البحث عن فضيحة

الأحد 2016/10/23

منذ أقل من شهر عرفت الكرة الإنكليزية فضيحة مدوية ومكتملة الأركان، فضيحة كادت تؤثر على استقرار المنتخب الإنكليزي بعد الكشف عن تورط المدرب السابق لهذا المنتخب سام ألاردايس في قضية فساد مالي عصفت به وجعلته يقدم استقالته مكرها من تدريب منتخب “الأسود الثلاثة”.

السبب في ذلك تمثل في تحقيقات سرية أجرتها صحيفة “ديلي تليغراف” البريطانية أثبتت تورط ألاردايس في الحصول على أموال بطرق غير مشروعة، الأمر الذي كلفه خروجا مهينا ومخزيا من الباب الخلفي بعد إثبات تورطه في هذه الفضيحة.

كل هذه المقدمة واستعراض ما حصل للمدرب السابق للمنتخب الإنكليزي هو بالأصل حديث وتأكيد لمدى تأثير وسائل الإعلام البريطانية في بلورة المشهد الكروي في موطن كرة القدم الحديثة، وفي المحصلة يمكن القول إنه لا صوت يعلو فوق صوت الإعلام في هذا البلد.

مشهد يبدو للوهلة الأولى رائعا ومبهرا ومدهشا لمنافسات الدوري الإنكليزي الممتاز، والكل ينجذب صوب أغلب مباريات هذا الدوري نظرا لما يضمّه من نجوم سواء كانوا لاعبين أو مدربين، بل إن البعض يؤكد في كل مناسبة أن الدوري الممتاز في إنكلترا هو الأقوى والأفضل والأكثر إثارة، إذ لا يمكن البتة التكهن بمعرفة الفريق المتوّج في نهاية المطاف باللقب.

في المقابل، هناك وجه خفيّ في هذا المشهد الجميل والمثير للكرة الإنكليزية، وجه “قبيح” في أغلب الأحيان، لكن تخفيه “عمليات التجميل” التي تزيّن دائما واقع هذه الكرة، رغم كثرة كبواتها وعثراتها وزلاتها.

هذا الوجه الخفي هو في الأصل من صنع وسائل الإعلام البريطانية التي تعلّمت أغلب مدارسها منذ القدم أن “البحث عن فضيحة” هو أصل النجاح وأساس التفوق، حتى وإن كان ذلك على حساب الحياة الشخصية.

مبدأ واضح سار عليه العديد من الصحف الإنكليزية المعروفة منذ سنوات طويلة، فلم يقتصر الأمر على كبار نجوم السياسة والثقافة والفن، بل شمل بدرجة أولى وأساسية عالم الرياضة وخاصة كرة القدم الذي كان ولا يزال ميدانا ثريا وأرضا خصبة لحصد الفضائح والقضايا المثيرة.

العديد من الأحداث والكثير من الحالات كشفت هذا التعاطي الإعلامي “الفضائحي” مع أخبار نجوم اللعبة الشعبية الأولى في إنكلترا، وقد لا يكفي المجال لاستعراضها جميعا، لكن تُمكن العودة سنوات قليلة إلى الوراء للوقوف على بعض هذه الأحداث التي أدخلت “بلبلة” كبيرة وسط الكرة الإنكليزية.

ففي سنة 2010 ومباشرة بعد انتهاء مونديال جنوب أفريقيا، لم تتورع الصحافة المحلية في الكشف عن سلسلة من الفضائح الجنسية كان أبطالها عدد من نجوم المنتخب الإنكليزي مثل واين روني وجون تيري وأشلي كول وبيتر كراوش، والأكثر أن وسائل الإعلام أمعنت في كشف ملابسات تجاوزات هؤلاء اللاعبين بالصورة وأحيانا بالصوت، فالبحث عن الفضيحة يتوجّب وفق هذا القانون رصد كل تحركات النجوم وسكناتهم، وقضاء الساعات الطوال والأيام إن لزم الأمر في فرض رقابة لصيقة من أجل الظفر بسبق صحافي وخبر مثير.

وكادت وسائل الإعلام في العديد من الأحيان تتسبب في اعتزال بعض اللاعبين بعد أن خلقت لهم مشاكل لا حصر لها مع أنديتهم، بيد أن بعض العقلاء كانوا في كل مرة يؤكدون أن الحياة الشخصية لكل لاعب “متورط” هي ملك له ولا يجب ربطها دوما بمستواه فوق الميدان.

“البحث عن فضيحة” لدى بعض وسائل الإعلام البريطانية لا يقتصر على الفضائح المالية أو الجنسية فحسب، بل امتد الأمر للبحث في “إشعال فتيل” الخلاف بين عدة أطراف وخاصة المدربين، ونتذكر جميعا أنه عند قدوم المدرب البرتغالي خوزيه مورينهو لتشيلسي بدأت الصحافة الإنكليزية في ترصد كل كلماته وتصريحاته، ولم يكن يهدأ لها بال إلاّ عندما تساهم بطريقة أو بأخرى في وضعه في صدام مع مدربين آخرين مثل السير أليكس فيرغسون مدرب مانشستر يونايتد سابقا أو أرسين فينغر مدرب أرسنال الحالي.

كان الهدف الأول والأساسي غالبا هو الإبقاء على جذوة نار الخلاف متقدة، ومهما طال الزمان، فإن وسائل الإعلام الإنكليزية كانت دائما تحرص على النفخ في بقايا أيّ رماد يخلّفه تصريح من هذا الطرف أو ذاك، وبات تأثير وسائل الإعلام أحيانا أقوى من تأثير النتائج الرياضية، فالصحف تنجح غالبا في تحديد مصير فريق أو مدرّب أو لاعب.

ولعل ما حصل مع روني منذ فترة يؤكد هذا التوجه، فروني تعرض لحملة صحافية “شعواء” بسبب تدني مستواه، الأمر الذي دفع بالمدرب المؤقت للمنتخب الإنكليزي إلى التخلي عن خدماته في المباراة الأخيرة ضمن تصفيات كأس العالم. واليوم بدت وكأنها أشرس المدافعين عن اللاعب الفرنسي بول بوغبا بعد تحسن مستواه مع مانشستر يونايتد، فمنذ أيام قليلة كان “رأس″ النجم السابق لليوفي الإيطالي “تحت المقصلة الإعلامية”، لكن بقدرة قادر غيّرت وسائل الإعلام موقفها كليا وبات بوغبا أحد أهم ركائز الفريق.

صحيح أن هذا التعامل الإعلامي مع عالم كروي مثير ومتقلب تحكمه النجومية أحيانا والأموال في أحيان أخرى، ليس صناعة إنكليزية منفردة، وأغلب وسائل الإعلام في شتى أصقاع الأرض تتعامل به، إلاّ أن ما يجعل تأثير وسائل الإعلام البريطانية أكثر قوة وتأثيرا هو أنها لا تبحث دوما عن الحلول وأساليب العلاج لتخطي كل المشاكل والفضائح، بل إن خبرتها لعقود طويلة للغاية في التعاطي “الشعبوي والفضائحي” مع كل الأحداث جعلها تتميز عن بقية المدارس في العالم، وبوّأها مكانة متقدمة منحتها القدرة على التحكم في مصير الكرة الإنكليزية.

كاتب صحافي تونسي

23