البحث عن توافقات جديدة للمعارضة السورية

الخميس 2015/03/12

عام رابع ينقضي على انتفاضة السوريين ضد الاستبداد وسلطة التسلط والقمع، في انطلاقة تاريخية جسدتها الثورة السورية، تحت هدف رئيس وجامع هو الحرية والكرامة، في بلد رزح تحت طغمة أمنية عسكرية حاكمة باسم البعث منذ 1963، صادرت الحريات الأساسية للمجتمع السوري، ووضعت حدا لمخاضات الدولة المدنية، التي كانت تتشكل حتى قيام الوحدة السورية المصرية، التي كانت سباقة بدورها، في وأد الحياة السياسية السورية، وصولا إلى استراتيجية ممنهجة لعسكرة المجتمع والدولة بتنظيمات شعبية غير حكومية، غير مستقلة، تدين بالولاء للمؤسسات الأمنية البعثية، التي تفردت بحكم سوريا لما يزيد عن أربعين عاما، ولا تزال حتى اليوم، عبر ما عرف بقانون الطوارئ، وملاحقة المثقفين والسياسيين، ذوي الانتماءات اليسارية المدنية، باستخدام كل وسائل التصفية والتغييب القسري بمختلف أشكالها.

واجه نظام الأسد الثورة ببطش وفظائع متواصلة، موصوفة كجرائم حرب وفق القانون الدولي الإنساني، وأجبر السوريين على حمل السلاح، للدفاع عن أنفسهم وحماية أعراضهم وممتلكاتهم وعن حقهم المشروع في المطالبة بالحريات والحقوق. كانت سياسات النظام، أكثر مما يمكن تصوره، مع إدراك مبلغ الاحتراف في القتل والتدمير. لكن المجتمع الدولي الذي يمتلك القدرة، عبر أدوات سياسية بالدرجة الأولى، لم يكن ينظر إلى ما يحدث سوى أنه تمرد لقطاعات وطنية سورية مسلحة إسلامية، تاليا، ضد السلطة الحاكمة في دمشق، ترتب على هذه القناعة، إيهام السوريين بتقديم الدعم للثورة وقوى حراكها الوطني، لكن التغاضي عن جرائم الأسد كان الحقيقة التي استطاع الأسد الإستفادة منها إلى أقصى درجة، وصلت اليوم إلى المجاهرة بإمكانية إعادة تأهيل النظام للانخراط في تسوية سياسية، لا يرى الغرب بديلا عنها طالما أنه لا يريد لأي طرف أن يحقق تقدما يفرض الذهاب إلى التفاوض.

عززت السنوات الأربع من عمر المواجهة بين قوى الثورة ونظام الأسد، جملة معطيات تتأصل كسمات وظواهر للصراعات، وتتعمق كحقائق في مسار الحالة السورية وهي:

أولا؛ انقسام قوى وتيارات المعارضة السورية، التي لم تستطع مؤسسات المعارضة، التخفيف من حدتها، أو أن تفضي إلى حوار بناء فيما بينها.

أدت التناحرات والانقسامات وعمليات الإقصاء والتهميش والفساد المالي والإداري، وتسلط تيارات على أخرى واستئثارها بالقرار في مختلف مؤسسات المعارضة، إلى فشلها، وانعكاس ذلك على الثورة السورية، تتحمل مسؤولياته القوى المكونة للائتلاف والمجلس الوطني.

ثانيا؛ التأثير المباشر للقوى الإقليمية في الثورة السورية، وتصاعد حدة المواجهة في دائرة التجاذبات الدولية، بما يشكل تدخلا واضحا في صناعة الأحداث على الأرض وفي مجرياتها، ما أفقدها استقلالية القرار الوطني، خاصة في الدول المضيفة للمعارضة السورية، وهو في محصلة أربعة أعوام تأثير سلبي، أفقد الثورة الكثير من خصائصها، في لعبة المصالح والتوازنات الإقليمية.

ثالثا؛ ظهور التنظيمات الإرهابية التي استولت على مناطق الثورة، وحاربت قواها ومنعت العمل المدني ولاحقت نشطاءه، أسوة بما يرتكبه نظام الأسد، الأمر الذي أدى، إضافة إلى شلل المعارضة، إلى انحسار الدعم الدولي لقوى الثورة، مع استمرار دعم نظام الأسد بصورة لا محدودة من قبل إيران وروسيا، ودول أخرى غير منظورة. وأضحت محاربة الإرهاب، أولوية على إنهاء أسباب نشوئه وانتشاره في المنطقة.

رابعا؛ التدخل الخارجي في سوريا من أوسع أبوابه، ويتمثل اليوم في احتلال إيراني عسكري مباشر، في مناطق مختلفة من سوريا، وسيطرة طهران على المؤسسات الأمنية والعسكرية، عبر الإشراف على إدارتها ووضع مخططات عملها وتنفيذها.

خامسا؛ خسر السوريون استقرارهم وقضى ما يزيد على مئتي ألف شهيد، وأكثر من ربع مليون معتقل، و11 مليون نازح ومهجر ولاجئ، 4 ملايين منهم في دول الجوار.

بعد كل تلك الاخفاقات تبدو المسألة السورية، في عنق الزجاجة مع فشل المبعوثين الدوليين، وانسداد أفق العمل السياسي، وفشل مؤسسات المعارضة في استثمار الموارد التي أتيحت لها والإمكانيات التي وضعت بين يديها، وأعني فرص العمل الحقيقي والجاد عبر استراتيجية عمل وطني غائبة، تسببت الانقسامات في عدم التوصل إلى تفاهمات حول خطة طريق، تُمكن المعارضة السورية من أن تكون لاعبا أساسيا في قضيتها الوطنية.

فشل الائتلاف الوطني ومؤسساته العسكرية والتنفيذية، يؤكد الحاجة إلى تجاوزه، وإطلاق مؤسسة وطنية تضم جميع الأطراف السياسية وقوى الحراك المدني والثوري، دون تهميش أو إقصاء، وأن تكون معايير الشفافية والمراقبة والمحاسبة، جزءا من المبادئ المعبرة عن قيم الثورة وأهدافها. والتي يجب أن ترتكز إلى العمل الجماعي، واستقلالية القرار ووضع خارطة طريق تقود إلى إقامة الدولة المدنية الحرة.

مباحثات القاهرة، والحراك الإقليمي، قد يقود إلى ولادة جديدة، تضخ حياة في جسد المعارضة المعتل.. ثمة أمل.


كاتب سوري

9