البحرين تزيل ورما طائفيا بحل"المجلس العلمائي"

الجمعة 2014/01/31
جمعية الوفاق توفر البعد السياسي للطائفية المستشرية في البحرين، وفي الصورة زعيمها علي سلمان يتصدر مظاهرة في المنامة

المنامة ـ تبدو دول الخليج مقدمة على خوض المزيد من المواجهات مع التيارات الإسلامية بمختلف ألوانها ومذاهبها، لكن الأخطر أن يكون التيار الإسلامي طائفيا ومدعوما ومسنودا من قوى خارجية، ويتحول أداة لتنفيذ ما يريده “الخارج” (الانتماء الطائفي) لإفساد هدوء “الداخل” (الوطن المغيّب في الحسابات الإسلاموية). تفكيك الأحجية جاء هذه المرة من البحرين التي قررت حل “المجلس الإسلامي العلمائي”.

أعلن مصدر قضائي أن المحكمة الإدارية البحرينية قضت الأربعاء بحل “المجلس الإسلامي العلمائي” الذي يجمع عددا من العلماء الشيعة البحرينيين البارزين والمؤيدين للمعارضة، وأمرت المحكمة بتصفية أمواله.

القرار الرسمي البحريني الذي أصدره مصدر قضائي بحل “المجلس الإسلامي العلمائي”، كان على خلفية اتهام وزارة العدل والشؤون الإسلامية لأعضاء المجلس بـ”استغلاله لممارسة النشاط السياسي بغطاء ديني طائفي”. ولعل التهمة تختزل العلاقة بين الدولة والمجلس ومن يقف وراءه.

يتطلب هذا العودة إلى ما يسود البحرين منذ أكثر من ثلاث سنوات من “حراك” سمي “ثورة” تماهيا ما ساد بعض الأقطار العربية، لكن للواقع البحريني خصوصيات تكشف أن ما يسوّق على أنه ثورة هو في حقيقته يدور في مدارات أخرى؛ إسلاموية بمذاق طائفي مقيت باعتبار ارتهانه للخارج.

التساؤل عن الصلة التي تربط التحركات الأخيرة في البحرين والقرار الأخير بحل “المجلس الإسلامي العلمائي”، يجد إجابته في أن التحركات المشار إليها كانت تقودها جمعيات وتيارات سياسية شيعية، تمثل “جمعية الوفاق” قيادتها السياسية، ويمثل “المجلس العلمائي” مرجعيتها الدينية، ويضم المجلس تيار ولاية الفقيه الذي يقوده عيسى قاسم، وتيار مرجعية فضل الله بقيادة عبدالله الغريفي إضافة إلى تيارات أقل حجما وتأثيرا.

ولمزيد تبديد اللبس نشير إلى أن التحركات التي سادت في السنوات الثلاث الأخيرة، والتي لم تجد لها صدى كبيرا على شاكلة بقية الثورات العربية، كانت تحركات طائفية بحتة تقودها بعض التيارات والجمعيات الشيعية، ولم تتوفق في أن تحصل على الدعم أو المساندة أو التعاطف الخارجي، ونذكّر هنا بحادثة خلاف جمعية الوفاق البحرينية أثناء زيارتها لمركز الأهرام للدراسات السياسية في 17 أكتوبر 2011، وما أثارته من استياء لدى أعضاء المركز وضيوفه بعد اطلاعهم على الشعارات والمحتوى الطائفي الذي حاولت الجمعية تسويقه يومئذ، حيث قدمت وثائق سياسية تحفل بالبعد الطائفي وتحمل صورا للخميني، فضلا على أنها تتحاشى ذكر الخليج العربي بل تصر في كل استعمالاتها على اعتماد مصطلح “الخليج” وذلك تفاديا لإحراج الحساسية الإيرانية.

من البديهي أن العمل السياسي كلما اصطبغ بطابع ديني أو طائفي إلا وتحول بالضرورة إلى تطرف وقدم خطابا مفارقا للوطن تبعا لأنه يعلي انتماءات أخرى لا تعترف بالوطن بل بالطائفة أو بالجماعة، وفي المثال البحريني، حالة “المجلس الإسلامي العلمائي تحديدا.

العمل السياسي كلما اصطبغ بطابع ديني أو طائفي إلا وتحول بالضرورة إلى تطرف وقدم خطابا مفارقا للوطن تبعا لأنه يعلي انتماءات أخرى لا تعترف بالوطن بل بالطائفة أو بالجماعة

أشار وزير العدل البحريني خالد بن علي آل خليفة أن المجلس “يمارس نشاطاً سياسياً بغطاء ديني طائفي”، وبأن “تصريحاته تهدد أمن وسلامة المملكة والسلم الأهلي، وتشجع روح العنصرية المذهبية بما يؤدي إلى تمزيق الوحدة الوطنية ويذكي نار الفتنة الطائفية”.

وقال وزير العدل في تصريحات صحفية سابقة أن ما يسمى “المجلس العلمائي” هو عبارة عن تنظيم خارج الإطار القانوني وهو الأمر الذي لا يسمح به الدستور والقانون، وشدد على أن الوزارة تعاملت بالنصح مع هذا الكيان من أجل إدراجه قانونيًا ولم يمتثل.

وفي السياق نفسه عللت وزيرة الدولة البحرينية لشؤون الإعلام سميرة رجب قرار حل المجلس بأن “هذه المؤسسة تم إنشاؤها لتكون داعمة لحزب “الدعوة” الممثل في جمعية “الوفاق”، مؤكدة أن المجلس يعمل في السياسة مستخدما المنابر الدينية في التحريض على الطائفية.

يذكر أن “المجلس الإسلامي العلمائي” تأسس عام 2004 على يد مجموعة من رجال الدين، وقد اجتمع رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة بكبار رجال الدين وأكد لهم أن هوية البحرين إسلامية عربية وهذه الهوية يجب ألا تفتت وعلى هذا الأساس اُتفق على تأسيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وقد وافقوا عليها، ولدى دعوتهم للدخول قالوا إن الوقت غير مناسب للدخول ثم ذهبوا لتأسيس ما يسمى بالمجلس العلمائي. تطورات الساحة البحرينية وما يشوبها من تحركات تقودها بعض التيارات الدينية الطائفية، يحيل رأسا إلى الدور الإيراني في المنطقة عموما وفي البحرين بشكل خاص، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على المواقع ووسائل الإعلام الإيرانية المتفاعلة مع القرار البحريني بحل المجلس المذكور، وهو قرار سيادي تمارسه أية دولة داخل فضائها، لملاحظة مدى الحنق الذي يسوده ولتبين ضرب من الوصاية أو الأبوة تمارسها السلطة الإيرانية تجاه التيارات الدينية البحرينية.

وهذا يحيل أيضا إلى الدعم المالي والإعلامي والسياسي الذي تتلقاه تلك الجمعيات (الوفاق وأمل وغيرهما فضلا عن المجلس العلمائي الذي يمثل نظيرا للمرجعية الدينية الإيرانية)، وهو دعم لم يبدأ مع التركات التي انطلقت عام 2011، بل يعود أصله ومنطلقه إلى الأيام الأولى التي تلت الثورة الإيرانية عام 1979، حين سارعت الثورة الإسلامية إلى مغازلة كل الطوائف الشيعية في العالم العربي الإسلامي، بحثا عن تسويق ثورتها أولا، وسعيا إلى استنساخها ثانيا وهو ما تجلى في دعم كل “الاستعدادات الطائفية الشيعية” للتحول إلى قوى سياسية تخدم النفوذ الإيراني وولي الفقيه في المنطقة، وهو ما ظهر جليّا من خلال الدعم المنقطع النظير لحزب الله وللأحزاب الطائفية في العراق (حزب الدعوة مثالا) وكل القوى الشيعية التي تحمست لمشروع ولاية الفقيه. ولا يعني هذا أن كل االأطراف الشيعية العربية استجابت لهذا المشروع، بل وجد من رفض ذلك باعتبار إعلائه للوطن قبل الانتماء الطائفي.

القضية الأخيرة في البحرين ليست قضية شيعية/ سنية، بل هي قضية تنظيمات دينية طائفية، تغمض أعينها عن الوطن ولا ترى غير الطائفة أو المذهب، وتخوض العمل السياسي بمنطلقات دينية وتستغل فيه المساجد والمنابر وكل ما أتيح لها من وسائل، (شأنها في ذلك شأن كل الأحزاب الإسلاموية).

وهذا المزج المتعمد بين البعد الطائفي والعمل السياسي يجعل الأمر ملتبسا عند عديد المتابعين، حيث سوّقت الحالة البحرينية على أنها حالة أقلية طائفية مضطهدة، ولكن الواقع غير ذلك ويقوم على أن “وكلاء” المشاريع الإيرانية في البلاد، يضطهدون وطنهم بالتعلات الممجوجة الفاقدة لكل وجاهة أو سند. فالعمل السياسي له مقتضياته ويجب أن يخرج أولا من مذاقه الطائفي ويعود إلى مداره الوطني المواطني، وهو ما أكدته سميرة رجب حين نفت إمكانية الحوار السياسي مع تلك “الجمعيات” مؤكدة أنه لا يمكن إجراء حوار مع جماعات دينية تمثل مذاهب أو طوائف.

يذكر أيضا أن دعوات عديدة تعالت في البحرين في السنة الماضية، مطالبة بحل جمعية الوفاق على غرار ما حدث في مصر بحل جماعة الإخوان المسلمين وحظرها.

والدعوات البحرينية المنادية بذلك استندت إلى أن جمعية الوفاق تتحمل بصفة مباشرة أو غير مباشرة مسؤولية تنظيم العديد من العمليات الإرهابية والتخريبية في البلاد. وكان رئيس الوزراء البحريني خليفة بن سلمان آل خليفة قد أكد أن “احتضان العنف وانتهاج الطائفية السياسية والاستقواء بالخارج لم تعتبر يوماً إلا بيئة معادية للإصلاح والتقدم الحقيقي”.

نخلص إلى أن حرية ممارسة الشعائر الدينية لا تعني السماح بممارسة العمل السياسي بمنطلقات طائفية ضيقة، وكل التجارب المماثلة أدت إلى خراب واحتراب، ويكفي تذكر المثال العراقي مع صعود حزب الدعوة الإسلامي، واستحضار تغول حزب الله في الساحة اللبنانية، لتبين خطورة التيارات الدينية الطائفية، ولتبين صواب القرار البحريني.

13