البث التدفقي نعمة على المسارح اتّقاء لنقمة الوباء

مسارح أوروبا تواجه تحديا كبيرا لاستقطاب المتفرجين مع تخفيف القيود بعد أن أمتعت جمهورها لعدة شهور بعروض فنية متنوعة عبر البث التدفقي.
الأربعاء 2020/06/03
في انتظار الجمهور

باريس- في زمن كورونا مكّنت المسارحُ الجمهورَ بشكل غير مسبوق من متابعة إنتاجاتها بفضل البث التدفقي، آملة أن تكون مجرد محطة عابرة… إلا أن الأمر قد يطول.

بدأت القاعات في فرنسا وفي دول أوروبية أخرى ترى نهاية النفق مع مواعيد لإعادة فتح أبوابها، إلا أنها تواجه تحديا كبيرا لاستقطاب المتفرجين مع احترام التباعد الاجتماعي.

وقد أغدقت هذه القاعات على الجمهور الجالس في المنزل على مدى أشهر بعروض أوبرا وباليه وحفلات موسيقية ومسرحيات في غالبيتها مجانا. فهل يعود الجمهور إلى القاعات بعدد أقل مما كان عليه سابقا ويقف في طوابير طويلة ويرتدي الكمامة؟

خلال الأسبوع الماضي أعطت قاعة “لا فيلارموني دو باري” لمحة عما ستكون عليه الحفلات على المدى المتوسط مع تسجيل حفلة وعرضها عبر البث التدفقي. وقد شوهدت الحفلة 320 ألف مرة، وهو “عدد استثنائي لحفلة كلاسيكية عبر الإنترنت” حسب قول المؤسسة.

دار متروبوليتان أوبرا في نيويورك جعلت البث التدفقي مصدر إيرادات وارتفع المشتركون في نظامها إلى 33 ألفا

وليس تسجيل الحفلات الموسيقية المباشرة وعرضها عبر الإنترنت أمرا جديدا؛ لكن عددها وسهولة الوصول إليها في غضون شهرين، هما غير مسبوقين. وقد شاهد أكثر من 2.5 مليون شخص عبر الإنترنت 10 إنتاجات من دار أوبرا باريس فيما عرض مسرح “لا كوميدي فرانسيز” أكثر من 80 مسرحية من بينها أرشيف نادر جدا.

وبث مسرح أوديون سلسلة من المسرحيات من بينها مسرحية “الملك لير” لشكسبير، التي تم عرضها منذ مدة قليلة، وهي من بطولة ميشال بيكولي الذي توفي الشهر الماضي. وفي حصيلة أولية، يبدو البث التدفقي ناجحا.

وقال ستيفان براونشفيغ، مدير مسرح أوديون، “ربع المشاهدات لمسرحية ‘ليكول دي فام’، إخراج 2018، أتى من الخارج. حتى أن صحيفة ‘ذي غارديان’ خصتنا بمقال نقدي”.

وأوضح أن المسرح عمد إلى إرفاق بعض العروض بترجمة، “فمع تسجيل اهتمام من الخارج، أدركنا أن علينا أن نطور ما نعرضه”.

وأكد فاليري جيرجييف، قائد الأوركسترا والمدير العام لمسرح “ماريينسكي” في سان بطرسبرغ، “ثمة الملايين من الناس يشاهدوننا. فبدلا من ألفي متفرج في الحفلة لدينا مئات الالآف من المشاهدين”.

الأمر قد يطول
الأمر قد يطول

وازداد عدد متابعي فرقة “انغليش ناشونال باليه” بسبعين ألفا عبر الإنترنت. وتأمل مديرة الفرقة تمارا روخو في “أن يكون الذين لا يملكون الشجاعة للتوجه إلى المسرح قد شاهدوا أول عرض باليه في حياتهم عبر الإنترنت وأن يظهر جمهور جديد” إثر إعادة فتح القاعات.

وعرفت منصة “ميديسي.تي في” الأولى في البث التدفقي المدفوع للموسيقى الكلاسيكية والباليه والأوبرا نموا على صعيد الاشتراكات وعدد المتابعين بلغ نسبة 150 في المئة في 15 مارس و30 أبريل مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

ومنذ بدء تخفيف إجراءات العزل، تراجع النمو إلى 25 في المئة، وهي نسبة تبقى مرتفعة في مجال الموسيقى الكلاسيكية.

أما دار متروبوليتان أوبرا في نيويورك، التي عانت سريعا من عجز قدره 60 مليون يورو وقد صرفت عددا من موظفيها، فكانت من المسارح القليلة التي تمكنت من جعل البث التدفقي مصدر إيرادات. فقد جذبت 19 ألف متبرع وانتقل المشتركون في نظامها من 15 ألفا قبل الجائحة إلى 33 ألفا.

ورغم هذا التسونامي “الرقمي”، يأمل الجميع في عودة الجمهور. وقال ميشال فرانك مدير مسرح الشانزيليزيه “سيشعر بعض الناس بالخوف في البداية. لكنني أظن أنهم لن يهجروا الصالات ويعتمدوا الشاشات لأن ما من شيء يحل مكان العرض المباشر الحي. مشاهدة عرض أوبرا عبر التلفزيون لا يمت بصلة إلى تشارك أجواء القاعة المؤثرة”.

وأضاف مانويل بروغ، وهو ناقد موسيقي في صحيفة “دي فيلت” الألمانية، “ازدادت قيمة العرض المباشر (لايف) خلال هذه الأزمة. والتوجه إلى المسرح هو من آخر طقوس” الكائن البشري.

وقال بيتر غيلب، مدير دار متروبوليتان، “في حال لم يعد الناس إلى المسارح، لن تصمد العروض الحية. الشاشة تجربة ببعد واحد، ودون جمهور لن يكون لدينا ما نصوره بعد فترة”.

ليس تسجيل الحفلات الموسيقية المباشرة وعرضها عبر الإنترنت أمرا جديدا؛ لكن عددها وسهولة الوصول إليها في غضون شهرين، هما غير مسبوقين

ويشعر آخرون بحذر أكبر. فقد صرح فلاديمير أورين، مدير مسرح بولشوي الشهير الذي أوقف العروض عبر البث التدفقي (9.5 مليون عملية مشاهدة)، لصحيفة “كومرسانت” “في الأمر مجازفة، فمن يفرط في استخدام هذه الوسيلة سيفقد جمهوره”.

ورأت تمارا روخو من جهتها أن هذه التجربة ستترك أثرا. وأوضحت، “هذه العروض كان لها جانب تسويقي بالأساس، لكننا نستثمر لنوفر مضمونا رقميا أفضل. وفي المستقبل يمكن للعرض أن يتمتع بحياة مزدوجة، حياة أولى في المسرح وأخرى رقمية مختلفة جدا”.

في لوس أنجلس، أطلق مصمم الرقص الفرنسي بنجامان ميلبييه منصة رقمية بجوانب مختلفة في مقابل اشتراك شهري قيمته عشرة دولارات.

أما بشأن فرض رسم على المشاهدين، فترفض المسارح الأوروبية التي تحظى بدعم رسمي في غالبيتها، اعتماد ذلك خلافا للمسارح الأميركية. وقال فينسان أغريش، المنتج والناقد في “ديابازون”، “تبقي المسارح على مجانية عروضها خوفا من خسارة ما يربطها بجمهورها”.

وأضاف أن عمليات إعادة البث المجانية هذه أثارت امتعاضا لدى فنانين تخلوا طوعا عن حقوقهم أو تلقوا مبالغ رمزية. وأوضح أن هذا النمط قد “يفضي إلى ممارسات سيئة لأن المجانية لها جانب يحط من قدر العمل الفني”. لكن هل سيعود الناس ليشتروا البطاقات؟

قال أغريش “قد يفقد البعض هذا الاندفاع للتوجه إلى المسارح أما البعض الآخر فعلى العكس سيكون لديه نهم لعروض جديدة. سيتعايش الميلان لكن من سيربح؟ يصعب الآن البت في ذلك”.

20