البحث عن السعادة

الخميس 2014/08/21

سألني: هل أنت سعيد يا سعيد؟ فأخبرته بالحقيقة التي أعرفها: والداي سمّياني سعيدا حتى يتمتعان هما بالسعادة. بمعنى أن الاسم هنا قد يكون صفة المسمِّي لا المسمَّى. أما عن سعادتي الخاصة فلستُ أشكّ قيد أنملة في أني منذ توقفت عن البحث عن السّعادة أصبحتُ أقلّ شقاء. الأمر أشبه بالمفارقة، أعرف، بل المفارقة بادية في كل الأحوال: السعادة هي ذلك الشيء الذي نبتعد عنه كلما دنونا منه. لذلك صدقت الحكمة التي تقول: لا تخطط لأفراحك.

على الأرجح، حتى والديّ فشلا في الحفاظ على زواج سعيد، إذ سرعان ما غمرهما الملل الذي يغمر كل الناس. في الحقيقة يجب علينا أن نطرح الأسئلة الأكثر بساطة وجذرية في نفس الآن: هل توجد حياة سعيدة؟ هل يوجد زواج سعيد؟ هل توجد صداقة سعيدة؟ هل هناك فرصة لأي إنسان لكي يشعر بسعادة دائمة لعدة أيام متواصلة على الأقل؟ ولنفكر أيضا بالنحو الأكثر بساطة: هل أننا أصحاء أغنياء أذكياء أحباء أقوياء.. ألسنا نتوقع خبراً سيئا في أي لحظة؟ أليس الخوف من المرض يكفي لينغض علينا سعادتنا؟ ألسنا نخاف من فقد بعض الأحبّة؟ ألسنا في معركة يومية وغير متكافئة ضدّ الملل؟ لنكن صرحاء، هل السّعادة ممكنة ضمن الشرط الإنساني؟

هل أنت سعيد؟ لو أنّك طرحت هذا السّؤال على الإنسان الواحد عدّة مرّات وفي أوقات مختلفة لحصلت في الغالب على أجوبة متباينة ومتنوعة، وعلى الأرجح فإنّ المرات التي قد يأتي فيها الجواب بصيغة الإيجاب بلا تحفظ ولا تردّد ستكون قليلة. وهذا طبيعي.

في سؤال السعادة هناك مفارقة صارخة: بقدرما يبحث الإنسان عن السعادة فإنه يفاقم من شعوره بالشقاء، ليس فقط بسبب البحث المضني عن السعادة، وإنما بسبب أنه لن يعثر في الأخير على أي فرصة لشعور دائم بالسعادة الكاملة، ذلك لأنّ الوجود يعتريه النقص، الوجود نقص أصلي. إذ “لكل شيء إذا ما تم نقصان” على حد تعبير الشاعر. وفي الواقع ليس هناك ما يفاقم من شعور أي شخص بالشّقاء أكثر من الاعتقاد بأنّ السعادة الكاملة موجودة وممكنة ومتاحة، ومن سوء حظه أنه لم يدركها. وهذا وهم مؤلم. أغلب الظن أنّ الإنسان حين يقتنع بأن ما يبحث عنه غير موجود أصلا فسيكون أقل توتراً وتعاسة. ذلك حال السعادة أيضا.

ثمّة حقيقة واحدة، وهي تكفي لكي تخفف عنّا حدّة الشّعور بالشّقاء: ليس هناك أيّ دليل على أن رجلاً سعيداً أو امرأة سعيدة قد وجدا على وجه البسيطة. وفقط على أساس هذا الاستنتاج اليائس يمكننا أن نتحرّر من أهم أسباب التوتّر والشقاء.

شخصيا، منذ أدركت أنّ الحياة السّعيدة، الوجود السعيد، الحبّ السّعيد، الزّواج السّعيد، السّفر السّعيد، عبارات لا توجد في غير قصص الأطفال، أصبحت أكثر قناعة وأقل شعورا بالشقاء. جربوا هذا وسَتَرون.

24