البحرية الفرنسية تستعد لمواجهة تركيا في قبرص

باريس تلقي بثقلها للحفاظ على مكانتها في النظام الأمني المتوسطي.
الخميس 2019/07/18
لقوات فرنسا البحرية تواجد دائم في شرقي المتوسط

تبحث فرنسا عن منافذ تعيد من خلالها تموضعها في منطقة الشرق الأوسط وتحافظ من خلالها على مصالحها في المنطقة التي تداخلت فيها الأزمات وتوسعت رقعتها وتهديداتها. في أغلب الحالات، اتبعت باريس دبلوماسية حذرة، لكن يبدو أنها ستتخلى عن هذا الحذر مع التصعيد التركي في شرق المتوسط، وتحديدا في السواحل القبرصية ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لفرنسا.

باريس – سليم كهرمان - في أعقاب قمة مع زعماء دول الاتحاد الأوروبي الواقعة على حدود البحر المتوسط الشهر الماضي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تركيا إلى وقف ما وصفه بالتنقيب غير القانوني عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص. وتعهد ماكرون بألا يتهاون الاتحاد الأوروبي في هذه القضية.

ولقوات فرنسا البحرية تواجد دائم في شرقي المتوسط، وقد تزايد اهتمامها بقبرص في الآونة الأخيرة. ولدى فرنسا أكبر قوات مسلحة في أوروبا وثاني أقوى قوات مسلحة في حلف شمال الأطلسي. وخلال زيارة إلى نيقوسيا في شهر يناير الماضي، تحدّث ماكرون عن أهمية قبرص كميناء لقوة المهام البحرية التي تشكّلت حول حاملة الطائرات شارل ديغول. وزارت قوة مهام شارل ديغول ميناء ليماسول القبرصي بعد ذلك بشهرين.

وأجرى قادة قبارصة زيارة رمزية لشارل ديغول بينما كانت تتمركز في المياه غرب قبرص. بعد ذلك بيوم، أجرى الأدميرال كريستوف برازوك، رئيس أركان البحرية الفرنسية، زيارة رسمية لقاعدة ماري البحرية الواقعة بالقرب من ميناء لارنكا القبرصي.

وفي مايو، كانت ثمرة الاتصال الوثيق بين البلدين، عندما وقّع وزيرا الدفاع القبرصي والفرنسي بيان نوايا لتوسيع تلك القاعدة البحرية، يسمح لها باستيعاب سفن حربية أكبر حجما. ويهدف الاتفاق أيضا إلى تعزيز قدرات قبرص العسكرية وتطوير تعاون استراتيجي بين قوات البلدين البحرية.

وكانت الصحافة التركية تنظر إلى هذا الاتفاق على أنه جزء من الصراع على الطاقة في شرقي المتوسط. ووفقا لوسائل الإعلام التركية، فإن هناك بندا في الاتفاق ينص على أن “البحرية الفرنسية ستحمي شركة البترول الفرنسية توتال، التي لها نشاط في المناطق اليونانية، من أي تدخل تركي”.

فرنسا تنظر إلى قبرص على أنها موقع استراتيجي وموثوق في المنطقة، في ظل زيادة الجوانب الجيوسياسية التي تريد أن تكون لها نفوذ فيها

وتوتال صاحبة رخصة مشتركة مع شريكتها الإيطالية إيني، لمناطق جرى الإعلان عنها في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص، وبالقرب من شواطئ لبنان وكريت. واعترضت البحرية التركية مرتين طريق سفينة تنقيب أجّرتها إيني قبالة قبرص في فبراير 2018.

وعلى الرغم من الخلافات بشأن الحقوق في الطاقة، التي تصدّرت عناوين الأخبار في الأشهر الأخيرة، فإن هذا التطور لا ينبغي التعامل معه على أنه العنصر الوحيد الذي يقود انخراط فرنسا المتنامي في المنطقة، التي تتسم بالتقلب وتحظى بأهمية كبيرة في السياسة الخارجية الفرنسية، وفقا لما يقوله خبراء.

سباق على النفوذ

تعتقد منى سكرية، مستشارة المخاطر السياسية والمؤسس المشترك لمركز الآفاق الاستراتيجية للشرق الأوسط، أن التواجد الفرنسي في شرقي المتوسط لا يجب التعاطي معه فقط من منظور الطاقة. وقالت إن المنطقة اجتذبت من جديد اهتماما خلال السنوات القليلة الماضية، في ظل الصراعات الدائرة في سوريا وليبيا، واستمرار القلق بشأن الاستقرار في دول مثل مصر ولبنان، وتنامي المخاطر الأمنية، والهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى الآفاق الواعدة في مجال الطاقة.

وأضافت أن جميع هذه العوامل أدت إلى سباق على النفوذ في المنطقة، الذي قادت جزءا كبيرا منه المصالح الجيوسياسية، فضلا عن المطامع التجارية. وهذا يفسر لماذا يحافظ الفرنسيون على تواجد شبه دائم للبحرية ونشاط في شرقي المتوسط. وأشار فينسينت توريه، الخبير الأمني لدى مؤسسة البحوث الاستراتيجية، إلى أن فرنسا كانت لها دائما مصلحة في شرقي المتوسط على وجه الخصوص، بسبب تاريخها الاستعماري والمخاوف الأمنية. وأضاف أن فرنسا تولي اهتماما خاصا لما تسميه بلاد الشام، بسبب وجود مجتمعات فرنسية ضخمة هناك، إضافة إلى التغلغل الاقتصادي والثقافي في هذه المناطق، والتهديد الملموس القادم من هذه المناطق، في ما يتعلق بالإرهاب.

وأشار إلى أن هذه المصالح جعلت فرنسا تنشر قوات، إما لردع أي اعتداء، وإما لاستخدامها في مهام إنسانية مثل إجلاء العناصر غير القتالية من مناطق الحرب.

الحرب في سوريا

Thumbnail

تعتبر الحرب السورية الدائرة منذ ثماني سنوات أحد أسباب التواجد العسكري الفرنسي، حيث ظلت السفن الحربية الفرنسية تنفذ دوريات منذ بداية الصراع في عام 2011. وفي أبريل 2018، أطلقت فرنسا عملية مع الولايات المتحدة وبريطانيا لقصف منشآت كيمائية سورية، بعد أن نفّذت الحكومة السورية هجوما كيمائيا. وانطلقت الهجمات الصاروخية من سفن في شرقي المتوسط.

وقال توريه إن هناك موضوعا أمنيا آخر من السنوات الماضية، وهو احتمال امتداد الحرب السورية. أولا، اضطر هذا فرنسا للتدخل لتطبيق القانون الدولي. ونفّذت فرنسا العملية للرد على استخدام النظام السوري السلاح الكيمائي. وثانيا، وبسبب التداعيات، يُشكل تنامي نفوذ حزب الله، وانتشار المسلحين الشيعة بشكل عام، واستمرار وجود تنظيم الدولة الإسلامية، والجهاديين الفرنسيين العائدين، تهديدا حقيقيا وطويل الأجل في المنطقة وعلى ترابنا الوطني بشكل مباشر.

ووفقا لتوريه، فإن قبرص تشكل قاعدة مهمة لفرنسا في هذا الترتيب، لإجراء عمليات عسكرية في شرقي المتوسط. فضلا عن ذلك، فإن فرنسا كانت تربطها معاهدة تعاون دفاعي مع قبرص منذ عام 2007، وقد جددت هذه المعاهدة في عام 2017 لمدة عشر سنوات أخرى.

وقالت سكرية إن فرنسا تنظر إلى قبرص على أنها موقع استراتيجي وموثوق في المنطقة، في ظل زيادة الجوانب الجيوسياسية التي تريد أن تكون لها نفوذ فيها، وحيث توجد نقاط أخرى أكثر تقليدية قد تكون عرضة للتهديد في المستقبل. في المقابل، تنظر قبرص إلى فرنسا على أنها حليف موثوق به في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد البريكست والضبابية بشأن موقف بريطانيا، في ظل زيادة التوترات مع تركيا.

ولا يقتصر التواجد العسكري الفرنسي على السباق من أجل مصادر الطاقة، إذ إنه تعاون بين باريس ونيقوسيا يحقق الطرفان فيه مكسبا– فالبحرية الفرنسية توفر درعا أوروبيا لقبرص في مواجهة العدوان التركي، الذي يسمح بدوره لفرنسا بالحفاظ على مكانتها في النظام الأمني لشرقي المتوسط.

Thumbnail
7