البحث عن كوكب

الوحشية لا تقتصر على شعوب مُتخلّفة. في الواقع، فإن “الشعوب المتقدمة”، أكثر قسوة وهمجية وهي تستخدم وسائل إبادة لا سبيل لمقارنتها بحروب السيف.
السبت 2019/10/26
نحن بحاجة إلى أن نسبر غور الإنسان

مشاغل العلماء في سبر أغوار الكون تثير الإعجاب. وبمقدار ما يتعلق الأمر بالمعرفة، فإن جهودهم لإزاحة الحواجز وتوسيع الأفق، تثير الدهشة أيضا.

يجب الاعتراف بأن العلم من أجل العلم، هو واحد من قلائل الخيارات التي يجدر الأخذ بها من أجل نفسها، لا من أجل غاية أخرى تليها. إذ ليس كل ما نعرفه جدير بالتوظيف. وليس كل كوكب نكتشفه يمكن الذهاب إليه.

جائزة نوبل للفيزياء هذا العام ذهبت إلى العالمين السويسريين ميشيل مايور وديدييه كيلوز، لأنهما اكتشفا كوكبا خارج المجموعة الشمسية، من دون أن يكون بوسعنا الوصول إليه.

البحث عن مياه أو حياة في كواكب بعيدة، هو بحث لا وظيفة له. ليس لأنها تبعد عن الأرض بمسافات تتجاوز عمر الإنسان ولكن لأنها تكاد لا تعني شيئا أكثر من المعرفة بذاتها. إنها تنطوي على أهمية حيوية، فقط لأنها تتيح للعلم أن يطور وسائله هو نفسه. شيء يشبه أن يتأمل الإنسان في نفسه، فيستخرج وسائل إضافية ليزيد معرفته بنفسه.

العثور على مياه في كواكب أخرى قد يعني العثور على أوجه مختلفة للحياة، كائنات غريبة ربما، أو قراءة أخرى لتاريخ النشوء، تساهم في رسم صورة أوضح للكون الذي نعيش فيه.

ولكن ماذا بعد؟

نحن بحاجة إلى أن نعرف هذا الكوكب: الأرض. وأن نسبر غور هذا الإنسان، قبل البحث عن كائنات أخرى قد لا نعثر عليها، وقد لا تكون موجودة أصلا.

الكون شاسع، إلى حد مُعجز. والإنسان مقيد بعمره. والنهايتان لا يمكن وصلهما مهما بلغ العلم علما.

الحقيقة الأكثر جلاء، هي أن تقدم الإنسان العلمي والمعرفي لم يغير الكثير من طبيعته الأولى. نحن ما نزال نرتكب جرائم. والأخلاقيات الإنسانية لم تحقق تقدما يوازي ما تحقق من تقدم علمي. وما تزال صراعات المصالح تجيز لشعوب أن تضطهد شعوبا أخرى، أو تستولي على مقدراتها. وبينما يكشف بعض البشر عن طبائع همجية، فإنها تجيز التساؤل عما إذا كان الإنسان حقق أي تقدم بالفعل.

والوحشية لا تقتصر على شعوب مُتخلّفة. في الواقع، فإن “الشعوب المتقدمة”، أكثر قسوة وهمجية وهي تستخدم وسائل إبادة لا سبيل لمقارنتها بحروب السيف.

لقد ساهم الأدب، وليس العلم، في رفع المستوى الأخلاقي للإنسان. هو ما جعله إنسانا أكثر، ووفر له الفرصة لكي يسبر أغوار كونه الخاص.

نحن نعرف الكثير عن مهاوي النفس البشرية ومرتقياتها من خلال الأدب. وأكاد أجزم أنه ما من إنسان وجد نفسه غارقا بالأدب، إلا ونجح في أن يعيد تكوين نفسه على صورة أفضل. وربّما أهم من كل شيء، أن يكتشف العالم، وأن يعيد اكتشافه، ليتوصل إلى حقائق ليست أقل أهمية من أي حقائق علمية أخرى.

مع ذلك، فما نزال على بُعد سنوات ضوئية مديدة عن اكتشاف الإنسان الذي نتشكل منه. والأرض ما تزال كوكبا مجهولا.

العلم سوف يساعدنا على أن نعرف الكثير عن طبيعة الإنسان البيولوجية، إلا أنه لن يساعدنا في معرفة كل شيء. ولئن انتهى الأدب إلى أن يبدو مصدرا موازيا للمعرفة، فإنهما معا لم يبلغا بالإنسان ما يحتاجه من نضج.

المعرفة تبدو عاجزة في بعض الأحيان عن أن تؤدي غايتها. ولكن، ليس لأنها لا تمتلك ما يكفي من وسائل الكشف، بل لأنها لا تدفع، بما تستحصله من معارف، إلى تحقيق ما يتعين تحقيقه. وبعض التوظيف يظل ضروريا لكي نشعر بالفائدة مما نملكه من معرفة.

ثمة ما يتعين أن نقبل الاستسلام له. هو أن أبعد كوكب عن الأرض ما يزال هو الأرض نفسها، وأن أجدر الكائنات التي يحسن البحث عنها هو الإنسان نفسه.

8