشؤون العسكرية بصحيفة “هآرتس”، عاموس هارئيل في حديث لوسائل إعلامية أن “التهديد بتصعيد جديد وضع علامة استفهام على مزاعم الجيش الإسرائيلي بالنصر”. واعتبر الصحافي الإسرائيلي، في مقال نشر الجمعة، أن خطوات الطرفين كانت محسوبة.

وفيما لم تأمر قيادة حماس، رغم تهديداتها بالتحرك من أجل القدس، بإطلاق صواريخ على المدينة، واكتفى الفلسطينيون بإرسال بالونات حارقة إلى الحقول الإسرائيلية عبر الحدود، اختارت إسرائيل الرد الذي كان أكثر شراسة من المعتاد لكنه محسوب، وهي غارة جوية على مجمعات حماس العسكرية في غزة دون إلحاق إصابات، على أمل أن تصل الرسالة للفصائل الفلسطينية.

6