البحرين والموقف المبدئي

الاثنين 2014/03/24

سيكون على الجاهلين بالتاريخ والجغرافيا أن يبحثوا طويلا حتى يدركوا سر العلاقة الاستراتيجية والحضارية بين مملكة البحرين وشقيقتيها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أما الواعون بالماضي والحاضر ومن يستشرفون المستقبل فهم واعون بطبيعة تلك العلاقة وبجذورها الضاربة في ما قبل التاريخ، ويعرفون أن ما يجمع بين الدول الثلاث قضية وجود وليس تماس حدود.

ومن اطلع على تصريحات وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، الجمعة، يدرك أن أي رهان على فك الارتباط بين الدول الثلاث هو رهان خاسر، وأن أية محاولة لتحويل وجهة العبارات والمواقف ستفشل نظرا لوضوح الرؤية لدى قادة البحرين ممن يحملون إرثا من الحكمة والقدرة على مواجهة التحديات التي بلغ بعضها أوائل السبعينات حدّ التشكيك في عروبة البلاد، رغم أن كل مراجع التاريخ والجغرافيا والحفريات والآثار والأنساب والأسفار تجمع على عروبة البحرين وتميُّز أهلها بالمعرفة والعمل والانفتاح على من حولهم، إضافة إلى ارتباطهم الوثيق بأشقائهم في الخليج والجزيرة العربيين.

وإذا كان البعض قد تآمر على البحرين بمحاولة جرّها إلى عاصفة الخريف العربي، وجعلها صخرة سنّمار لإسقاط البيت الخليجي، وإذا كان بعض الأشقاء قد ساهم في المؤامرة ودعمها في السر والعلن، فإنه قد غاب عن المتآمرين أن لدى قادة الخليج العروبيين الأصلاء من الفطنة والرؤية الثاقبة ما جعلهم يكتشفون حقيقة اللعبة الدولية الخطرة التي تعمل على أن تجعل من البحرين ساحة المران الأولى بهدف التوجّه إلى دول أخرى في الخليج، كما انطلق المران في شمال أفريقيا من تونس لإثارة الشعوب في بقية الدول عبر إعلام موجّه وجماعات مأجورة ترتبط بأجندات خارجية وبمطامع داخلية في التأسيس للانقلاب المجتمعي ووضع اليد على الثروات والمقدرات والسلطة والمصالح.

وطبيعي أن يلعب الإخوان لعبتهم وأن يكونوا الأدوات المدعومة من جهات خارجية ومن قوى إقليمية تمتلك المال والإعلام والمشروع الطائفي، وأن يتحولوا إلى السوس الذي يسعى إلى تخريب كل شيء، وكانت انطلاقتهم من مصر، على أن يبدؤوا حراكهم المشبوه في دول الخليج العربي طامعين بذلك في السيطرة على منابع الثروة والاستثمارات الكبرى، وغير ممانعين في اقتسام الغنيمة مع القوى الكبرى التي تقف وراءهم، ولوبيات المال والنفط والسلاح التي توجّه تحرّكاتهم.

وكما تعمل تركيا وقطر، تعمل إيران على استغلال الإخوان، حيث يراد للدول العربية أن تتحوّل إلى قطعة شطرنج على رقعة المطامع الفارسية الطورانية الصهيونية المتداخلة في عدائها للعرب، وهو ما اكتشفت دول الخليج حقيقته، ولذلك كان الموقف الإماراتي- السعودي- البحريني واضحا في دعمه لثورة الشعب المصري على حكم الجماعة، باعتباره كان يهدف إلى تحويل مصر إلى سيف مسلّط على رقاب العرب، وحصان طروادة لاختراق الخليج العربي.

كما تحوّلت الدوحة من منطلق أنها وكر التآمر الدولي على المنطقة ومركز التصدير الأول لمشروع الفوضى الخلّاقة، إلى ساحة للحراك المعادي لشقيقاتها الخليجيات، وإلى جسر للتواصل التركي الإيراني الإخواني الصهيوني الذي لا يستثني الجماعات الإرهابية من تحالفه الشيطاني. وعندما تم اتخاذ قرار بمعاقبة الدوحة بسحب السفراء، كان الموقف ثلاثيا يجمع بين الرياض وأبوظبي والمنامة، انطلاقا من الحضور الفاعل سياسيا واقتصاديا للعواصم الثلاث.

وعندما تساءل البعض عن موقف المنامة من جماعة الإخوان الإرهابية، خرج وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة ليؤكد أن بلاده تقف مع الأشقاء في المملكة السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في تصديهم لمخططات الإخوان، وإن البحرين تتصدى لجماعة الإخوان وتهديدها لاستقرار السعودية والإمارات ومصر وتعده تهديدًا للبحرين ولأمنها، مشددًا على أنها ستتعامل مع أي تهديد من الإخوان في البحرين بنفس الأسلوب الذي تتعامل به مع أي تهديد آخر لأمنها واستقرارها. وقال الوزير بلغة واضحة لا تحتمل التأويل “ما يمس أمن واستقرار الأشقاء في المملكة السعودية والإمارات هو مساس مباشر بأمن واستقرار البحرين والعكس صحيح، ومن يعاديهم هو بلا شك عدونا”. وجاء هذا التوضيح ليعيد الأمور إلى نصابها بعد أن تم تأويل تصريحات سابقة له خلال مؤتمر صحفي عقده في إسلام أباد.

وردًا على ما نسبته له إحدى القنوات التلفزيونية، أكد وزير الخارجية البحريني أنه لم يقل بأن جماعة الإخوان ليست إرهابية، ولكن كل بلد يتعامل معهم حسب ما يبدر منهم تجاهه مع ضمان الموقف الموحد تجاههم. وأضاف “هذا ما قلته وأعنيه في المؤتمر الصحفي في إسلام أباد، وهو واضح ولا يحتمل التأويل، وأنا مسؤول عما قلته في إسلام أباد وأوضحته اليوم، ولست مسؤولًا عمّا أوردته قنوات الإعلام من تأويل وتفسير خاطئ لكلامي”.

وما بيّنه الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة هو أن حركة الإخوان حركة عالمية لها نهجها الواحد، والتعامل معها هو حسب قانون كل دولة وما تلتزم به من اتفاقات، وهو بذلك يضع النقاط على الحروف، فالإخوان لهم ذات المرجعيات والمواقف والخطط والأهداف، وموقف البحرين منهم مبدئي، وينبني على حقيقة ما بدا منهم من عقلية تآمرية على من كان معهم ومن كان ضدهم، وللبحرين موقفها المبدئي في أن تكون الشقيقة والشريكة والحليفة لدولتين تجمعها بهما أواصر الأخوّة والشراكة والمصير الواحد، هما المملكة السعودية ودولة الإمارات.


كاتب صحفي من تونس

9