البحث عن المعنى.. مسافة أمان تفصلنا عن الأحداث المدمرة في حياتنا

في الوقت الحاضر ربما لا يجد العديد من الأشخاص في المجتمعات الحديثة أي معنى لوجودهم ولا أي شيء ليعيشوا من خلاله، حيث يغيب المعنى الذي يشجعهم على الاستمرار والمثابرة ومقاومة لحظات ضعفهم، وهذا قد يقودهم في نهاية المطاف إلى الانتحار.
الأربعاء 2018/06/13
أنتوني بوردين لم يستطع مقاومة لحظات الضعف

بدلاً من أن يستسلم لليأس والموت في معسكرات التعذيب النازية، قدم لنا فيكتور فرانكل -طبيب الأعصاب وعالم النفس النمساوي- سبباً آخر لنعيش من أجله على الرغم من كل الظروف القاهرة التي تشكل حياتنا. وكانت تجربة اعتقاله قد أدت به إلى اكتشاف نظريته في العلاج بالمعنى؛ وهي تقنية نفسية ابتكرها من وحي تجربته وتجربة زملائه الذين شاركوه السجن في معكسر أوشيفتز، للبحث عن وسيلة تعينهم على تحمل الآلام الجسدية والنفسية الفظيعة، فكانت فرصتهم الوحيدة في النجاة.

الأسبوع الماضي أقدم الطاهي الأميركي والمقدم التلفزيوني أنتوني بوردين على الانتحار عن عمر يناهز 61 عاماً، حين تم العثور على جثته بغرفة في أحد الفنادق في فرنسا، حيث كان مزمعاً أن يقوم بالتجهيز لإحدى حلقات برنامجه ذائع الصيت “أماكن غير معروفة” على قناة “سي.أن.أن”.

الطاهي الشهير الذي شكلت وفاته صدمة لجمهوره اعتاد أن يأخذ مشاهدي التلفزيون في رحلات مثيرة حول العالم لاكتشاف ثقافات الشعوب ومطابخها من خلال برامج تلفزيونية أبهرت المشاهد، وكان -بحسب وصف بيان نعيه- محباً عظيماً للمغامرة وتكوين أصدقاء جدد وتقديم طعام وشراب رائعين، وسارد قصص فريدا من نوعه.

لم تكن الطريقة التي أنهى بها أنتوني بوردين حياته هي التي أثارت تساؤلات جمهوره ومحبيه، بل الأسباب التي جعلته ينهي حياته منتحرا على الرغم من موهبته ونجاحه المبهر في عمله، أو هذا ما كان معلناً على الأقل.

المأساة تتحول بقوة الإرادة إلى انتصار شخصي، لكننا يجب أن نعرف كيفية القيام بذلك ولماذا يتوجب علينا فعل ذلك

في كتابه “الإنسان يبحث عن معنى” يتحدث عالم النفس فيكتور فرانكل عن كيفية مساعدة المريض -أو من هو في حاجة إلى المساعدة- على إيجاد معنى لوجوده في هذه الحياة حتى يتمكن من مواجهة خطوبها العصيبة، ولأننا لا نتمكن في معظم الحالات من التحكم في مسار الظروف التي تُفرض علينا وقد لا يكون لدينا خيار للابتعاد بمسافة أمان كافية عن الأحداث المدمّرة في حياتنا، فلا يتبقى أمامنا سوى أن نتقبل واقعنا أولاً، ثم نجد مخرجاً ما لنتمكن من تخطي مرحلة قد تكون مؤقتة، يكمن هذا المخرج الذي يقترحه فرانكل في البحث عن معنى لوجودنا في هذه الحياة، معنى يمكنه أن يعيننا على التحمل والمقاومة والاستمرار ومن دونه لا جدوى لوجودنا. ولهذا تتوافر الفرص دائماً لدى هؤلاء المتعلقين بالمستقبل للمثابرة والنجاة، وهم الذين يجدون في بريقه أملاً يستحق أن يعيشوا لأجله.

ووفقاً لفرانكل يختلف معنى الحياة من شخص إلى آخر؛ فقد يكون معنى الحياة لدى شخص ما في العمل أو ممارسة هواية معينة، مثل الكتابة والفن عموماً، ولدى الأم مثلاً ربما يكون طفلها هو المعنى الأهم في حياتها، فيما يجد آخرون في الأشياء البسيطة الكامنة في تفاصيل حياتهم اليومية الصغيرة والتفاعل مع الأصدقاء، سبباً لوجودهم في هذه الحياة. فنحن في اللحظة التي نصبح فيها غير مكترثين بأن نكون سعداء أو ناجحين، في تلك اللحظة بالذات تأتينا السعادة مرغمة.

يحرص عالم النفس النمساوي الذي قضى فترة لا يستهان بها في المعتقل، على التعامل مع الآخرين بحس إنساني مرهف لما للإنسان من قيمة عليا من وجهة نظره، قيمة ينبغي ألا تجعل من هذا الإنسان مجرد رقم بسيط في قائمة من القوائم؛ سواء أكان سجيناً أو موظفاً أو بائعاً على الطرقات. ولهذا فإن مجرد شعور أحد ما باللامعنى في حياته بسبب ظرف قاس، ينبغي ألا يقوده إلى الاستسلام وربما إلى الانتحار.

ومن خلال تجربته في المعتقل لاحظ فرانكل أن بعض المساجين كان لديهم إحساس مرير بعبثية الوجود لذلك أقدموا على الانتحار وبحثوا عن أقرب مخرج للهروب أو استسلموا لحياة اللامبالاة وهي أقرب إلى الموت، ثم ماتوا في النهاية. أما من آمنوا بالحياة ووجدوا لأنفسهم معنى وسببا للاستمرار وأقنعوا أنفسهم بأن الحياة خارج المعتقل يمكن أن تكون جميلة وتستحق أن تعاش، فهم السجناء الذين كانوا الأقدر على مواجهة الصعاب والاستمرار، وكان هو واحد منهم. أضف إلى ذلك أن المعاناة الشخصية من شأنها أن تسهم بشكل جوهري في تعزيز قدرتنا على فهم الآخرين ومساعدتهم.

البشر الذين كانوا على علم بأنهم على وشك الموت قريبا، كان لديهم إحساس بالمعنى أكثر مما لدى الناس العاديين

وأثبتت التجربة أن البشر الذين كانوا على علم بأنهم على وشك الموت قريباً، كان لديهم إحساس بالمعنى أكثر من الناس العاديين، بينما الآخرون وبتوفر أفضل الظروف قد لا يجدون هذا المعنى فينهون حياتهم ببساطة، لأنهم محبطون ومحاصرون بالفراغ الوجودي.

وفي مقابلة تلفزيونية قديمة، سألت المذيعة عالم النفس فرانكل عن الفرق بين أولئك الذين يستسلمون لمشاكلهم وأولئك الذي يستطيعون أن يتغلبوا عليها، فكان جوابه “العامل الحاسم هنا هو حرية الاختيار وحرية اتخاذ القرار، ألا نسمح للظروف بأن تحد من حريتنا. هذا هو معنى أن تكون إنساناً. بالطبع، لا يستطيع أن يدرك هذا الأمر إلا من عاش ظروفاً عصيبة وخبر المعاناة وعانى من الإنهاك النفسي”.

وأضاف “في المقابل، لدينا حرية متناهية وحرية محددة بعوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية، بمعنى أن الإنسان ليس حراً بشكل مطلق، الحرية المطلقة هي تلك الموجودة في أنفسنا، وهي حرية اتخاذ موقف تجاه أي ظرف يواجهنا، ولعل كيفية تعاملنا مع الظروف القابلة للتغيير أمر منوط بنا”.

ويعرّف فرانكل اليأس بمعادلة رياضية بسيطة في شكلها وعميقة في معناها “اليأس = معاناة – معنى”، أي أن الفرد إذا لم يجد معنى في خضم يأسه فسيغرق حتماً في معاناته فلا يجد قارب المعنى الذي يساعده على النجاة، ولعل إيجاد معنى في ما يعيشه الفرد من معاناة هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يتحول إلى إنجاز، فالمأساة تتحول بقوة الإرادة إلى انتصار شخصي، لكننا يجب أن نعرف كيفية القيام بذلك ولماذا يتوجب علينا فعل ذلك.

21