البحث عن مشروع ثقافي قومي لمواجهة العنف في مصر

تشهد الحياة الثقافية المصرية نقاشا قلقا بشأن مستقبل مصر الثقافي ومستقبل علاقة الثقافة بالمجتمع ودور الثقافة في تطوير وعي حقيقي بالأحداث الكبرى وبالمخاطر التي تتعرض لها مصر. ومع زيادة الانتقادات لوزارة الثقافة التي لم تحقق المردود المأمول في مواجهة الجماعات المتطرفة والتصدي للعنف ونشر التنوير وتجديد الخطاب الديني، تكرس الوزارة جهودها للدعوة إلى مشروع ثقافي قومي لمواجهة الإرهاب بمصر خلال 2018.
الجمعة 2018/01/05
دعم ثقافة الطفل أول الحلول

القاهرة- يبدو أن وزارة الثقافة في مصر تستشعر، اليوم، أكثر فأكثر حرجا من غيابها عن التأثير في المشهد العام، وضعف حضورها على الأرض، على إثر تشكيل “المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف” بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي، من دون أن يكون لوزارة الثقافة ووزيرها حلمي النمنم حضور فيه.

تسعى الثقافة، ممثلة بمؤسساتها المختلفة، مثل “صندوق التنمية الثقافية” و”الهيئة العامة لقصور الثقافة” و”المجلس الأعلى للثقافة” إلى تدارك هذه العزلة بطرح مشروعها القومي الجديد لمواجهة العنف والإرهاب عبر آليات ثقافية مبتكرة، لكن الطرح لا يزال مجرد بذرة قيد الغرس بحاجة للمزيد من الجهود، لأن الوزارة تراجع دورها في الأعوام الماضية، وبدت سببا للتطرف بدلا من أن تكون في مقدمة من يواجهونه.

يأخذ البعض من المثقفين على الوزير حلمي النمنم عدم قدرته على مواجهة التحديات بصورة عصرية، تتناسب مع طبيعة المعركة التي تخوضها أجهزة الدولة ضد المتطرفين وفلولهم في مجالات مختلفة.

ولا تزال النخبة في مصر ترى أن وزارة الثقافة يجب أن تكون القاطرة لاستعادة بريق القوة الناعمة المصرية، ومكافحة الأفكار المتطرفة، عبر الاستفادة من إمكانياتها الكبيرة.

القوى الناعمة عجزت عن تحقيق الأهداف المطلوبة على مستوى محاصرة الجماعات الظلامية فكريا وتجديد الخطاب دينيا

غياب عن المشهد

انتهى العام الماضي بنتائج مخيبة للآمال، وخرجت وزارة الثقافة وممثلوها الحاليون من تشكيل “المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف”، الذي تأسس في يوليو 2017 بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتضمن المجلس وزيرا أسبق للثقافة هو الدكتور محمد صابر عرب.

يهدف المجلس إلى حشد الطاقات المؤسسية والمجتمعية للحد من مسببات الإرهاب ومعالجة آثاره، ولم تندرج وزارة الثقافة ضمن التكليفات التي حملها “المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف” على عاتقه رسميّا، لإقرار استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف داخليّا وخارجيّا، وتمكين الخطاب الديني الوسطي المعتدل ونشر مفاهيم الدين الصحيح بالمجتمع في مواجهة خطاب التشدد بكافة صوره، على الرغم من أن تلك التكليفات ذات بعد ثقافي واضح.

وأرجع البعض ذلك الإقصاء الرسمي لوزارة الثقافة من “القومي لمكافحة الإرهاب” إلى أسباب تتعلق بأداء الوزارة، واقتصار جهود وزيرها على الجوانب الشكلية والكرنفالية وافتتاح المهرجانات والحفلات، من دون إبداء الاستعداد لإقامة فعاليات جادة ملموسة التأثير في ما يحدث من باب نشر الوعي المجتمعي والثقافي في مخاطر التطرف والتشدد الديني.

على أن وزارة الثقافة، رغم هذا الإقصاء، سعت على نحو فردي إلى الإدلاء بدلوها في هذا المضمار، فأقامت مؤسساتها المختلفة سلسلة من الندوات والنشاطات بهدف تجديد الخطاب الديني، ومقاومة العنف والإرهاب، ولم تحقق هذه الفعاليات بدورها الآمال المنشودة، وازداد الهجوم على الوزارة من منتقديها، منتهيا بتوقيع قرابة 350 مثقفا على بيان يطالب بإقالة الوزير حلمي النمنم من منصبه.

ومن بين تلك الجهود الفردية التي اضطلعت بها وزارة الثقافة لتعويض غيابها، سلسلة مؤتمرات وندوات “تجديد الخطاب الديني”، التي جاءت بمثابة كليشيهات خطابية، لا تتقصى سبل وآليات تفعيل هذا الخطاب إلى أداء حواري بين الأطراف المتناحرة، ولا تكترث بممارسات تفاعلية على أرض الواقع، يمكنها أن تأتي بالنتائج الملموسة في تقريب وجهات النظر، ودرء العنف، ونشر ثقافة التسامح وفلسفة الاعتراف بالآخر، وغيرها من الأهداف على سبيل محاصرة الإرهاب والقضاء على أسبابه.

اتسمت الكرنفالات الوزارية في هذا الإطار بالنخبوية والجفاف وضعف التأثير، فانصرف عنها الجمهور، كما أنها أهملت جانبا ثريّا، هو الجدل الحواري أو الحوار الجدلي مع المتشددين أنفسهم، ومع المنتمين للتيارات الدينية المعتدلة، وكان من الممكن أن تثمر مثل هذه المناقشات في الوصول إلى توافقات عملية لبلوغ التجديد الديني تطبيقيّا وعدم الاكتفاء بالتنظير والمحاضرات الصماء.

المجلس يهدف إلى حشد الطاقات المؤسسية والمجتمعية للحد من مسببات الإرهاب ومعالجة آثاره، ولم تندرج وزارة الثقافة ضمن التكليفات التي حملها “المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف” على عاتقه رسميّا

كمثال على تلك الفعاليات، “مؤتمر أدباء مصر”، الذي نظمته “الهيئة العامة لقصور الثقافة” وانعقد بشرم الشيخ في ديسمبر الماضي، واكتفى في بيانه الختامي بإطلاق عدد من التوصيات، بعضها يتعلق بمكافحة الإرهاب. ولم يفصح المؤتمر عن طبيعة وآلية تشكيل وعمل تلك السلطة، مكتفيا بالإعلان عن وقوف “كتائب من المبدعين والمثقفين” في خندق واحد ضد كل أشكال وأنواع الإرهاب الغادر الذي يستهدف الوطن وترابط مواطنيه باعتبارهم هم القوى المسلحة الفكرية لمصر.

تدارك العزلة

ما الذي تطمح إليه وزارة الثقافة؟ الأيام القليلة الماضية أجابت عن هذا التساؤل بأن ثمة دعوات جديدة تتشكل نواتها داخل أروقة مؤسسات وهيئات الوزارة، لبلورة مشروع ثقافي قومي لمكافحة الإرهاب، ومحاولة تدارك ما أصاب الثقافة من انعزال.

بذرة هذا المشروع القومي يمكن التقاطها من نثارات عدد من التصريحات التي تداولها رؤساء المؤسسات الثقافية، فمن جهته أفصح فتحي عبدالوهاب رئيس “صندوق التنمية الثقافية” عن التهيؤ لإطلاق مشروعات جديدة.

وأشار إلى رغبته في تجاوز بيروقراطية العمل الحكومي، ونشر الأفكار الإيجابية والوعي الثقافي وتحقيق التغيير من خلال مشروع ثقافي قومي لمحاربة الإرهاب، وذلك عبر استراتيجية ثقافية طويلة المدى. كما ذكر محمد عفيفي الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة والقريب من دوائر الوزارة، أن هناك تخطيطا وشيكا لتأسيس مشروع قومي للثقافة، يلتقي خلاله المثقفون وأطراف القوى الناعمة من أجل مكافحة الإرهاب ونشر التنوير وشرح صحيح الدين لجموع الشعب.

وقال حاتم ربيع أمين عام المجلس الأعلى للثقافة صراحة إن أولويات عمل المجلس في المرحلة المقبلة تأخذ في اعتبارها مشروع مناهضة الإرهاب فكريّا وثقافيّا بآليات جديدة، تراعي تنمية الوعي لدى الشباب، ودعم ثقافة الطفل، وتبني مبادرات مبتكرة من قبيل “القوافل الثقافية” و”البراعم أمل الوطن” وغيرهما، لمخاطبة الناشئة، والوصول إلى الجماهير في الأقاليم والأطراف.

لكن نتائج السنوات الماضية أثبتت أن المسؤولين عن الثقافة مغرمون بإطلاق الوعود، للإيحاء بأن الوزارة موجودة وفاعلة، في محاولة استقطاب المثقفين لتهدئتهم والوقوف في صفها، لا غير.

14