البحث عن الجمال باقتفاء خطى خمسة شعراء عرب

سعدالدين كليب يفكك جماليات الشعر العربي الحديث من خلال تسليط الضوء على تجارب عدد من الشعراء المعاصرين الذين قدموا رؤاهم الأدبية والجمالية بشكل خاص.
الثلاثاء 2020/05/12
الشعراء فتحوا نوافذ الجمال (لوحة للفنان محمد قنيبو)

تتجاذب موضوعة فكر الجمال في التراث العربي القديم والأدب المعاصر العديد من نظريات التقعيد. ففي تراثنا العربي العديد من المحاولات التي قدمت نقدا أدبيا في عصرها وأسست لذهنية نقدية لاحقة. فكان لوجود دراسات وأبحاث لابن سلام الجمحي والأصمعي وغيرهما دور كبير في إرساء حالة أولية من النقد العربي التي تعنى بدراسة الأبعاد الجمالية للأدب وخاصة الشعر.

في محاولة معاصرة قدم الشاعر والباحث السوري سعدالدين كليب، أستاذ مادة علم الجمال في كلية الآداب بجامعة حلب، بحثا مطولا من خلال كتاب حمل عنوان “تراثنا والجمال، مختارات من الفكر الجمالي القديم” صدر عن دائرة الثقافة في إمارة الشارقة. ذهب فيه إلى تأصيل فكر علم الجمال في تراثنا العربي واستنباط حيثيات عنه.

حفل الكتاب بمقاربات فكرية عميقة للوصول إلى كنه التفريق ما بين الجمال والجلال والكمال؛ من خلال بحثه في العديد من الأفكار الجمالية التي تشكلت حسب منهج الباحث في كتابه: بتحديد الوعي الجمالي ثم بالدخول في مفاهيم تذهب نحو الذات والخصوصية، فمرّ على أفكار الكائن الجمالي والوعي والفن، ثم الوعي والأسطورة وفي مرحلة لاحقة الوعي والأدب والوعي والفلسفة ليصل إلى الفكر الجمالي في الحضارة العربية الإسلامية ومن خلالها الأطر الفكرية التي ترسخت في فكر الجمال (الأنساق الجمالية المعرفية والمنظومة الجمالية العربية). ليصل الباحث كليب إلى أن أول من أسس للفكر الجمالي في تراثنا العربي، الكندي والجاحظ.

يقول الباحث في كتابه “مع الجاحظ والكندي أصبح بالإمكان الحديث عن نظرية في الجمال والفن ذات أسس عامة، تستند إلى الخبرة والمعرفة النظرية والمعالجة العقلية، أكثر مما تتكئ على الانطباعات الذوقية والتعبيرات الإنشائية والأحكام غير المعللة، كما كان سائداً قبلهما في الأعمّ الأغلب”.

خمسة شعراء

مقاربات فكرية عميقة للوصول إلى كنه التفريق ما بين الجمال والجلال والكمال
مقاربات فكرية عميقة للوصول إلى كنه التفريق ما بين الجمال والجلال والكمال

في كتاب يتكامل مع مفهوم علم الجمال في الأدب المعاصر، يقدم الباحث كليب كتابا جديدا صدر قبل أيام، عن الجهة ذاتها التي أصدرت الكتاب الأول، ويحمل عنوان “في النقد الجمالي- شعراء وتجارب”، حيث يسلط كليب الضوء على تجارب عدد من الشعراء المعاصرين الذين قدموا رؤاهم الأدبية والجمالية بشكل خاص. والشعراء الذين تناولهم هم عمر أبوريشة وسيف الرحبي وجوزيف حرب ويوسف الصائغ وصقر عليشي.

يقول الباحث في مقدمة كتابه الجديد “لا شكّ في أنه يصعب الكلام على نقد جمالي ذي منهج نقدي متمايز، يجعله ينضمّ إلى المناهج النقدية التي سادت أو تسود المشهد النقدي الحديث. فهو لا يعدو أن يكون مقاربة نقدية ذات طبيعة فلسفية كلية، تتوسل بعدد من المناهج والعلوم، لإنتاج وعي معرفي علمي، في حدود العلوم الإنسانية، بالظاهرة الأدبية… وهو إذ يستفيد من تلك العلوم والمناهج لا يغادر موقعه الفلسفي بوصفه وعيا كليا للظاهرة، أي لا يفقد ماهيته الفلسفية، من جهة، ولا يستغرق في تلك المناهج من جهة أخرى”.

ويتابع الباحث “فالنقد الجمالي نقد كلّي للنصّ أو الظاهرة الأدبية، من دون أن يدعي أن مقاربته النقدية هي الأصوب أو الأدقّ. فهي مقاربة من بين المقاربات، وفي ذلك يتجلى وعيه الديمقراطي لكلّ من الفنّ والنقد والثقافة جميعاً”.

وعن خارطة الاختيارات التي ذهب إليها في تحديد الشعراء الخمسة الذين كتب عنهم يتابع الباحث “خمس تجارب لخمسة شعراء عرب، من مراحل وأجيال ونوازع مختلفة، وهم عمر أبوريشة ويوسف الصائغ وجوزف حرب وسيف الرحبي وصقر عليشي. بينهم الشاعر الكلاسيكي المحْدث وشاعر قصيدة التفعيلة، وشاعر قصيدة النثر، وبينهم الشاعر الذي يزاوج بين الشكل العروضي الخليلي والشكل التفعيلي، أو يزاوج بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، كما أنّ بينهم من يميل إلى الغنائية الصرف، ومن يميل إلى الغنائية – الدرامية، ومن يميل إلى التراسل بين الأجناس الأدبية والفنون عامة؛ وبينهم كذلك من يستخدم الانزياح اللغوي في حدّه الأقصى، ومن لا يكاد يفارق اللغة الطبيعية بأشكالها النحوية النموذجية. أي أنّ في هذه الدراسات التطبيقية نوعاً من الاستقصاء للأشكال الشعرية المهيمنة في القصيدة العربية الحديثة إيقاعياً وأسلوبياً وجمالياً”.

 عوالم إبداعية

سعدالدين كليب: "في النقد الجمالي. تجارب وشعراء" كتاب أعول على أهمية أطروحاته الجمالية ومنهجيته النقدية
سعدالدين كليب: "في النقد الجمالي. تجارب وشعراء" كتاب أعول على أهمية أطروحاته الجمالية ومنهجيته النقدية

يدخلنا الكتاب في العوالم الإبداعية للشاعر يوسف الصائغ مثلا، الذي تداخلت في إبداعاته العديد من الفنون والرؤى، حيث يرى أن يوسف الصائغ “امتلك عدّة حواسّ جمالية – فنية يتلمّس بها الواقع من حوله، ويعيد بناءه شعرياً بالاستفادة من تلك الحواس بحسب ما يقتضيه الموقف الشعوري، فقد يتصدّر الرسم بالكلمات أو الحوار الدرامي أو السرد موضوعياً وذاتياً أو المونتاج السينمائي، في هذا النصّ الشعري أو ذاك، وقد تجتمع كلّها أحياناً، بما يرفع وتيرة التراسل إلى حدّها الأعلى. ولعلّ حداثة النصّ الشعري عند الصائغ تكمن في هذا الجانب تحديداً، أي التراسل، بانعكاساته المختلفة على مستويات النصّ كلّها، بدءاً باللغة وانتهاء بالبنية الفنية. وقد يكون الصائغ من أوائل شعراء الحداثة الذين مالوا إلى التراسل الجمالي بين الأجناس والفنون المختلفة، مستفيداً من خبرته الإبداعية العملية فيها، ومجرّباً إياها في صياغة نصّ شعري خاصّ ومختلف”.

ويذهب الكتاب ليعرض رأي الناقد الأدبي العراقي محمد المبارك الذي يقر بأن الصائغ يتفرّد، من بين مجايليه من شعراء العراق، بخاصية تعدّد الأصوات في القصيدة، “ليكون بينهم سيد القصيدة الروائية – الدرامية في الشعر العراقي الحديث”.

يتابع الباحث في بيان التجربة الجمالية عند يوسف الصائغ “إذا ما استثنينا مرحلة البدايات الأولى، ليوسف الصائغ، والتي انطبعت بطابع غنائي رومانتيكي، من حيث الخطاب والشكل والأسلوب؛ فإنه يصحّ القول إنّ التراسل الأجناسي هو الناظم الأساسي للتشكيل الجمالي، في مجمل تجربته الشعرية، بمرحلتيها التراجيدية والعذابية على السواء. فقد تراسل النصّ الشعري فيها مع الشكل السردي – الحكائي، ومع الشكل الدرامي – المسرحي. بل تراسل جمالياً أيضاً مع كلّ من فنّ الرسم وفنّ السينما”.

كتاب الباحث سعدالدين كليب، الذي يبحث عن الجمال، صدر في زمن مليء بالقبح والقلق والخوف. وهذا ما قد يكرس عنده حالة شعورية خاصة حيث يقول “كتابي ‘في النقد الجمالي- شعراء وتجارب‘ صدر في أثناء الحجر الصحي العالمي أو العزلة العالمية بسبب وباء كورونا، فلا أخفي أنه انتابني شعوران متناقضان نسبياً، فمن جهة سُعدت بصدور الكتاب، الذي أعوّل شخصياً على أهميته في أطروحاته الجمالية العامة ومنهجيته النقدية الخاصة، ولكنني حزنت من جهة أخرى أنه صدر في أثناء العزلة العالمية التي لسنا ندري مداها، ما يعني أنّ توزيع الكتاب عربياً سوف يتأخر إلى ما بعد انتهاء العزلة، وعودة الحياة الطبيعية إلى الأرض التي انتهكها الوباء فجأة، مثلما تنتهكها الحروب والشراهة والتفاهة المنظّمة بدقة في هذا العصر الذي كلّ ما فيه عابر للقارات، بدءاً بالشركات العملاقة وثقافة الاستهلاك والإرهاب والأوبئة وانتهاء بالعلوم والفنون والمعلوماتية أيضاً”.

ورجا الباحث أن يكون الكتاب مفيداً في مجاله، وأن يجد مقروئيته التي يستحقّها، ليكون له، مع سواه، ولو أثر بسيط في إشاعة الثقافة الجمالية الجادة، تلك الثقافة التي ترى في الجمال خلاصاً للإنسانية من مختلف وحوش الأرض العابرين للقارات منهم والمحلّيين على حد السواء.

ونذكر أن سعدالدين كليب، شاعر وباحث في الأدب والنقد العربي ولد في مدينة حماة عام 1957. نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي ويعمل أستاذا لمادة الأدب العربي الحديث والنقد في كلية الآداب بجامعة حلب. نشر العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات في نقد الأدب العربي منها: وعي الحداثة، دراسات جمالية في الحداثة الشعرية، النقد العربي الحديث مناهجه وقضاياه، تراثنا والجمال، البنية الجمالية في الفكر العربي – الإسلامي، المدخل إلى التجربة الجمالية. كما نشر دواوين شعرية منها: الشبح، الغناء فوق اليباس الأخضر، باب اليمام.

14