البحرينيون يعودون إلى أعماق البحر بحثا عن اللؤلؤ

يستعيد أهل البحرين، خاصة من الأجيال الحديثة، ذكريات آبائهم وأجدادهم بشأن أحد أهم الأعمال التي امتهنوها والتي توشك على الاندثار بفعل ما يستجد في الواقع من تغيرات، ولم يعد لها الشأن ذاته الذي كان لها في أوقات سابقة، حيث كانت مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ من أهم أنشطة المجتمع البحريني، كما تؤكد على ذلك الشواهد التاريخية والآثار الباقية لدى الناس، وهم اليوم يعملون بتشجيع السلطات على إحياء الغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ كنز البحرين الثمين.
الجمعة 2018/01/05
رحلة مشوقة في أعماق البحار

المنامة - أصدرت السلطات البحرينية 1471 رخصة للغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ بعد فتح باب التسجيل في شهر أغسطس الماضي، وبذلك يشهد الغوص في البحر بحثا عن هذا الكنز الثمين إقبالا كبيرا فاق التوقعات رغبةً من البحرينيين في إحياء مهنة الآباء والأجداد التي توشك على الاندثار.

وتسعى الحكومة البحرينية لإعادة إحياء تجارة اللؤلؤ من خلال الاهتمام بهذا المنتوج وتطبيق الشروط والقوانين المنظمة له.

ويعود تاريخ صيد اللؤلؤ في البحرين إلى عام ألفين قبل الميلاد، ولم تتراجع مهنة الغوص إلا بعد ازدهار المهن المرتبطة باستخراج النفط في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث اتجه الناس إلى هذه المهن الوليدة، وتشير تقارير إلى أن عدد السفن التي أبحرت للغوص في عام 1929 وصل إلى 538 سفينة حملت أكثر من 20 ألف بحار، لكنها لم تتجاوز 240 سفينة فقط عام 1936 حملت نحو 9 آلاف بحار فحسب.

وعلى مدار السنوات اللاحقة انتقل المجتمع البحريني إلى مجال عمل آخر ومصدر جديد للرزق والحياة ارتبط بشكل رئيسي بالصناعات النفطية الحديثة، وترك وراءه ميراثا ضخما من الذكريات والشواهد التي ما زال البعض يحن إليها.

يقول أحد الصيادين الذين لم يتخلوا عن الغوص في البحر بحثا عن اللؤلؤ “إن هذا الكنز صار شحيحا في البحر”، مؤكدا أن استخراج اللؤلؤ يتطلب أن يكون البحر مهيأ وليس ملوثا ومكتظا بالنفايات، متسائلا “كيف للؤلؤ المعروف بجماله أن يعيش في كومة من النفايات التي تكتظ بها البحار حاليا؟”.

ومع ذلك مازال أغلب الصيادين وحتى الهواة الذين يمتهنون الغوص متفائلين بعودة هذا النشاط إلى سالف عهده مع سعي الحكومة لإحياء ثروة اللؤلؤ والحفاظ عليها، ما جعل العاملين في صيد الأسماك يتجهون إلى الغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ.

ويؤكد رئيس جمعية الصيادين البحرينية وحيد الدوسري أن كافة الصيادين يدعمون جميع قرارات الحكومة التي تصب في صالح الحفاظ على الثروة البحرية، بما فيها الحفاظ على مهنة الآباء والأجداد وتراث البحرين العريق المتمثل في استخراج اللؤلؤ.

وأكد عدد من صيادي اللؤلؤ أن هناك مجالا لإعادة إنعاش هذه المهنة والحفاظ على الثروة البحرية المتعلقة باستخراج اللؤلؤ، مشيرين إلى أن اللؤلؤ متوفر بشكل جيد ولكن بالتأكيد زيادة الاهتمام وإصدار القرارات الإيجابية من شأنهما تنمية هذه الثروة وإعادتها إلى صدارة المشهد البحريني كما كانت سابقًا.

اللؤلؤ يأتي من البحر وينتهي زينة للجميلات

يذكر أن البحرين هي الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي تسمح لمواطنيها بمزاولة مهنة استخراج اللؤلؤ بصفة رسمية، وذلك من خلال تراخيص تصدرها إدارة الثروة البحرية. وتبدأ رحلة الغواصين من الصباح الباكر إلى المساء تحت إشراف “النواخذة”، وتعني هذه العبارة ربان السفينة الذي ينبغي أن يكون خبيرا في مجال عمله وعلى دراية بالأماكن التي يتواجد فيها اللؤلؤ (الهيرات)، كما يجب أن تكون لديه خبرة في بيع اللؤلؤ المستخرج للتجار.

ويقوم رئيس البحارة -وهو الرجل الثاني في السفينة ويسمى المقدمي- بمهام المسؤول عن العمل في السفينة، والذي يؤتمن على حاجاتـها. والشخصية الثالثة على متن سفينة الغوص هو الغواص الذي يجمع المحار من قاع البحر، أما الشخصية الرابعة المهمة على متن السفينة فهو السيب الذي يقوم بسحب الغواص من قاع البحر.

ثم يأتي دور السكوني، وهو من يمسك بدفّة السفينة ويستجيب لأوامر الربان في توجيه السفينة، ولا يغيب النهام عن السفينة فهو الذي يسلي البحارة ويغني لهم ليخفف عنهم مشاق الرحلة، ويحفزهم على العمل. يلي ذلك دور الجلّاس الذي يقوم بفتح المحار لاستخراج حبات اللؤلؤ.

ويعدّ اللؤلؤ الطبيعي الذي تشتهر به البحرين نوعا من أنواع الأحجار الكريمة الفريدة من نوعها، ويعود السبب في ذلك إلى أنّها النوع الوحيد الذي يتشكل داخل جسم كائن حي من الرخويات مثل المحار أو بلح البحر، ويتشكّل اللؤلؤ عندما يدخل جسم غريب مزعج إلى صدفة الرخويات، ولتحمي الصدفة نفسها تُفرز نواة صلبة يحيط بها نسيج من عدة طبقات حول الجسم الغريب، أما طبقات النسيج فتتكون على مدار عدة سنوات وليس خلال فترة قصيرة، إلى أن يتشكل جسم صلب يعتمد في حجمه وشكله على شكل وحجم النواة التي تم تشكيلها منذ البداية.

ويحتوي متحف البحرين على لؤلؤة يبلغ عمرها حوالي ثلاثة آلاف سنة، وذكرت المراجع التاريخية أن لؤلؤ البحرين من أجود الأنواع في العالم.

ومن أسماء اللؤلؤ في البحرين “الدانة”، وهي أكبر اللآلئ حجما، وتليها “الحصباة” ثم “البدلة”، والصغيرة جداً تسمى “اليكة”، وكذلك هناك تسميات أخرى منها الفص والمجهولة الرأس والخشرة وإقماش.

ويستخدم اللؤلؤ في مختلف أنواع حلي المرأة، ولكونه أكثر هشاشة وضعفا من بين بقية الأحجار الكريمة، ينصح الخبراء النساء اللواتي يستخدمنه بأن يولينه رعاية خاصةً لكي يبقى محتفظا بجودته الطبيعية.

أما بخصوص أسعار اللؤلؤ فسوقه كما يقول الباعة تعتمد على جودة وشكل حبة اللؤلؤ، فكلما كانت هذه الحبة كروية الشكل وأكبر حجما، وكانت درجة التجاعيد والبثور والشقوق فيها أقل وتحمل درجة لمعان أكبر، ارتفع سعرها. ويؤكد تجار المجوهرات أن اللؤلؤ البحريني أكثر تميزا من غيره، وعلى الرغم من دخول اللؤلؤ الاصطناعي إلى الأسواق البحرينية يبقى اللؤلؤ البحريني في الصدارة محافظا على زبائنه الدائمين.

يذكر أن ما ساهم في الإطاحة باللؤلؤ من عرش الملوك هو صناعة اللؤلؤ الياباني وزراعته بكميات كبيرة في مزارع خاصة، وبذلك تقلصت قيمة اللؤلؤ ليصبح من المجوهرات المتوافرة للجميع وبأسعار زهيدة جدا.

ومع توفر اللؤلؤ المزروع صناعيا أصبح الأخير منافسا للؤلؤ الطبيعي؛ إذ أن المزروع صناعيا يتميز بالأثمان الزهيدة في الوقت الذي يباع فيه اللؤلؤ الطبيعي بأثمان باهظة، ويؤكد الخبراء أنّ الطريقة الوحيدة للتفرقة بين اللؤلؤ الاصطناعي ونظيره الطبيعي هي الأشعة السينية التي تكشف عما إذا كانت اللؤلؤة طبيعية أم زراعية؛ وذلك من خلال النظر إلى داخل اللؤلؤة والكشف عن طبيعتها، حيث أن جميع اللآلئ من السطح تبدو متشابهة ويصعب التفريق بينها.

20