البحث عن منتصر في سوريا

الجمعة 2014/11/28

ليست الحرب في سوريا، بما وصلتْ إليه، نقاشاً بين مُتحاوريْن في ندوة، لهما وجهتا نظر مختلفتان، ينتظر الجمهورُ تقاطع أفكارهما للوصول إلى نتيجة في نهاية الحوار، فالثورات عبر تاريخها، السوريَّة إحداها، قدَّمت نفسها بديلاً لأسباب اجتماعيّة وفكرية، وسياسية وبصفتها حمَّالة قيم، ومبشّرة بخِصب كبير لمجتمعاتها، تريد تخليصها من حالة فاسدة غير مناسبة.

في التفكير العقلاني، ثمة مقدمات تفضي إلى نتائج، أما في التفكير الثوري، فغالباً، يكون الفعل خارجاً عن مفاهيم الواقع السائدة، وإلا ما الذي يدفع عُراة الصدر إلى مواجهة طائرة أو دبابة، إنه فعل غير عقلاني بمفهوم القوة الفيزيولوجية، لكنه بالقاموس الثوري فعل إرواء لعطش الحرية تقوم به مجموعة في وجه سلطة موجودة، تريد أن تحقق النصر لكي توصِل مجتمعها إلى حالة أكثر صحة بعد تراكم الخلل، مكتفية في بعض الحالات بتصحيح خطأ النظام السابق، مع المحافظة على أساسيات الدولة، فالتغيير المأمول يكمن أولاً في التخلص من الأفراد الذين يديرون حكماً، قد يقتصر على فرد رمز (ديكتاتور) أحياناً، ثم يأتي التغيير الشامل، طويل الأجل، تالياً لتغيير أنظمة الحكم، قد يمسّ في بعض تمثلاته هيكلية الدولة وخياراتها الاستراتيجية في اختيار نظام محدد من أنظمة الحكم المتعارف عليها عالمياً، أما في حالة الثورة السورية، فيبدو أن التغيير يحدث معظمه قبل وجود حلّ نهائي.

ودفع تغيّر أدوات الصراع أطرافه إلى البحث عن استراتيجيات بديلة غيرَ مرة، والاعتماد على مناصرين جدد أو قدامى يقدمون المساعدة، ويبدو أنه كلما طال أمد تأخر المنتصر يكبر حجم أولئك المناصرين، وتتولَّد لديهم أجندات جديدة، مما جعل الساحة السورية اليوم، بوضوح شديد، معركة مصالح عالمية وإقليمية ومحلية، تترك لمساتها في كل التفاصيل.

كثيرٌ من السوريين، على اختلاف فِرقهم، يعتقدون أنهم خاضوا ثورتهم، أو دفاعهم عن نظامهم نتيجة قناعات، فكلُّ فريق منهم يتبنَّى رؤية يحسبُ أنها الأصوب، يستمدّها من الأيديولوجيا أو الدين أو المنفعة أو الاعتبارات التاريخية والجغرافية. لذلك ينتظر جمهور كل فريق بطله المنتصر، الذي يحقق له مآربه، يقتصُّ له أو ينتقم، يعوِّضه عن فقده أقاربه، أو بيته أو عمله. لكن يبدو أن المشهد السوري اليوم أقربَ أكثر من أي وقت مضى، إلى فقدان فرصة وجود مُنتصرٍ بَطل، يلملمُ الجراح. فالمنتصر، أيا كان، ربما لن يأتي على حصان أبيض ليحقق الأحلام، غالبا، سيصل على حصان متعثر، متأخرا، منهكا.

وتأتي المبادرات المطروحة اليوم، على قاعدة صعوبة وجود بطل منتصر، وتحاول قراءة المستقبل المتاح، وهو غير المستقبل المأمول لأيّ فريق من المتناحرين، بل تحاول استباقه أحياناً، وهذا واردٌ في مفهوم العمل السياسي التفاوضي، لكن ثمة من هم على الأرض يرفضون هذه المبادرات، ليس لأنّهم لا يريدون السلام، أو يرغبون في تأجيل النهاية، فقد أُنهكوا هم كذلك، بل لأنَّ ما يجدونه اليوم هو غير ما خرجوا لأجله، وحين يتأمّلون كمّ الخسائر، التي أصابتهم يجدون أنها لا تتناسب مطلقاً مع المبادرات المطروحة، فالقمح الذي زرعوه وسقوه ليس من السهولة أن يقبلوا تحوّله إلى زيوان.

وعلى العكس منهم، كثيرٌ من اللاعبين الإقليميين، والعالميين يتابعون حدثاً بالنسبة إلى كثير منهم، أقرب إلى مباراة كرة القدم في أرضٍ سورية، يتابعونه من موقع الحَكم تارة، ومن موقع الجمهور تارة أخرى، دون أن يدفعوا ثمناً، باستثناء بطاقة الحضور والهتاف، يشجّعون الفريقين، بحماس شديد، وبعد أن كانوا يؤكدون، عبر تصريحاتهم اليومية، أنه لن يُسمح سوى لفريق واحد بالفوز بكأس الانتصار، صاروا اليوم يسرّبون إلى فريقهم فكرة أن الدور النهائي في مفهوم المباريات، وكأس العالم على الأقل، التي تقام كل أربع سنوات، لابدّ فيه من فرق أربعة تلعب على مراكز عدة.

كلُّ عقد من الزمان، كما يرى متابعون يفضّلون البحث في أعماق الأحداث، لابدَّ من استيلاد جغرافيا عالمية للمتطرّفين يفرّغون فيها طاقاتهم الفائضة عن أيديولوجياتهم، كذلك لابدّ لمعامل الأسلحة أنْ تعمل، فثمة الكثير من العمال يعملون فيها، ويحتاج كذلك الارتفاع المريب في أسعار النفط هزّة ثقة كي لا يتوهم النفط أو مالكوه أو مواطنوه أنهم الأهم عالمياً.

ربما، كان من سوء حظ طلاب الحرية السوريين أن الملعب الجغرافي العالمي للصراع، هذه المرة، استضافته أرضهم، كان يمكن أن يؤخِّروا ولادته، أو يتم نقله نحو جغرافيا أخرى، لو أنَّهم قبلوا بنصف مطالبهم، غيرَ أنّ ذلك يصعُب تحقيقه، فإنْ كان العمل السياسي فنَّ الممكن، فإنّ الثورة غالباً فنٌّ حالم رومانسيّ، يقف إلى جانبها، تاريخياً، كثير من الكتَّاب والفنانين يتبنّون طروحاتها، ويستعجلون انتصاراتها ليغنّوا لها في الساحات، ويصعد غير الموهوبين منهم كذلك على أكتافها، وفي الوقت نفسه، ثمة فريق آخر منهم كسرتْه الثورات، التي تؤجل انتصاراتها، أو تحقق نصف أهدافها، فيُصابون باليأس، وقد يصل بعضهم إلى الانتحار. والأنظمة؛ كذلك، وصنَّاعها والمستفيدون منها، بنتْ استثماراتها على الأبديّة وتدجين الجماهير، بحيث أنها من الصعب أن تقبل بنصف الكعكة، وقد اعتادت على التهامها كلها.

وتكشف مراقبة المزاج العالمي في هذه المرحلة من عمر الثورة السورية، أنه فعلياً قد تمَّ الانتقال من مرحلة تحقيق الأحلام لكل الأطراف، إلى مرحلة تثبيت الأمر الواقع، ومن الاقتلاع نحو التغيير، ومن الانتصار إلى تجميد الوضع على ما هو عليه، ومن عودة اللاجئين إلى إدماجهم في المجتمعات الجديدة، فهم يعيشون في دول لها كياناتُها وأنظمتها المستقرة، ربما البقاء فيها أفضل من العودة إلى دولة باتت تحكمها أربعة تيارات على الأقل، لكل منها مناهجُه الدراسية وأعلامُه وقوانينُه وجغرافيتُه هي: داعش والنظام والجيش الحر والإدارة الكردية، وفي الوقت نفسه لكلٍّ منها داعمون إقليميون ودوليون يرعون مصالحها، سرّاً وعلانيّة، ويتحمس بعضهم لفكرة، ربما تكون سوريا مخاضاً لإحيائها، الدولة اللامركزية، متأسّين بتجربة يوغوسلافيا السابقة، وعينُهم كذلك على التجربة العراقية المجاورة، رغم عدم الإقرار بها رسمياً، وبناءً على هذه المعطيات؛ فإنَّ البحث عن مُنتصر في سوريا، بالمفهوم الواقعي للقوّة، صار يشبُه البحث عن إبرة في أرض رمليّة، ثمة من يبحث عنها، وثمة من يركض ليمحو الأثر.


كاتب وأكاديمي سوري مقيم في هولندا

8