"البجع الطائر" الفيلم الذي أعلن رسميا موت الزمن الستاليني

فيلم للمخرج ميخائيل كالاتوزوف يجمع بين الواقعية الرومانسية وأسلوب الفيلم الحربي، دون أن يفقد الرسالة السياسية.
الأحد 2020/03/15
بوريس يضحي بحبه ويتطوع في الجيش

على نغمات آلة الأكورديون الشعبية يفتتح “البجع الطائر”للمخرج الروسي ميخائيل كالاتوزوف قبل نزول العناوين الرئيسية، بمشهد يدور على شاطئ نهر الفولغا في موسكو. شاب وفتاة يمرحان ويجريان متشابكي اليدين. اللقطة من زاوية مرتفعة قليلا ومن ظهري الاثنين اللذين يبتعدان تدريجيا ثم ننتقل إلى لقطة أخرى لهما. يتوقفان، يتطلعان إلى السماء حيث يحلق سرب من البجع الجميل الذي يضرب بأجنحته في الجو ويتخذ شكلا هندسيا يوحي بالحب والصفاء والتناغم والسلام. لدينا الشاب “بوريس” والفتاة “فيرونيكا” والواضح أنهما يعيشان قصة حب يتطلعان إلى أن تكلل بالزواج. وفي لقطة من أعلى ترتفع دفقة من الماء تغمر جسد الفتاة والشاب، يتضح أنها من سيارة رش الماء التي تغسل الشوارع، والسيارة تعبر بسرعة وتختفي خارج الصورة.

يبتعد الاثنان وهما يقفزان ويحجلان فوق أرضية رصيف من الأحجار. النجمة الحمراء تتبدى فوق قمة أحد مباني الكرملين. إلا أن هذا الحلم الرومانسي الناعم سرعان ما يتحول إلى كابوس يجثم فوق أنفاس الجميع. فالحرب العالمية الثانية قد بدأت في روسيا مع الغزو الألماني للبلاد. وبوريس يتطوع للقتال قبل أن يصله الاستدعاء الرسمي رغم معارضة واستياء فيرونيكا التي تتساءل عما سيحدث لها خاصة وأن ابن عم بوريس عازف البيانو “مارك” يطاردها ويبثها مشاعره أيضا.

تقاليد جديدة

صورة عن الحرب مؤثرة وبليغة
صورة عن الحرب مؤثرة وبليغة

ميخائيل كالاتوزوف (1903 – 1973) أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما السوفييتية، وهو الذي بدأ حياته العملية مخرجا للأفلام الصامتة، هو الذي أخرج هذا الفيلم، وصوره مدير التصوير المرموق سيرجي يورسيفسكي بأسلوب وتقاليد كانت في ذلك الوقت جديدة تماما على السينما السوفييتية.

وقد عرض الفيلم في خريف 1957 بعد عام ونصف العام، من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي وخطاب خروتشوف الشهير الذي شن فيه هجوما عنيفا ضد ستالين وسياساته، واعتُبر إعلانا رسميا عن نهاية المرحلة الستالينية. وفي ضوء هذا التغيير يمكن النظر الى ما يتضمنه فيلم “البجع الطائر” من نقد اجتماعي جريء، مستتر وواضح، لم يكن من المتصور قبوله رسميا من قبل. فهو يلمس، على سبيل المثال، الفساد المنتشر داخل المؤسسة الرسمية.

فرجل المؤسسة أو ممثل الحزب “تشيرنوف”، يقبل إعفاء مارك ابن عم بوريس من التجنيد ويجنبه بالتالي الذهاب إلى الحرب، وعندما يحتاج “تشيرنوف” في وقت لاحق إلى الحصول على خدمة في المقابل، من مدير المستشفى “فيدور إيفانوفيتش” عم مارك ووالد بوريس، يذكره بما قدمه إلى مارك رغم أن الرجل لا علم له بما حدث، بل استغل مارك اسمه لكي ينال ما ناله من إعفاء وأوهم فيرونيكا بأنهم أعفوه من التجنيد بسبب موهبته الموسيقية النادرة.

سيتطور الأمر بعد رحيل بوريس، ويلقى والدا فيرونيكا مصرعهما في غارة من الغارات الألمانية على موسكو، وتنتقل هي للإقامة في منزل والد مارك وعم بوريس مدير المستشفى فيدور إيفانوفيتش. أما بوريس نفسه فسيصاب ويصبح من المفقودين في الحرب. وفي غيابه يغتصب مارك فيرونيكا التي تضطر إلى قبول الزواج منه لكنها تظل تهرب من العلاقة معه بالتطوع للعمل في المستشفى، متطلعة إلى عودة بوريس حتى آخر لحظة.

قصة الفيلم ليست ذات أهمية كبيرة. فهي قصة رومانسية بسيطة، إلا أن الأهم هو كيف صاغها المخرج كالاتوزوف وكيف صورها المصور العبقري سيرجي يورسيفسكي الذي سيصبح أيضا مخرجا من كبار المجددين بالفيلمين اللذين أخرجهما: “وداعا ياغولساري” (1968) عن رواية جنكيز ايتماتوف الشهيرة التي صنع منها ملحمة بصرية مذهلة، و”انشد أغنيتك أيها الشاعر” (1973)، وهو الذي سيصور بعد ذلك التحفة الكلاسيكية الأخرى لكالاتوزوف “أنا كوبا” (1964).

رغم مرور أكثر من 60 عاما على ظهور التحفة السينمائية السوفييتية "البجع الطائر" لا يزال يعتبر نموذجا للفيلم الكلاسيكي المثالي الذي يصلح دائما للتدريس في معاهد السينما في العالم

يرمز مشهد البجع الطائر في السماء إلى الحب وتطلع الحبيبين إلى حياة هادئة صافية، وهو ما سيتناقض فيما بعد مع مشهد تحليق الطائرات الألمانية الغازية في السماء، تقصف وتدمر وتقتل. ويستخدم يورسيفسكي الكثير من التكوينات التي تحاكي إلى حد ما، التكوينات الموجودة في أفلام السينما التعبيرية: الأسقف الساقطة الخانقة، الخطوط المائلة الحادة، الإضاءة التي تكثف الظلال السوداء وتعكس أجواء القلق والتوتر، وزوايا التصوير من أعلى أو أسفل لكي تمنح أيضا تعبيرا شعريا عن الحالة النفسية، كما تخدم الإضاءة التعبير عما تشعر به الشخصيات في لحظات الحب والمرح والشقاء والمعاناة والخوف.

يجمع الفيلم بين الواقعية الرومانسية، وأسلوب الفيلم الحربي، دون أن يفقد الرسالة السياسية. ولكن كالاتوزوف يعرف كيف يفلت من أسر القبضة الحديدية ويستغل فترة الانفتاح في زمن خروتشوف حتى أقصاها. فهو يستخدم -مع مصوره الكبير- وسائل لم يكن مسموحا بها، بل كانت تعتبر في الاتحاد السوفييتي من المحظورات، مثل الكاميرا المهتزة واللقطات الطويلة بالكرين بل وبالهليكوبتر أيضا، والتكوينات الفنية الشكلية التي تعبر عن الأحاسيس والمشاعر الرومانسية. وبالاضافة إلى ذلك، يوظف آلاف الأشخاص في مشاهد هائلة للجنود وهم يذهبون إلى الجبهة في الدبابات أو للجنود العائدين من الحرب.

الكاميرا الحرة المحمولة على الكتف مثلا تُستخدم هنا من وجهة النظر الذاتية وليست الموضوعية، أي من منظور الشخصية كما في مشهد فيرونيكا وهي تبحث عن بوريس. ولنتوقف قليلا أمام هذا المشهد المحوري في الفيلم.

لا تتاح الفرصة لفيرونيكا لتوديع بوريس قبل ذهابه إلى الجبهة، فتهرع للبحث عنه وسط الجموع التي ذهبت لتوديع أبنائها الذاهبين إلى الحرب. نراها أولا داخل حافلة.. تتحرك كالفراشة من النافذة الموجودة على اليسار إلى النافذة اليمنى، تتطلع إلى الخارج في لوعة تبحث عن بوريس وسط الحشود، ثم تتجه إلى باب الحافلة وتهبط مسرعة والكاميرا الحرة المحملة تتبعها دون قطع، أي في لقطة طويلة مستمرة، ثم تشق طريقها بين الكتل البشرية، ثم ترتفع الكاميرا في حركة رأسية على الرافعة (الكرين) لنرى فيرونيكا وهي تشق طريقها في اتجاه معاكس بين صفوف الدبابات التي تتقدم في الطريق. هذا المشهد يكثف حالة اللهفة الشخصية لدى فيرونيكا، والحالة العامة القائمة من الفوضى التي نتجت عن التعبئة الفجائية.

يورسيفسكي (الذي صور ثلاثة أفلام أخرى مع كالاتوزوف) كان يسبق حركة الموجة الجديدة الفرنسية وما أبدعه مصورها الشهير راؤول كوتار الذي صور أشهر أفلام غودار وتروفو وشابرول، في استخدامه اللقطات المتحركة بالكاميرا الحرة المحمولة، ولقطات الكلوز أب القريبة إلى الوجوه التي يقصد منها تقريب انفعالات الشخصيات إلى المشاهدين، والتصوير من وجهات نظر مختلفة. وهو يبرع أيضا في تصوير مشاهد القصف وتحطيم الزجاج وحرق البيوت، ثم مشهد بوريس على الجبهة وهو ينقذ زميله المصاب ويحمله على ظهره ويسير به حتى يصل إلى الغابة ليحتمي معه، وحينها يصاب هو إصابة مباشرة فيتطلع إلى أعلى ونرى من وجهة نظره فروع الأشجار وهي تلف وتدور مع دوران الكاميرا، في لقطات فريدة على نغمات الموسيقى الدرامية التعبيرية.

معاناة فيرونيكا

التكوينات التعبيرية من سمات الصورة
التكوينات التعبيرية من سمات الصورة

وفي أحد المشاهد عندما تشعر فيرونيكا بالألم والأسى لما اقترفته في حق بوريس بعد أن تزوجت غيره في غيابه، تخرج، تسير، ثم تجري، نراها في لقطة قريبة من زاوية منخفضة وفي الخلفية تبدو الأشجار، تتابعها الكاميرا، ثم ننتقل إلى ساقيها وهي تسرع الخطى وتعبر أشجارا تمر في الكادر في صورة تشكيلية مع الموسيقى المتصاعدة، وتزداد حركة فيرونيكا وحركة الصور وتدفقها، ويظهر وجهها المليء بالألم من وراء الأشجار التي تتعاقب جذوعها مع حركة الكاميرا، ثم يظهر إلى جوارها قطار يمر مسرعا فتنحرف في اتجاهه. إنها تريد أن تلقي بنفسها بين عجلاته، هنا تمتزج صور القضبان والأشجار ودخان القطار ثم سلم تصعد فوقه فيرونيكا بقدميها، ثم نرى وجهها وهي تتطلع من أعلى إلى القطار وهو يمرق أسفل الجسر الذي تقف فوقه. هذا واحد من أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها قوة في التعبير، تتضافر فيه عناصر الصورة مع التمثيل مع الموسيقى مع المونتاج. ويقف وراءه بالتأكيد مخرج كبير يعرف ماذا يريد.

يتجاوز فيلم “البجع الطائر” بجرأة ويكسر التقاليد التي كانت سائدة لتيار “الواقعية الاشتراكية”. فلا يوجد هنا البطل الاشتراكي الإيجابي، أي النموذج البروليتاري. صحيح أن بوريس يضحي بحياته من أجل وطنه، لكن فيرونيكا هي التي ستدفع الثمن. فسوف تُغتصب وتضطهد وتلقى الازدراء من جانب الكثيرين بعد أن تتزوج من غير بوريس.

ومقابل شجاعة بوريس الذي يذهب تطوعا إلى الحرب، هناك أيضا مارك الجبان الذي يلجأ إلى التحايل والوساطة لكي يفلت من الخدمة العسكرية الإجبارية ثم لا يصون ابن عمه في غيابه بل يغتصب خطيبته ويرغمها على الزواج منه. أي أننا أمام الجبن والخيانة والحفلات الصاخبة والفساد في زمن الحرب. كما أن في الفيلم حديثا عن تقدم الألمان، وعن حصار موسكو وحصار ليننغراد، وكيف أن بقاء روسيا لن يتحقق سوى في سيبيريا كما يقول الطبيب، وهو حديث متشائم يوحي بأن الهزيمة ستحل وستسقط موسكو وتصبح النجاة في الابتعاد إلى سيبيريا. وكلها أشياء لم يكن مسموحا بها من قبل في الأفلام السوفييتية.

فيرونيكا تنضج على نيران التجربة وتصبح رمزا أكثر مما هي شخصية، رمزا لروسيا التي كان يجب أن تدفع ثمن النصر غاليا من دماء أبنائها. ففي مشهد الاحتفال بالنصر واستقبال العائدين من الحرب، تبدو فيرونيكا حزينة مهمومة دامعة العينين، فبوريس لم يعد والمؤكد الآن أنه فقد حياته. لكن فيدور إيفانوفيتش يحثها على تجاوز الأزمة والاندماج مع المجموع وتوزيع الورود التي تحملها عليهم. وهي تفعل بعد أن ترتسم الابتسامة على وجهها. هنا تبرز فكرة إنكار الذات من أجل المجموع، من أجل أن تبقى روسيا ويبقى الاتحاد السوفييتي. ولم يكن من الممكن أن ينتهي الفيلم نهاية سعيدة بعودة بوريس. فقد جرت بالفعل مياه كثيرة في الأنهار. وكان لا بد أن تكون تضحيته بحياته موازية لتضحية فيرونيكا بنفسها.

مصير الممثلة

كانت الممثلة تاتيانا سامويلوفا التي تقوم بدور فيرونيكا في الثالثة والعشرين عندما قامت بالدور (من مواليد 1934). وقد حصلت على تنويه خاص من مهرجان كان، ثم على جائزة أفضل ممثلة في مسابقة جوائز النقاد الألمان (1958). وفي العام التالي 1959 نالت جائزة أفضل ممثلة أجنبية في مسابقة “بافتا” البريطانية.

 في الفيلم يناديها حبيبها بوريس باسم التدليل “سنجابة”. وهي تبدو بالفعل في خفة ورشاقة السنجاب الجميل. إنها تعبر بعينيها وحركة جسدها وتعبيرات وجهها، تنتقل من مرحلة البراءة والأمل إلى الكآبة والهم والمعاناة ثم النضج. لقد خرجت من دور الفتاة إلى دور المرأة التي أصبحت أكثر خبرة في الحياة في ضوء تجربتها القاسية. وأمامها تفوق أيضا الممثل ألكسي باتالاف في دور بوريس. وظل هذا الثنائي لعشرات السنين في ذاكرة جمهور السينما ومن شاهدوا هذا الفيلم وهم في عمر الشباب.

أخرج ميخائيل كالاتوزوف بعد “البجع الطائر” فيلم “الخطاب الذي لم يرسل” كتكملة لهذا الفيلم، وقامت ببطولته أيضا فيرونيكا سامويلوفا، لكنها لم تحقق نفس النجاح فقد ظل “البجع الطائر” دائما مرتبطا باسمها. وقد كرمت على أعلى مستوى في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وتوفيت عن 84 سنة عام 2008.

15