البحرين تحتفي بأكلاتها الشعبية القديمة كتراث حي متجدد

يحافظ البحرينيون على أكلاتهم الشعبية القديمة ويستحضرونها في مطابخهم بصفة شبه يومية فهي زينة موائدهم عند استقبال الضيوف، ورغم تطور نمط العيش البحريني إلا أن هذه المأكولات القديمة لم تندثر، وهو ما يؤكد أن البحرينيين اختاروا أن يحفظوها كتراث حي ومتجدد وليس كتراث انتهى استعماله. وتنظم الهيئات الثقافية مهرجانات ومواسم للاحتفاء بهذه المأكولات والتعريف بها، تعبيرا على الفخر بالإرث البحريني بقسميه المادي واللامادي.
الاثنين 2016/02/08
التطور داخل إطار التمسك بالجذور

المنامة - يقبل الجميع دون استثناء في البحرين على المأكولات الشعبية وذلك لما لها من مكانة في وجدانهم ولعلاقتها الوطيدة بالأصالة والهوية البحرينية، لذلك كانت المحافظة عليها ليس فقط لكونها جزءا من التراث بل لأن ربات البيوت البحرينيات لا يستطعن الاستغناء عنها لإقبال صغارهن عليها دون تردد، حيث يتم إدخال بعض الإضافات واللمسات المستحدثة عليها، إلا أن مسمياتها وجوهرها يظلان ثابتين.

وشهد متحف البحرين الوطني نهاية الشهر الماضي مهرجان “الطعام ثقافة” الذي يمزج بين عالمي الفن والطبخ، وحملت فعاليات المهرجان مزيجا بين الطبخ والفن على أيادي فنانين وطهاة قدموا لوحات وأكلات تقليدية محلية ترسخ لدى الزائرين وخاصة لدى البحرينيات العاشقات للطبخ فنون صنع وإعداد أكلات البحرين الشعبية ليزداد تعلقهن بها.

وروّج المهرجان لطابع “التقليد البحريني بلمسة عصرية”، ليدعم بذلك ترسيخ الثقافة البحرينية وامتدادها من جيل إلى آخر. وقدم الفنانون مجموعة من الأعمال مستوحاة من وصفات الطعام تضمنت أشكالا فنية باستخدام خامات طبيعية مستخلصة من البهارات والمستحضرات البحرينية مثل الهيل المطحون، والزعفران والليمون المجفف الأسود والقهوة العربية ومضروبة السمك والأرز المحلي والروبيان والتمر وحليب الماعز المجفف، ومشروب ماء اللقاح الحار مع لب النخلة (الجذب).

الموقع الجغرافي للبحرين جعلها محطة لالتقاء الحضارات في مستوياتها الفكرية والمادية، كما أن العلاقة التجارية بين شعب البحرين والشعوب الأخرى من الهند وإيران والعراق ومصر والشام، خلقت نوعا من التلاقح والتأثيرات المتبادلة التي أثرت المطبخ البحريني من خلال أنواع الأكلات الشعبية وأساليب الطهي وأدوات الطبخ.

المرأة البحرينية لعبت دورا هاما في الحفاظ على الأكلات الشعبية ومررتها للبنات حتى لا تنسى فنون إعدادها

وتنتشر في البحرين العديد من الطبخات الرئيسية الشعبية التي يمتزج فيها الأرز مع السمك والدجاج واللحوم بمختلف أنواعها كالمجبوس والمصلي والمحمر واللموش وجريش الروبيان والهريس والمضروبة واليبولة والثريد والدقوقة، والأخيرة هي طبخة مكونة من سمك العوم مع التمر الهندي والماء إلى جانب طبق القشيد (ناشف سمك القرش الصغير) بالإضافة إلى طبخة المرقوقة وهي مكونة من عجين الخبز والدجاج.

وسميت المضروبة بهذا الاسم لأنه بعد إعداد الأرز مع الدجاج الخالي من العظام يتم ضربه حتى يصبح كالعجين، أما بالنسبة إلى اليبولة، فإنها تعامل معاملة المضروبة إلا أن الأرز يستبدل بالطحين.

ومن الأكلات الرئيسية أيضا المليوخة وهي تشبه في طريقة إعدادها المضروبة، إلا أنه يتم إضافة سمك اللخمة بدلا من الدجاج. كما أن هناك طبخة شعبية تسمى لعوال، وهو السمك المملح المجفف ويقدم عادة مع الأرز.

أما بالنسبة إلى الأطباق الحلوة فتتمثل في الخبيص والخنفروش وهو البانكيك القديم والعصيد والساكو والبثيث ومكوناته الأساسية التمر والطحين، بالإضافة إلى العقيلي واللقيمات والحسو وقرص الطابي والحلوى البحرينية والرهش والسمبوسة الحلوة إلى جانب أنواع الخبز مثل الصفاع والرقاق والخبز الأحمر، وهو الخبز البحريني التقليدي القديم الذي يخبز في تنور خاص يبنى في الأرض ويقدم في الأعراس والمناسبات الدينية والنذور، إلا أن هذا النوع من الخبز يكاد يندثر ويدخل عالم النسيان، ومن مكوناته الأساسية الطحين والسكر والتمر والدبس.

وتعتبر اللقيمات من الأطباق الرمضانية الخليجية المحبوبة وتسمى العوامات في بعض الأقطار العربية الأخرى. أما الساكو فهي من الحلويات اللذيذة التي تقدم عادة في شهر رمضان وفي المناسبات وفصل الشتاء، وهي تشبه في طعمها ومظهرها إلى حد كبير الحلوى وتتكون من حبيبات الساكو والسكر والزعفران والماء والهيل المطحون والزيت والجوز أو الكازو.

أما العقيلي فهو كيك الأسفنج التقليدي ونظرا لعدم توفر الأفران قديما كان العقيلي يخبز على الفحم باستخدام قالب له غطاء ويتم وضع القليل من الجمر على الغطاء ثم يوضع القدر على الفحم.

البحرين اشتهرت بصناعة الحلوى البحرينية التي توارثتها الأجيال أبا عن جد، فارتبطت هذه الصناعة الشعبية باسم البحرين وقد لعب أهل المهنة دورا بارزا في الحفاظ عليها

كما أن هناك طبقا من الأطباق الحلوة يطلق عليه اسم الدارمنده أو الدارمندر وهو يعود إلى أسطورة قديمة تقول إن فتاة تدعى بيبي دارمنده كانت تعيش في بلاد فارس وذات يوم بينما كانت تتجول في قريتها وإذا برجال من جيش الملك الظالم يطاردونها بغية إلحاق الضرر بها والاعتداء عليها، فتضرعت الفتاة إلى الله أن ينقذها من براثن الشر حتى لو استدعى الأمر أن تشق الأرض وتبتلعها، فاستجاب الله لدعائها وانشقت الأرض وبلعتها ولم يبق منها فوق سطح الأرض سوى غطاء رأسها.

وجرت العادة في ما بعد على إقامة النذور على شرف تلك الفتاة الشهيدة، وذلك بإعداد خبز الدارمنده الذي يطبخ مع الهيل والسكر والدهان ويوزع عن تحقيق النذر، فتدعى امرأة مختصة في تلاوة الدعاء أو تعويذة الدارمنده وتجلب معها غطاء رأس خاص ثم تتلو الدعاء على الخبز ويقدم للسيدات فقط.

ومن المعتقدات الشعبية السائدة قديما أن خبز الدارمنده يجب أن لا يتعرض لأشعة الشمس ويجب أن يمتنع الرجال عن أكله، أو أن يشاهدوا النساء عند أكله فيعد للرجال قدر خاص لا يقرأ عليه الدعـــاء الخاص بالسيدات.

ومع التقدم والتخلي عن بعض الخرافات ترك الناس الاعتقاد بالدارمنده وعمدوا إلى إعداد الخبز عند تحقيق النذور بحكم العادة والتسلية حيث تجتمع نساء الحي لتناول الخبز عند تحقيق الأمنية التي نذر صاحب النذر إعداد الدارمنده عند تحققها وينذر عادة إلى شفاء مريض أو حمل امرأة يصعب حملها أو سلامة شخص من مكروه أو عودة مسافر.

ومن جهة أخرى اشتهرت البحرين بصناعة الحلوى البحرينية التي توارثتها الأجيال أبا عن جد، فارتبطت هذه الصناعة الشعبية باسم البحرين وقد لعب أهل المهنة دورا بارزا في الحفاظ عليها وتطويرها وتعليمها للمهنيين الشباب.

ولا ننسى دور المرأة البحرينية التي تعلمت وأتقنت هذه الأكلات الشعبية ومررتها للبنات حتى لا ينقطع استهلاكها ولا تُنسى فنون إعدادها فتظل إحدى علامات الهوية البحرينية الراسخة في أبناء البحرين كبارا وصغارا.

12