البحث عن خلاص

الجمعة 2014/11/21

بعد استقلال الجزائر، في عام 1962، أخذ جيلنا يبحث عن الخلاص من بقايا قشور ثقافة ولغة المستعمر الفرنسي المغموسة في الذل، والحيف، والجوع، وجثث الشهداء المتناثرة في كل مكان. كان جيلنا يحثَ الخطى في الليل والنهار بحثا عن هويته الثقافية واللغوية، وأذكر أن أباءنا وأمهاتنا الجبليين الأميين وذوي الجلود الخشنة كانوا يقولون لنا إنَ اللغة العربية رداء يقي من برد الزمان ويعصم من نار جهنم. لقد آمنَا عميقا، وبنيّة صادقة وبكل جوارحنا، بكل ما قيل لنا إيمانا راسخا أقوى من الجبال الشامخة. لم تترك لنا فرنسا مدارس عربية عصرية أو حتى تقليدية أو أساتذة لنتعلم منهم العلوم والرياضيات والآداب الحديثة بل فإنَ كل ما كان متوفرا هو الشيخ الذي كان يعلمنا القرآن والحديث النبوي، والصرف، والنحو، وكتاب الآجرومية.

أذكر جيدا أننا كنَا نجلس صفوفا مستقيمة حينا وأحيانا على شكل حلقة دائرية تحت أشجار الزيتون وبين أيدينا اللوحات الخشبية وكميات من الصلصال الذي كنا نجلبه من سفوح الجبال المحاذية لقرانا المتجاورة والمبنية بالطوب والحجر في أفضل الأحوال وأحيانا كنا نتسلق قممها بعدئذ لنطل منها لنرى أقصى نقطة في الأفق البعيد.

لقد كان مسعانا أن نعوّض عن قرن ونصف من الغبن الثقافي، والاغتراب اللغوي في مجتمع مستعمر، نهشته الأمية من الرأس إلى أخمص القدمين. كانت اللغة العربية تمثل لنا نحن الأمازيغ المفتاح الذي نفتح به أبواب الجنة، ونصدّ به أيضا منافذ الفقر المادي والروحي. تحت أشجار الزيتون التي تمسح باخضرارها الظلام دائما كانت حناجرنا تردّد الآيات والسور بأصوات عالية وكانت جبال لالا خديجة وجرجرة تشاركنا متجاوبة بالأصداء وتنشرها في عنان السماء.

هكذا كنا نحن الجيل الذي رأى دماء الشهداء تسقي تراب الجزائر بكرم لا نظير له، وهكذا حفظنا أول درس في الوطنية وهو أن اللغة العربية هي أنهار من دماء هؤلاء الشهداء، وأن حروفها هي صيحاتهم في البراري.

رويدا رويدا بدأت كتب أدباء إخوتنا من الشام والعراق ومصر تأتي إلى أسواقنا الشعبية المقامة في العراء فشرعنا في إقامة علاقة الألفة والصداقة معها، ومنها رضعنا الكثير حتى بدأ عودنا يشتدّ، ومن هذه الكتب تعلَمنا الدرس الثاني وهو أن الوحدة التي تبنى على الحرف والكلمة لن تعترف أبدا بالحدود ولا تكسرها رياح السياسات الانعزالية. وأنا أستعيد هذا الشريط العتيق من ذكريات جيلنا تذكرت عبارة كنت قرأتها يوما لجاك دريدا وهي: “إن خلاص الآخر يفترض بالضرورة خلاص اللسان”.


كاتب من الجزائر

15