البحر عدو الفلسطينيين

الثلاثاء 2015/01/27

في السنوات الثلاث الأخيرة، دخلت التراجيديا الفلسطينية ميدانا جديدا، تحوّل فيها البحر إلى وحش قاتل للراحلين من الموت، فيأخذهم إلى موت من نوع آخر، لا رصاص ولا قنابل أو صواريخ تقوم بوظيفة القتل.

في مواكبة لنشطاء فلسطينيين على شبكات الأنترنت، يلحظ المتابع لها، خاصة لـ”الفيسبوك”، ما يمكن وصفه في النصوص الثقافية ليوميات الفلسطيني عن خصم إضافي، اسمه البحر.

كان نصيب البحر من أجساد الفلسطينيين السوريين كبيرا جدا، وانضمّ إليهم مركبان من فلسطينيي غزة، بعد توقف العدوان الإسرائيلي عليها، في أغسطس 2014. وكأن أبناء غزة أرادوا التبرع بوجبة من أجسادهم، يطعمون بها البحر، للتوفير على أبناء جلدتهم الهاربين من الموت المتوحش الذي يطاردهم في المخيمات الفلسطينية بسوريا.

طالعنا نصوص شعر، ونثر، وخواطر، كلها طافحة بفائض وجع، تعاتب البحر حينا، وتتوسله الرأفة بالمستنجدين به من الموت والخطف والقنص والاغتيال. وجلها كتابات من الموجوعين الذين لم يحترفوا الكتابة من قبل. ولكن لأنها نصوص وحكايات واقعية، كان من اليسير الالتقاء مع كتابات ذات مستويات عالية من التعبير عن الوجدان والمشاعر دون حرفة ولا صنعة، في النص الشعري، وفي سرد القصص التي تشبه الخيال، لكنها ليست خيالا.

فعندما يكتب أب فقد بقية أفراد عائلته في عمق البحر، لا يعود مبتهجا أو سعيدا بنجاته ووصوله إلى بلاد الهجرة في أوروبا، فكل قارئ سيجد في كلماته الغارقة بالحزن والدم، نصا لا يستطيع إلا أن يتأثر به، ويشارك صاحب المأساة ألمه.

كم من النصوص التي لم تكتب بغرض الكتابة، تعطي صورة وفكرة من خلال قصة تراجيدية، كموت طفل رضيع فشلت أمه في إغلاق فم البحر حتى لا يلتهمه. أو تناثر أفراد العائلة الواحدة، في أكثر من منفى، بعد رحلة لم نر شبيها لها في التراجيديا الإغريقية.

لم تنشر بعد رواية فلسطينية عن زمن الحرب التي تعرض لها الفلسطيني في مخيمات سوريا، والتي دخل فيها الرحيل بحرا، وبرا في بعض الأحيان، المعركة التي أجهزت على آلاف الهاربين. لكن الكمّ الهائل من النصوص، عن أشكال الموت الفلسطيني، يشي بتراكم لا بدّ أن تأتي عليه روايات جديدة، وبأقلام كتاب جدد.


كاتب من فلسطين

15