البحث على الهواتف الذكية يجبر غوغل على البدء من نقطة الصفر

يعيش غوغل مرحلة مفصلية منذ تأسيسه شريط البحث التقليدي على الإنترنت، إذ بات مهددا بفقدان مكانته، ومن ثم إعلانات تتخطى سنويا حاجز 40 مليار دولار، مع ظهور مساعدين رقميين يمكن تمرير أوامر صوتية لهم مباشرة دون الحاجة إلى تشغيل جهاز الكومبيوتر أو اللجوء إلى شريط البحث في الهاتف لكتابة الأمر وانتظار النتيجة.
الثلاثاء 2015/12/29
في جعبة غوغل دائما شيء يملأ به الفراغ

لندن – شهد محرك البحث غوغل لسنوات انطلاقة كبيرة. كان غوغل شبكة ويب عالمية تضم الملايين من الأشخاص الذين يستخدمون المحرك كل يوم، وشكل لسنوات أهم مصدر لكسب المال بالنسبة لشركة الإنترنت الأعلى قيمة على الإطلاق.

لكن بدأت الشركة مؤخرا، تواجه تحديات كبيرة من قبل شركات منافسة تمكنت من القيام بثورة في مجال البحث على الإنترنت، إذ لم تعد كتابة ما يريد المستخدم البحث عنه في موقع إلكتروني هي الفلسفة التي يقوم عليها مفهوم البحث، لكن تحول موقع البحث نفسه إلى جهاز يمكن مخاطبته وإعطاؤه الأوامر مباشرة.

أيام غوغل باتت معدودة

في ظل قضاء المزيد من الوقت على الإنترنت بعيدا عن أجهزة الكمبيوتر المكتبية، باتت أيام غوغل معدودة. دوّن غوغل في السطر الأول على مدونته في شهر مايو الماضي معلنا أن عمليات البحث المتنقلة تجاوزت البحث من كمبيوترات المكاتب في عشر دول على الأقل، من ضمنها أكبر سوق للشركة، وهي الولايات المتحدة. وفي التدوينة، طلب غوغل تحويل ذلك إلى “فرصة هائلة”.

ويقر أميت سينغال، نائب رئيس شركة غوغل المسؤول عن قسم البحث في الشركة، بأن هذا التحول سوف يضع غوغل في مواجهة تحديات غير مسبوقة.

وقال وهو يجلس في مقر الشركة في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا الأميركية إن “الهواتف الذكية جعلتنا بالفعل نشكو من الهشاشة في هذا المجال لأنه في المستقبل القريب لا مكان لتحقيق نفس النجاح الذي حصل من قبل مع كمبيوتر المكتب بعد مرور أكثر من عشرة أعوام أو 12 عاما من العمل الشاق. نحن في حاجة إلى البدء من نقطة الصفر مرة أخرى”.

وبات من المؤكد أن غوغل سيظل موجودا طوال الوقت، لكن المشكلة التي تواجهه الآن هي أن طريقة النفاذ إلى المعلومات تشهد تحولا جوهريا منذ أن كان يعتمد فقط على عشرة روابط زرقاء إبان انطلاقه في عام 1998.

أبارنا شينابراغادا: ما هو غوغل القادم؟ هل هناك غوغل في المستقبل؟ هذه هي نوعية الأسئلة التي نفكر فيها

ويحاول غوغل إنقاذ ما يمكن إنقاذه مؤقتا إلى حين تمكنه من تطوير آلية مناسبة قد تمكنه من غزو مجال “البحث الصوتي” على غرار شركات أبل وأمازون وغيرهما. وفي أواخر نوفمبر الماضي، أعلنت الشركة عن تطوير محرك بحثها الأشهر على الإنترنت بحيث يمكنه الآن عرض المحتويات التي توفرها التطبيقات المتخصصة دون الحاجة إلى تنزيل التطبيق على جهاز المستخدم وتشغيله.

وذكر موقع “بي سي ماغازين” المتخصص في موضوعات التكنولوجيا حينها أن المستخدم الذي يبحث مثلا عن معلومات خاصة بالمناظر الخلابة بالقرب من “حديقة آتشيز الوطنية” كان سيحصل على معلومات بسيطة وموجزة من محرك غوغل، في حين أنه لو كان لدى المستخدم تطبيق “شيماني ناشيونال باركس″أو حتى يعرف هذا التطبيق لحصل على كل ما يحتاج إليه من معلومات بسهولة”.

ولكن مع تحديث محرك غوغل، فإن الوضع تغير حيث أصبح في مقدور هذا المحرك الحصول على المعلومات التي توفرها هذه التطبيقات لكي يعرضها مباشرة للمستخدم ضمن نتائج البحث.

وبدأ غوغل العمل على تطوير هذه الخاصية منذ عامين عندما بدأ تصنيف وفهرسة محتوى التطبيقات للمساعدة في تقديم نتائج البحث ذات الصلة، بغض النظر عما إذا كانت المعلومات المطلوبة موجودة على شبكة الإنترنت أو داخل أحد التطبيقات.

وفي الوقت نفسه، فإن غوغل يستطيع فقط عرض محتويات التطبيقات المتوافقة مع محتوى مواقع الإنترنت حتى الآن، ولكن هذا الوضع سيتغير.

ثورة ملحة

ويشعر اليوم الكثير من مستخدمي غوغل أن القوائم التي تظهرها نتائج البحث التقليدية على الموقع، تلك التي تعتمد عليها الشركة كثيرا لجذب المزيد من الإعلانات، لم تعد أفضل الوسائل العملية التي يمكن اللجوء إليها من قبل مستخدمي الهواتف الذكية، ومن المستحيل اللجوء إليها بأمان خلال قيادة السيارة.

وبدأت شركة غوغل في وضع خطط موسعة لتوصيل آليتها للبحث بجميع هذه الأجهزة وغيرها، ومن ثم بدأت في إعادة النظر في الطريقة التي من الممكن أن تعرض بها النتائج على المستخدمين وتجذبهم إليها مرة أخرى.

ويبدو أن الحل الذي بدأ يتبلور أمام الباحثين في غوغل يعتمد بشكل كبير على خدمات الشركة على الإنترنت التي لا تعد ولا تحصى، إلى جانب برامج الذكاء الاصطناعي وكنوز هائلة من بيانات المستخدمين التي بحوزتها.

زمن آبل وأمازون وفيسبوك لا يعرف شريط البحث التقليدي

ويمكن بسهولة الوصول إلى كل ذلك من خلال تقنيتين مرتبطتين بشكل وثيق بتطبيقات غوغل للهواتف الذكية مثل: البحث الصوتي، الذي يتيح للمستخدمين طرح أسئلتهم بدلا من كتابتها، وغوغل ناو وهي خدمة التنبؤ التي تظهر للمستخدمين معلومات حيوية قبل أن يكونوا في حاجة للبحث عنها.

وتأمل الشركة الآن في تحويل مفهوم “غوغلينغ” من شريط بحث ثابت على الإنترنت، إلى نوع من المحادثة مع مساعد مستعد للقيام بأي مهمة تطلب منه، حتى تلك التي لم يتم التفكير فيها بعد.

وتدرك شركة غوغل أنها إذا كانت غير قادرة على خلق هذا المساعد الذي يستطيع المستخدم اللجوء إليه في أي وقت، فإن إحدى شركات التكنولوجيا الأخرى ستكون قادرة على فعل ذلك.

وتطبيق سيري، المتصفح المعرفي لشركة أبل، هو المنافس الأقوى حتى الآن، إذ يتم تثبيته تلقائيا على مئات الملايين من أجهزة الأي فون، وهذا العام توسع ليشمل أيضا ساعة وتلفزيون أبل.

وإلى جانب سيري، هناك مايكروسوفت كورتانا، المساعد الرقمي الذي طرحته شركة مايكروسوفت كجزء أساسي من نظام التشغيل الجديد ويندوز 10.

كما أصدرت شركة أمازون جهازا منزليا جديدا أطلقت عليه اسم “إيكو” يمكن الاستعانة به في غرفة المعيشة في المنزل، وإصدار الأوامر الصوتية له ليقوم بتنفيذها على الفور. بالإضافة إلى كل ذلك أطلقت شركة فيسبوك خدمة ”إم”، وهي بمثابة مساعد رقمي يمكن الوصول إليه عبر تطبيق إرسال الرسائل الإلكترونية ماسنجر.

وتنظر هذه الشركات إلى المساعدين الرقميين باعتبارهم الوسيلة التي سيمكن من خلالها لاحقا التحكم عن بعد في السيارات والمنازل وغالبية الأجهزة.

وستكون كل رغبة يلبيها المساعدون التقنيون بمثابة سؤال واحد فقط من بين العشرات من الأسئلة التي يكتبها المستخدم في محرك البحث غوغل يوميا. وفي كثير من الأحيان، تغري نوافذ الإعلانات المستخدمين فيقومون بالنقر عليها وتصفح وجهات أخرى.

غوغل يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه مؤقتا إلى حين تمكنه من تطوير آلية مناسبة قد تمكنه من غزو مجال "البحث الصوتي" على غرار شركتي آبل وأمازون وغيرهما

سكارليت جوهانسون الرقمية

بالنسبة لغوغل، الذي ستبلغ أرباحه من الإعلانات فقط حوالي 44 مليار دولار في نهاية العام الجاري، لن تكون المخاطر التي تهدده في أي وقت أكبر من تلك التي يواجهها الآن.

في سلسلة من المقابلات في العمق، قدم مسؤولون ومصممون وباحثون في غوغل لمجلة تايم الأميركية صورة واضحة عن خطط الشركة للتطوير في السنوات المقبلة.

وتقول مديرة الإنتاج في غوغل أبارنا شينابراغادا “لدى غوغل دور واضح من حيث ربط المستخدمين بالمعلومات على شبكة الإنترنت عبر كمبيوتر المكتب. ما هو غوغل القادم؟ هل هناك غوغل في المستقبل؟ هذه هي نوعية الأسئلة التي نفكر فيها”.

ويدرك المسؤولون في غوغل أن جمهوره بات في حاجة ملحة إلى كمبيوتر يضم تقنية الصوت ستار تراك، أو تقنية تشبه إلى حد بعيد الشخصية الرقمية التي جسدتها الممثلة الأميركية سكارليت جوهانسون في فيلم “هي”، الذي يدور حول شخصية كاتب يطور علاقة مع نظام تشغيل ذكي ذي صوت وشخصية أنثى، عند تخطيط رؤيتهم حول كيفية تفاعل الناس مع خدمات الشركة في المستقبل.

ولكن مازال هناك الكثير من المشاكل المعقدة التي ينبغي تخطيها أولا. ويتمثل التحدي الأكبر في صوت كلا الطرفين؛ المستخدم والشخصية التقنية المصممة من قبل شركة الكمبيوتر للرد على الأسئلة البشرية.

فرانسوا بيفايس: الهاتف يمكن أن يكون صديقك، كل ما يحتاجه هو فهم لغة الاستفسار الطبيعية كي تشعر بالراحة معه

ويتفاعل غوغل في شريط البحث القديم مع المستخدمين وفق شروط المعاملات. وبمجرد كتابة جزء من اسم الأمر الذي يريد الفرد الاستعلام عنه، حتى تأخذه الروابط الزرقاء إلى خيارات من بينها ما كان يبحث عنه. وفي حال لم تتم فهرسته من طرف غوغل، ربما لا يتم العثور على هذا الخيار.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن الناس لا يتذكرون الحقائق ولكنهم يتذكرون كيفية العثور عليها على شبكة الإنترنت.

ولكن عندما نفتح أفواهنا للبحث، تتغير الديناميكية. وهناك توقع مفاجئ بأن الشخصية التي يعمل غوغل على ابتكارها لن يسمع ويفهم كل كلمة يلفظها المستخدم فحسب، ولكن أيضا سيكون قادرا على الرد بطريقة موجزة وطبيعية، مثل ما يفعل أي شخص آخر.

وتقول فرانسوا بيفايس، وهي باحثة في غوغل متخصصة في أنظمة الكلام، إن “الهاتف يمكن أن يكون صديقك، يحتاج فقط إلى أن يكون قادرا على فهم لغة الاستفسار الطبيعية والمنفتحة جدا، بحيث يشعر المستخدم بالراحة معه”.

وفي الغالب توصلت شركة غوغل إلى إيجاد حل جزئي لمشكل السمع. وبفضل تحسين قواعد الاستماع وتعزيز قوة الكمبيوتر، انخفض معدل الخطأ في البحث الصوتي من 23 بالمئة إلى 8 بالمئة في العامين الماضيين.

وتوصل سكوت هوفمان، نائب رئيس غوغل لهندسة البحث التخاطبي، إلى تحقيق التشويق والإثارة في سبتمبر الماضي عندما كان قادرا على استخدام البحث الصوتي في أحد النوادي الليلية المكتظة في مدينة برشلونة، حيث تم تسجيل كل الكلمات التي تم التلفظ بها من قبل الجميع. وقال “يمكن القول إن الكلام بات على الأقل يتزامن مع الكتابة، وربما أكثر”.

13