البث المباشر منفذ جماهيري يكسر احتكار الإعلام التقليدي

تحولت تقنية البث المباشر إلى ظاهرة راسخة في الواقع الاجتماعي يرى البعض أنها تنذر بنهاية عصر التلفزيون التقليدي، باعتبار أن أي مواطن في الشارع هو مشروع مُراسل، بينما يرى البعض الآخر أنها لا يمكن أن تسحب البساط من القنوات الفضائية التي تنفرد بالخبرة ومصداقية المصدر وعمق التحليل.
الاثنين 2017/05/15
مساحة واسعة لاقتناص اللحظات

أتاحت التغيرات السريعة والمتلاحقة للعصر الرقمي أدوات تعبير شعبية للجمهور يسهل التعامل معها، واستطاعت تغيير مفاهيم الإعلام التقليدي، ومنها تقنية “البث المباشر” التي شكلت ظاهرة تثير الجدل باستخداماتها المتعددة التي كانت في الكثير من الأحيان كارثية.

توفر التقنية مشاهدة كل شيء وأي شيء وقتما تشاء، ليس فقط في المجال التقني ولكن أيضا في المجال الاجتماعي والإنساني، وأعطى هذا الخيار المستخدم مساحة واسعة لاقتناص اللحظات وتوثيقها تحت مظلة المشاركة الإلكترونية.

ويتميز فيديو البث المباشر بأنه يسمح بالتفاعل عبر الإنترنت، وهذا الأمر غير محقق في التلفزيون التقليدي، لكن دون وجود أي ضوابط أو معايير، وفي نفس الوقت تقدم وسائل الإعلام التقليدية للمشاهد مادة موثوقة المصدر وهذا ما يطرح التساؤل حول كيف يمكن أن تؤثر خاصية البث المباشر في القنوات الفضائية؟

وهل الإعلام الجماهيري أو البديل أصبح ظاهرة راسخة في الواقع الاجتماعي لتُنذر بنهاية عصر التلفزيون التقليدي، ويصبح أي إنسان في الشارع مشروع مُراسل.

تنبئ خاصية البث الحي بانحسار دور الإعلام المرئي الموجه في السنوات المقبلة، لكن الأمر يتطلب دراية ودربة وخبرة إعلامية طبعا، تقول المخرجة الإيرانية سميرة مخملباف “الجميع يحملون أقلاما في جيوبهم، لكن هل الجميع يستطيعون كتابة رواية؟”.

يعتبر خبراء الإعلام أن المسألة تتعلق بخبرة المُستخدم في استخدام التقنية وخلفيتها، لكن في جميع الأحوال ستشكل هذه التكنولوجيا في المستقبل القريب تحديا جديا لوسائل الإعلام المرئي وستكسر احتكارها وخطابها الموجه والمنحاز في الغالب لصالح توجهات الجمهور.. أي باختصار لن تكون الحقيقة حكرا على أحد في المستقبل.

ثريا البدوي: ظاهرة البث المباشر مكملة لما يحدث من تطور في مواقع التواصل الاجتماعي

وأوضح محمد المرسي أستاذ ورئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن هذه الخاصية التي أُضُيفت مؤخرا لمواقع التواصل الاجتماعي وخاصة فيسبوك، تعتبر منفذا للتواصل الفوري مع الأصدقاء والتعبير عن الرأي، لكن من الممكن أن يُساء استخدامها وخاصة ما يتجاوز الأخلاقيات والتعرض للآخرين وانتهاك خصوصياتهم.

وأضاف المرسي “لا أعتقد أن هذه التقنية من الممكن أن تنافس القنوات الفضائية، بل علي العكس يمكن الاستعانة بها في بث لحدث هام أو لقاء شخصية بارزة، وفي النهاية البث المباشر هو منفذ مستقل له خصوصيته ومحبوه”.

وبدورها، أكدت ثريا البدوي أستاذة العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن ظاهرة البث المباشر هي ظاهرة مكملة لما يحدث من تطور في مواقع التواصل الاجتماعي وهو تطور طبيعي جدا.

وعلى سبيل المثال كاميرا الموبايل استطاعت تحويل المواطن الهاوي إلى مراسل صحافي من الممكن أن ينافس الصحافيين المحترفين.

كما أعطت مواقع التواصل الاجتماعي المواطن القدرة على أن يرصد الأحداث بصورة حية مباشرة، مما يمنح الحدث صفة الحالية والفورية والسرعة في نقله، وهذه الميزة لا تتوافر لأي مصور كاميرا أو مذيع داخل مؤسسة صحافية أو تلفزيونية، ساعة وقوع الحدث.

لكن تبقى الصدارة للقنوات الفضائية في نقل الأحداث بتقنية عالية وعمق أكبر، ودخول مواقع لأحداث سياسية أو إرهابية لا يسمح للمواطن العادي دخولها والتصوير فيها.

واعتبر مأمون مطر الاستشاري في مجال أنظمة الإذاعة والتلفزيون والإعلام الحديث في رام الله، أن ظاهرة البث المباشر يقوم بها أحيانا المروجون لتسويق بعض الأدوات من خلال إضفاء الطابع الشخصي.

وأضاف “نرى العديد من المشاهير وحتى السياسيين يقومون باستخدام التقنية، إمعانا بمواكبة أحدث التقنيات الحديثة باعتبار أنها أقرب للجمهور العام”.

وأشار مطر إلى أن كل الوسائط والأدوات المستخدمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لها سلبياتها وإيجابياتها التي تقاس حسب ثقافة المجتمع ووعيه وتفرغه، ولا يمكن اتهام الأدوات بأنها سبب في تخريبه.

ونفى مطر أن يكون لهذه الظاهرة أثر سلبي، مؤكدا “بإمكاننا النظر إلى الموضوع من أكثر من زاوية، ونرى حديثا استغلال الشباب الفلسطيني والعربي لهذه التكنولوجيا في نشر قضاياهم وهمومهم”.

ومن جهته، علق الكاتب والباحث في مجال الإعلام الإلكتروني محمد سيد ريان على الظاهرة بأنها أحد أهم مظاهر صحافة المواطن وتتيح لمستخدمي ورواد الإنترنت والرأي العام التعبير عن آرائهم وتحليلاتهم وأفكارهم بخصوص معظم الأحداث والأخبار التي تدور من حولهم.

ولا يمكن نفي المميزات الهامة لظاهرة البث المباشر، من ناحية سرعة نقل ونشر الخبر والتحديث المستمر للموقع، وكذلك كسر القيود سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وتوفير بعض المواد والموضوعات بصورة مجانية في حين تنقلها قنوات فضائية بمقابل مادي عبر اشتراكات ورسوم، كذلك إتاحة بعض المواضيع المحظورة داخل البلد، فيُعد ذلك منفذا هاما للإتاحة والتفاعلية.

ولكن المشكلة الأساسية مع ظاهرة البث المباشر هي تبعيتها أحيانا لأجندة سياسية معينة، ومصالح قائمة بعينها دون أن تعكس نقدا بناء للمجتمع والبيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

18