البحث عن قارئ

كما هو حال قارئ الشعر أصبح لكل منهج من هذه المناهج قارئها الخاص، الذي يجد في هذا المنهج أو ذلك ضالته، في فهم النص واكتشاف عناصر الجمال والقوة فيه.
الاثنين 2018/09/03
لوحة: صفوان داحول

الحديث عن غموض الشعر الحديث وما نجم عنه من تراجع في مستويات القراءة، لم يرافقه حديث عن صعوبة تلقي النقد الحديث بعد الفورة التي شهدها هذا النقد، منذ ستينيات القرن الماضي، لاسيما بعد ظهور مناهج البنيوية والتفكيك، في سياق التحولات التي نجمت عن العلاقة بين النقد والعلوم الاجتماعية والسياسة وعلم النفس والأنثربولوجيا والفلسفة.

هذا التطور الذي بلغته هذه النظريات جعل أغلب المشتغلين بها من فئة الأكاديميين، ولذلك تزداد إشكالية القراءة مع هذا النقد بسبب صرامته المنهجية والتزام نقاده بحرفيته، في حين أن تلقي النقد الآخر على الرغم من مرونته المنهجية، يظل يصطدم بإشكالية المصطلح والمرجعيات الفكرية، التي يحيل عليها. إن هذا التطور في علاقة النقد بالفلسفة والعلوم استدعت وجود قارئ نخبوي أو على معرفة جيدة بهذه المناهج، لكي يستوعب مفاهيمها، وأساليبها الإجرائية في تحليل وقراءة النصوص الأدبية.

لقد فرض هذا التطور المستمر للنظريات النقدية قارئا نخبويا، على غرار ما فرضه تطور الشعر الحديث، حيث تتقاطع التجربتان على صعيد اللغة، التي أصبحت تحتاج إلى قارئ خاص، خاصة بعد أن انتقل النقد من السؤال عن ما يقوله النص، إلى السؤال عن الطريقة التي يقول بها ذلك.

إن هذا التغيّر المضطرد في لغة النقد وعلاقته بالنص قد انعكس سلبا على عملية تلقيه، ويمكن أن نلحظ ذلك في محدودية عدد قراء هذا النقد نظريا وتطبيقيا، من خارج الحقل الأكاديمي والكتّاب المعنيين بهذه الدراسات. لذلك كان طبيعيا أن تتحول الممارسة النقدية إلى اختصاص حتى على صعيد هذه المناهج نظرا إلى كثرتها وتعدد تياراتها.

إن هذا التطور لم يقتصر أثره على عملية تلقي النقد وحسب، بل تجاوزه إلى مشكلة قراءة النص الأدبي نفسه في ضوء تعدد مرجعياته التي ينطلق منها في مقاربة النص. وهكذا لم تعد هناك قراءة واحدة، بل قراءات كثيرة، استدعت وجود قرّاء كثيرين وفقا لاختيارات الناقد أو الكاتب والمهتم بالدراسات النقدية.

وكما هو حال قارئ الشعر أصبح لكل منهج من هذه المناهج قارئها الخاص، الذي يجد في هذا المنهج أو ذلك ضالته، في فهم النص واكتشاف عناصر الجمال والقوة فيه. لكن الغريب أن هذا التعدد والتنوع في المناهج النقدية قد لبى حاجة قارئ النقد المتنوع، لكنه لم يستطع أن يحسم قضية النص، وكيفية تشكله إضافة إلى قيمته الجمالية، لا لأن النص ذو بنية مخاتلة تمنع ذلك، بل لأن زوايا الرؤية المنهجية إلى النص وتشريحه تختلف من منهج إلى آخر.

15