البحث عن وجه إسلامي جديد

الاثنين 2015/06/08

الأزمة القاسية التي تعرضت لها (ولا تزال) جماعة الإخوان المسلمين، بعد ثبوت فشلها في دول عربية كثيرة، وضعت بعض الدول الغربية في موقف صعب، حيث فرضت البحث عن بديل للجماعة التي فقدت دورها، فلا استطاعت أن تقفز للسلطة في عدد من البلدان العربية، ولا نجحت في استقطاب واحتواء التيارات الإسلامية المتشددة، وربما العكس يكاد يكون صحيحا.

عندما فكرت بريطانيا، ثم دول أوروبية عدة، في دعم ظهور جماعة الإخوان، في النصف الأول من القرن الماضي، كان الهدف الرئيسي وقف المد العروبي، وتغيرت أهداف الدعم الإستراتيجي بتغير كل مرحلة وأولوياتها، فقد كانت الجماعة وسيلة للتنغيص على بعض الحكام، وأداة لتحقيق أغراض معينة، إلى أن استقر المقام على أنها بوتقة يمكن أن تنصهر فيها جماعات متطرفة، ومدخل مناسب لتفتيت وتقسيم المنطقة.

تحت هذه النوعية من اللافتات جرت في النهر مياه كثيرة، من بينها منح الجماعة مساحة للحركة في دول غربية مختلفة، وفتح الكثير من الأبواب السياسية والاقتصادية أمامها حتى تضخمت قدراتها الذاتية، وأصبحت رمزا التفّت حوله جماعات إسلامية متعددة، كان من الممكن أن تتحول إلى قنابل موقوتة في الغرب، إذا لم تنضو تحت يافطة الإخوان، الأمر الذي مثل ارتياحا، باعتبار أن الجماعة أنقذت دولا أوروبية متعددة، من فئة كانت على استعداد لتبني أفكار متشددة.

مع ذلك هناك من تسرب، ولم يقتنع بأفكار الإخوان، ولجأ إلى تبني رؤى متطرفة، وهذا القطاع أضحى يمثل تحديا كبيرا، لذلك جرى التمادي في تشجيع الإخوان أملا في أن تستوعب الجماعة هؤلاء تحت جناحيها، والتي ساد اعتقاد أنها “معتدلة”، لكن المفاجأة تمثلت في جانبين، الأول فشل الجماعة في دورها المرسوم لها في مصر، وتعرضها لخبطات أفقدتها المصداقية، وحتى محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه سياسيا أخفقت في أن تعيد الاعتبار إليها، ولم يفلح الضجيج الذي حدث في أماكن متفرقة في انتشالها من الغرق، ودخلت مرحلة الموت الإكلينيكي.

الجانب الثاني، الذي فاقم الموقف أمام الغرب، يتعلق بتصاعد دور التيار الإسلامي المتشدد، الذي جاءت على قمته داعش، وبدلا من أن يستوعب الإخوان “الدواعش” بدا العكس قاب قوسين أو أدنى من الحدوث، وتزايدت الهواجس الغربية، عقب وصول تيار التطرف لقلب أوروبا، ونجاحه في استيعاب أعداد ليست قليلة من البسطاء والمهمشين، الذين كشفوا جانبا خطيرا من العورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية في المجتمع الأوروبي.

هنا أسقط في أيدي الكثير من القيادات والزعامات، فاستمرار الرهان على الإخوان يبدو “ضربا من الجنون”، فالسقوط السياسي الذي واجهته الجماعة يصعب على أي جهة غربية إنقاذها منه، والإصرار يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التعقيدات مع دول عربية تقف موقفا مناهضا للإخوان، وللغرب مصالح معها، كما أن ترك الساحة نهبا لداعش وأخواتها، يهدد بمزيد من الأزمات.

بين هذا وذاك يمكن أن يتحول من كانوا في عداد المعتدلين، من وجهة نظر الغرب، إلى متشددين متوقعين، لذلك بدأت عملية البحث عن وجه إسلامي جديد، يحل مكان الإخوان، ويقطع الطريق على استمرار نمو المتطرفين.

كان ما يسمى بتيار “السلفية الشكلية”، في دول مثل ألمانيا وبلجيكا والنمسا وبريطانيا وفرنسا خلال الفترة الماضية أكثر جاهزية للقيام بالدور، ووجد تشجيعا من قبل دوائر أوروبية، لأن غالبية أعضاء هذا الفريق، ممن يتمسكون بالشكل الإسلامي، كالاهتمام بالجلباب وطوله، واللحى ولونها ومقاسها، وحلق الشارب، ومكان وضع اليدين أثناء الصلاة، وما إلى ذلك من قضايا فرعية تخص الشكل، ولا علاقة لها بجوهر ومضمون الإسلام، وهذا ما يحتاجه الغرب، الذي تريد دوله الابتعاد عن المعنى الجهادي له بأي صورة، وتجنب المواجهة المباشرة مع أتباعه.

خطورة “السلفية الشكلية”، الذي تحدث معي عنها باستفاضة البروفيسور النمساوي روديجر هولكر، وهو خبير في شؤون الحركات الإسلامية، أنها يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى خطر حقيقي، حيث من المرجح أن ينقلب أصحابها إلى متطرفين يوجهون سهامهم ضد الغرب، عندما يتخلون عن شكل السلفية ويولون اهتماما كبيرا بمضمونها، كما أن هذا التيار غير منظم، وأكثر عشوائية وأقل انضباطا، ما يعني غياب وجود القيادة أو “الكاريزما” التي تملك مفاتيح السيطرة.

فشل الرهان على الإخوان، والإخفاق المحتمل للتعويل على السلفية الشكلية، فرض على بعض القيادات الغربية التفكير في البحث عن تيار إسلامي جديد، يجنبهم أخطاء الجماعة القاتلة، ويبعد شبح التطرف عن ساحاتهم، ويوفر لهم مخرجا للمأزق الحالي، الذي وضعوا فيه، بسبب جملة من التقديرات الخاطئة، جعلتهم في النهاية يواجهون موقفا غاية في الصعوبة، لأنهم مهددون بزحف قطاع كبير من المتطرفين على مجتمعاتهم التي يريدون لها النقاء وأن تظل بمنأى عن التشدد.

هناك اعتقاد كبير من خبراء الحركات الإسلامية أن الرهانات السابقة، على الإخوان ثم على السلفية الشكلية، لم تحقق ما أراده ممن وقفوا خلفها في الغرب، لأن أصحابها لديهم مشروعات سياسية مثيرة، تصطدم مباشرة بتيار عريض يرفضها بضراوة، بالتالي معرضة للفشل عندما يتكاتف ضدها أنصار التيارات المدنية المناهضة. كما أن جذورها العربية، جلبت معها مشكلات المنطقة العربية، الخاصة بصراعات السلطة والقبيلة والمذهب، وكانت التقسيمات القيادية تتم على أسس جغرافية، لذلك ظلت تطاردها أزمات أفقدتها قدرا كبيرا من الحيوية.

من هذه الزاوية بدأ التفكير الغربي يتزايد حيال البحث عن تنظيم إسلامي لا ينحدر من أصول عربية، وتكون معالم التسامح والاعتدال واضحة، لا غموض فيها أو التباس، ويفتقر إلى المشروعات التي لها روافد وأهداف سياسية.. وللحديث بقية.

كاتب مصري

9