"البجعة السوداء" مفهوم آخر لتفسير الأحداث غير المتوقعة

جميعا نعرف أن كل البجع أبيض بداهة، ولكن ماذا عن ظهور البجعة السوداء في أستراليا؟ وهل ظهورها كان متنبأ به أم يخالف الاعتياد الذهني؟ وهل رؤيتها تنفي حقيقة أن كل البجع أبيض، وتجعل احتمال وجود بجع أسود في المستقبل واردا وممكنا؟
الجمعة 2015/08/28
"البجعة السوداء" لم تبق حبيسة التأمل والافتراض

لا بدّ من القول بأن “البجعة السوداء” لم تبق حبيسة التأمل والافتراض في الطبيعة وحدها، بل أحيلت لتصبح مفهوما نظريا وعلميا يساعدنا على فهم واستيعاب الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية شديدة التعقيد ونادرة الحدوث، حيث تكون غير واردة في قاموس توقعاتنا، وذلك على يد المفكر اللبناني الأصل نسيم طالب من خلال تأليفه كتاب “البجعة السوداء”.

وهذا الكتاب يوضح لنا كيف أصبح مفهوم “البجعة السوداء” يستخدم للتدليل على أحداث بها ثلاث مميزات، أولا: أنها تقع خارج حدود التوقعات الطبيعية. ثانيا: في حال وقوعها يكون لها أثر شديد. ثالثا والأهم: رغم عدم توقعها للمرة الأولى، فإن طبيعتنا تجعلنا نتقبل فكرة تكرارها بعد وقوعها، وأنها قابلة للتنبؤ ويمكن تفسيرها.

وللتدليل يقودنا طالب لأحداث تاريخية وقعها كان بمثابة رؤية البجعة السوداء، فعلى سبيل المثال، أحداث 11 سبتمبر لم يكن حدوثها متوقعا على الإطلاق في 10 سبتمبر، ولو كان ذلك لرأيت الطائرات المقاتلة تحوم فوق برجي التجارة لمنع وقوع الهجوم.

بالتالي “فإن وقوع حدث لإنه فقط لم يكن متوقعا حدوثه هو أمر غريب بحد ذاته”، ويضيف بأنه بعد وقوع هذا الحدث أقبلت الولايات المتحدة الأميركية على أنها قادرة على التنبؤ بمثل هذا الحدث، من خلال تجنب “الإسلام الإرهابي”، حيث قامت بتجنب بناء أبراج شديدة الارتفاع، متوقعة تكرار مثل هذه الهجمات، بينما في الواقع احتمال تكراره كان ضئيلا.

ومن ثم يورد طالب أسبابا ثلاثة تحول بيننا وبين قدرتنا على التنبؤ بـ”البجعة السوداء/ الأحداث غير المتوقعة”، يرجع السبب الأول منها في كون البجع الأسود غير قابل للتنبؤ، وثانيها هو أن القادة ينزعون إلى التركيز على ما يعرفونه وعلى تفاصيل ما يعرفونه فقط، أما السبب الثالث فهو تأثير البيئة المحيطة.

وهذا كله في رأي المؤلف يعود إلى أن احتمال تغيير طريقة تفكيرنا محدودة، ويفسر هذه الحالة بتأثير ديناميكيتين على كيفية تفكيرنا، هما: التحيز والانحراف في التفكير، والنزوع إلى عدم التخلي عن رأي ما طوره الشخص.

فنحن نتعامل مع أفكارنا كممتلكات، وإن كانت هاتان الديناميكيتان مسؤولتين عن حالة من القصور في الطريقة التي نتلقى بها الأحداث ونفسرها. وعلى أساسه يقسم طالب العالم إلى مكانين “وهدائستان” و”غلوائستان”، في وهدائستان يعيش من هم على سوية واحدة من التفكير متمسكين بالأنماط التقليدية رافضين الجديد وغير المألوف وهنا تكثر البجعات السوداء وأثرها المفاجئ. أما غلوائستان على العكس تماما يعيش من هم على سوية عالية من التفكير والمبدعون، ويكون احتمال البجعات السوداء أقل تأثيرا ممّا عليه في المكان الأول.

ويخلص طالب إلى أن هناك نوعين للبجع الأسود، “البجعة السوداء السلبية” أي الموقف الذي يترتب فيه على الأمر غير المتوقع الإصابة بضرر بالغ. و”البجعة السوداء الإيجابية” أي الموقف الذي يترتب فيه على الأمر غير المتوقع فائدة ما.

إن الإطلالة على هذا الكتاب وتناول مفهوم “البجعة السوداء”، تنبع من حاجتنا في وقتنا الراهن لاتجاهات نظرية وفكرية جديدة، تتناسب مع ما يجري حولنا من أمور شديدة التعقيد وتحيط بها الاحتمالات وعدم الاستقرار على رأي، والحاجة الأكثر هي كثرة ظهور “البجع الأسود” في مجتمعاتنا.

15