البحث عن صديق

الأربعاء 2017/05/24

أيتها الصداقة: لولاك لكان المرء وحيدا، وبفضلك يستطيع المرء أن يضاعف نفسه وأن يحيا في نفوس الآخرين، ربما تختصر هذه الكلمات الواردة على لسان الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير، معاني اليوم العالمي للصداقة الذي يفترض أن تحتفل به الإنسانية غدا، بعد أن تم إقراره العام 2011 من قبل الأمم المتحدة بغاية جمع الناس ومد جسور التواصل بين مختلف الشعوب من مختلف الأجناس والأديان.

فالبشرية اليوم في أشد الحاجة إلى تكريس قيمة الصداقة، التي عمّت فقلّت، وانتشرت فندرت، حيث بات بإمكان الإنسان اليوم، أن يرتبط بصداقات افتراضية عابرة للحدود، مع أناس يكفي أن يصادفهم على مواقع الاجتماعية، ليفتح معهم أسفار علاقات تتجاوز الأعراق، ويضعهم في خانة الأصدقاء، كما يمكن أن يتلقى يوميا دعوات للصداقة من أشخاص لا يعرفهم فيفتح معهم أبواب الدردشة، فتتكون صداقات عادة ما تنسينا المعنى الحقيقي للصداقة الذي عبّر عنه أبوتمام بالقول “إن يختلف ماء الوداد فماؤنا/عذب تفجر من غمام واحد/أو يفترق نسب يؤلف بيننا/أدب أقمناه مقام الوالد”.

إن اتساع دائرة القدرة على ربط الصداقات الافتراضية، جعلنا نقلّص من حجم صداقاتنا الحقيقية الواقعية، تلك التي يشترك فيها العقل والقلب والضمير، بحسب جبران خليل جبران، أو التي فسرها ميخائيل نعيمة بأنه “متى أصبح صديقك بمنزلة نفسك فقل عرفت الصداقة” حتى أن أرسطو عندما سئل عن الصديق قال “إنسان هو أنت.. إلا أنه بالشخص غيرك”.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الصداقة، هو التصدّع بسبب الأيديولوجيا والسياسة والمصالح التي طغت على حياة البشر، ثم بسبب الإهمال والتجاهل والتخلّي بدعوى ضيق الوقت واختلاف الظروف وزحمة المشاغل في ظل زمن السرعة التي بتنا نقضي أغلبه ساهمين أمام وسائل الاتصال الحديثة من تليفزيون وإنترنت وهواتف ذكية، باحثين عن علاقات بعيدة، قد تكون مجدية إنسانيا، ولكنها مدمّرة للمحيط الاجتماعي القريب، ولدائرة الأصدقاء المقرّبين، الذين يفترض أنهم السند والمدد والنجدة والدعم وقت الحاجة والصفاء والوفاء والدليل والخليل في كل الأوقات.

وقديما قال روح بن زنباع عن الصديق “إنه لفظ بلا معنى”. وعلّق على هذا التعريف أبوحيان التوحيدي “أي هو شيء عزيز، وكأنه ليس بموجود”، وعندما سئل أبوحيان عن أطول الناس سفرا، قال: هو الباحث عن صديق، غير أن التعريف الأعمق ما جاء على لسان علي بن أبي طالب “صديقك من صَدَقَك لا من صدَّقك”، فالصديق هو الصادق معك، وهو الذي يقوّمك عندما تخطئ، وينبهك إلى مواقع الزلل في طريق أنت سالكها، لا ذلك الذي يصفق لضلالك، خوفا من انفعالك، فإن تجاذبتك المهالك، تركك في حالك،غير معنيّ بمآلك.

24