البحث عن الصمت المستحيل

متحف الفن المعاصر يقيم معرضا استرجاعيا للفنان الصيني-الفرنسي زاو واو كي بعنوان "الفضاء هو الصمت"، وفيه نشاهد لوحات كي الذي اشتهر بتجريديّته.
الأحد 2018/08/12
عاصفة الخلق الصامتة

باريس – سعى المؤرخ الفرنسي آلان كوربان في كتابه الأخير “تاريخ الصمت”، للبحث عن المساحات الصامتة التي تفلت منا دوما، والتي تختفي تدريجيا مع التطور الحضاري، المرافق للظاهرة البشريّة التي تتصف بالضجيج، بوصف الأخير انعكاسا للحضور الإنسانيّ. 

فالأصوات تحيط بنا من كل جانب، وحتى المساحات التي نظن أن الصمت مطبق فيها، تحوي ضجيجا من نوع ما، فالأمواج الكهراطيسية تعبر أجسادنا دون أن يسمعها الكثيرون منا، إلا أن البعض وعددهم ضئيل جدا، يصابون بفزع منها، وكأنهم ضحايا الضجيج الصامتون، لنرى أمامنا جماعة بشريّة تسعى لأسباب طبيّة وفنيّة لخلق مساحات من الصمت المستحيل، لتستريح فيها إلى الأبد.

يقيم متحف الفن المعاصر في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا استرجاعيا للفنان الصيني-الفرنسي زاو واو كي (1920-2013) بعنوان “الفضاء هو الصمت”، وفيه نشاهد لوحات كي الذي اشتهر بتجريديّته، ومزجه تقاليد الشرق الأقصى مع المدارس الغربيّة، كالتعبيرية والانطباعيّة، فـلوحات كي الذي تنقل بين أنحاء العالم، واستقر في فرنسا لأول مرة عام 1948، أشبه بانفجارات لونيّة، اسم كل منها  هو تاريخ انتهائه منها، جاعلا مهمة التفسير تقع بشكل كلي على عاتق المشاهد.

جداريات الألوان الصرفة
جداريات الألوان الصرفة

يفضل كي استخدام كلمة “طبيعة” لوصفه أعماله، لا “المشاهد الطبيعيّة”، كون الأولى تحيل إلى الشعر والموسيقا والعناصر الصرفة، لا إلى زاوية نظر محددة ومكان جغرافي مضبوط ومؤطر كما في الثانيّة، وهذا ما نختبره في الأعمال الأربعين التي يحويها المعرض، والتي تتجاوز مساحة بعضها المترين طولا، وأربعة أمتار عرضا، إذ لا جغرافيا واضحة، بل مجرد حضور لوني صرف.

يفخر القائمون على المعرض باستضافتهم أشهر لوحات كي، والتي يعود تاريخ إنجازاها إلى عام 1968، إلى أن اشترتها مدينة باريس عام 1971، وأصبحت جزءا من المجموعة الدائمة لمتحف الفن المعاصر، وحين يقف المتأمل أمامها تداهمه أحاسيس مختلطة، إذ تبدو كأنها تصور عاصفة على استعداد لاقتلاع ما حولها، تتداخل فيها ألوان الأرض البنيّة مع السماء البيضاء، وكأن الطبيعة تصرخ بوجه المشاهد، الذي يتجمّد صامتا دون كلمات، وكأنه أمام لحظة بداية الخلق، حيث صمت مطبق تتحرك ضمنه العناصر.

لا يمكن فهم تجربة كي دون العودة إلى تاريخه الشخصي، فلوحاته انعكاس لما يختبره من تجارب فنيّة أخرى، فعلاقته الوطيدة مع الموسيقا، كان لها دور في إيقاع ريشته،  فالضربات السوداء الصغير مثلا أشبه بالنوتات الموسيقية، ويتضح ذلك أكثر في اللوحة التي أنجزها احتفاء بذكرى الموسيقي إدغار فيرسية، إذ حاول أن يلتقط حساسيته الموسيقية، وتجسيدها بصريا ولونيا،  فالانقطاعات والاضطرابات، والكتل اللونية المتحركة التي تحويها اللوحة التي يعود تاريخها إلى عام 1964، تشابه تلك التي نسمعها في موسيقا فيرسية واضع أول الأسس للموسيقا الإلكترونيّة.

نتلمس في لوحات كي أيضا علاقته مع الفنانين الآخرين، إذا نشاهد لوحات له يحتفي بها بمونية، ولوحاته التي شاهدها كي في باريس، كما نشاهد أيضا لوحة أخرى له يحتفي بها بماتيس، وعمله “شباك مفتوح على ممر”، إذ يحاكي كي تكوينات ماتيس الأساسية، تاركا الألوان تتدفق بحرية بشكل عامودي، وكأنه يفكك عناصر لوحات من سبقوه، باحثا عن مكونات لونية جوهرية، يقوم بعدها بنفي الحدود عن هذه التكوينات لتكتسح القماش، محررا الجوهر اللوني من قيوده.

تركت أعمال كي أثرا كبيرا على الشاعر والرسام هنري ميشو، الذي كتب عدة نصوص عن كي، واصفا الأخير بأنه يكتب تشكيليا، فلوحاته أشبه بالشعر، ولا بد من الاستغراق بها لفهمها، أو قراءتها بصورة أدق، ومن هنا يأتي اسم المعرض، المستوحى من نص لميشو مطلعه “الفضاء هو الصمت، صمت يتناسل بكثرة ويقع ببطء في ماء ساكن”.

14