البحث عن دور ثقافي للتلفزيون

الأربعاء 2016/09/28

أثناء تواجدي بمدينة الإسكندرية، الأسبوع الماضي، للمشاركة في الدورة الـ32 للمهرجان السينمائي الذي ينتظم بهذه المدينة، تابعت ما يجري في البعض من الصحف المصرية من نقاش وتذمر حول افتقار جميع الفضائيات العربية للبرامج الثقافية، وخاصة القنوات الرسمية التي أهملت أو تناست دورها في نشر الثقافة بين فئات الشعب والمساهمة في الارتقاء بالذوق العام وزيادة الوعي المعرفي.

وقد تحسر البعض من الكتاب على الدور الثقافي الذي كان يلعبه على مر السنين التلفزيون المصري “ماسبيرو”.. فهو القلعة الإعلامية العريقة، كما وصفته جريدة الأهرام في ريبورتاج لها تحت عنوان “حول إحياء الدور الثقافي للتلفزيون المصري” مذكرة ببرامجه المتنوعة التي كانت تهتم بالفنون التشكيلية والمسرحية والثقافية والفكرية والأدبية وغيرها

(حتى أن أجيالا عديدة تربى وجدانها على هذه البرامج التي قدمها التلفزيون المصري).

إن انحسار البرامج الثقافية النافعة والجذابة ظاهرة طاغية في معظم الفضائيات العربية والتي غالبا ما يقتصر “المضمون” الثقافي فيها على البعض من البرامج التقليدية لتضييع الوقت والتشتيت والضياع بين حوارات باهتة ثرثارة ولقاءات نمطية مع البعض من المفكرين والمبدعين أو دردشات مسلية ذاتية مع فنانين وفنانات يتمتعون بقسط كبير من النرجسية والتباهي بإنجازاتهم!

ومنذ فترة قام قسم الصحافة في إحدى الجامعات الأميركية بدراسة أكاديمية حول واقع الفضائيات العربية الثقافي بإجراء مسح ميداني بالتعاون مع جهة استطلاعية عربية وبمساعدة مجموعة من الطلبة العرب للتعرف على دور الفضائيات العربية في نشر وتطوير الثقافة العربية المعاصرة من خلال الإعلام المرئي.

وجاءت النتائج لتؤكد الصفات السلبية لمعظم ما يقدم من برامج يطلق عليها منتجوها أنها ثقافية أو معرفية، ففي مجال اللغة مثلا تتميز لغة الإعلام الفضائي بالركاكة والأخطاء اللغوية التي بلغت نسبتها أكثر من 45 بالمئة إضافة إلى كونها غالبا ما تكون لغة إثارة أكثر منها إقناعا وتستعمل في البرامج الحوارية لغة التهييج والاستنفار والشعارات البراقة والعبارات الإنشائية الخالية من الموضوعية، أما من حيث المضمون، فإن أغلب ما يسمّى بالبرامج الثقافية هو لقاءات مع ممثلين وممثلات ومغنيين ومغنيات وأحاديث عن إنجازاتهم، وهي برامج ممكن أن تصنف ضمن البرامج الترفيهية وليس الثقافية.

ولم تتجاوز نسبة البرامج الثقافية الواحد بالمئة من مجموع ساعات البث كما أن ثلث الفضائيات العربية لا توجد فيها برامج ثقافية على الإطلاق، وإن قدمت فينبغي ألا تتعارض مضامين البرامج الثقافية مع الأيديولوجية السياسية أو الدينية للجهة صاحبة القناة.

ويبدو أن إدارة التلفزيون العربي المصري حفزها موضوع شح البرامج الثقافية وشعرت بأن من واجبها كقنوات وطنية رسمية أن تقوم بدورها الثقافي، فتبنت مؤخرا بروتوكولا للتعاون بين وزارة الثقافة واتحاد الإذاعة والتلفزيون من المؤمل أن يكون أحد العوامل المهمة في إعادة الدور الريادي للتلفزيون المصري الرسمي في مجال البرامج الثقافية والتنويرية والمعرفية.

ويؤكد أستاذ الإعلام الدكتور حسين أمين ضرورة أن يستعيد التلفزيون دوره الريادي في البرامج الثقافية ويقترح اختيار برامج قديمة كانت ناجحة ومؤثرة بتطويرها وإعادة إنتاجها بصيغ وتقنيات عصرية.

إلا أن الدكتورة هويدا مصطفى، أستاذة الإعلام، ترى أن بث البرامج الثقافية ينبغي ألا يقتصر على القنوات المتخصصة في الثقافة وإنما يجب نشر البرامج الثقافية على جميع قنوات التلفزيون المصري كي تعم الفائدة وتصل إلى جميع الفئات المشاهدة وتساهم في الارتقاء بالذوق العام.

إن القنوات الثقافية المتخصصة لا يتوجه إليها إلا من يهتم حقا بالثقافة، والمشاهد العادي لا يذهب إليها بل وربما قد يتوجس منها فيتجنبها، ومن لا يأتي إلينا فلنذهب إليه وندخل إلى قنواته العامة التي يشاهدها فنحشر بين برامجها المألوفة برامج ثقافية جذابة متقنة الصنع ومفهومة وحسنة الترتيب مثيرة للاهتمام تجذب اهتمام المشاهد ويقبل عليها فتعم الفائدة بنشر الوعي الثقافي والمعرفي. وهذا من واجب الفضائيات الرسمية حتما لا القنوات الخاصة التي لها نهجها الخاص ومنهجها المرسوم بحسب أهدافها المادية والفكرية.

مخرج عراقي

18