البحر يبتلع اللبنانيين أيضا.. مأساة عائلة تكشف مأساة وطن

الأحد 2015/10/18
الشعب اللبناني قد يخرج في موجة لجوء كبيرة في السنوات القادمة ما لم يتمكن من إحداث تغيير ملموس

إذا كانت هجرة آلاف السوريين ومحاولة ركوبهم المخاطر في لجوء جماعي لم يشهد مثله العالم منذ الحرب العالمية الثانية، تحدث تحت وطأة الحرب الدموية التي يشنها عليهم نظام الأسد وحلفاؤه، فما الذي يدفع مئات اللبنانيين لركوب المخاطر نفسها للوصول إلى أوروبا؟

لقد كشفت مأساة عائلة لبنانية حاولت ركوب موجة اللجوء إلى أوروبا أن ما يعانيه المجتمع اللبناني من بؤس لا يقل بشاعة عمّا يعانيه الشعب السوري من دمار، وأن الشعب اللبناني قد يخرج في موجة لجوء كبيرة في السنوات القادمة ما لم يتمكن من إحداث تغيير ملموس على مستوى واقعه الاجتماعي والاقتصادي وبالتالي على مستوى نظامه السياسي المسؤول الأول عن حالة البؤس التي يشهدها الوطن اللبناني.

وفيما تعمد القوى السياسية-المافياوية المسيطرة إلى تخويف اللبنانيين من مصير شبيه بمصير الشعب السوري في حال اندفعوا في المواجهة مع نظامهم إلى أقصاها، يرى بعض المراقبين أن اللبنانيين سيلقون هذا المصير على أيدي هذه القوى وبشكل أسرع وأدهى على أيّ حال.

وليس غريبا أن يعبّر مسؤول شؤون التوسيع في الاتحاد الأوروبي يوهانس هان في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” الألمانية عن مخاوفه من أن الموجة الكبرى القادمة للاجئين الى أوروبا ستنطلق من لبنان بحكم هشاشة دولته والوضع المأساوي للعيش فيه وبحكم وجود أكثر من مليون ومائتي ألف لاجئ سوري على أراضيه، إضافة الى عدم الاستقرار السياسي والوضع المعيشي والخدمي المتدهور مشيرا إلى أن: “هناك أيضا نسبة بطالة مرتفعة (حوالي 20 بالمئة) وديون ضخمة.. هذا مزيج خطير”.

وفي الوقائع، فإن اثني عشر فردا من عائلة صفوان غادروا لبنان مساء الأحد (11/10/2015) باتجاه تركيا بطريقة مشروعة، ولكن بهدف الانتقال إلى ألمانيا عن طريق مهربين ينظمون رحلات الموت إلى أوروبا. وبعد وصولهم الى مدينة إزمير صعدوا إلى زورق مطاطي ليقلّهم الى اليونان لم يلبث أن غرق بمن فيه. ولم ينج من الحادثة إلى ثلاثة أشخاص تمكنوا من السباحة إلى الشاطئ التركي.

وقبل ساعات من كتابة هذه المادة نقلت المعلومات أن عائلتين لبنانيتين من مدينة طرابلس اللبنانية أصابتا المصير نفسه في رحلة موت مماثلة من تركيا بحرا باتجاه اليونان حيث غرق الزورق الذي كانتا تستقلانه.

طبيعة هجرة القرن العشرين مختلفة تماما عما يشهده لبنان في هذه المرحلة سواء من حيث المعدلات أم من حيث النوعية

مثل هذه الحوادث المأساوية تلقي الضوء على توسل لبنانيين (إلى جانب السوريين وغيرهم من المقيمين في لبنان) الهجرة غير الشرعية للخروج من لبنان واللجوء الى أوروبا، والتي تضاعفت بحسب الإحصاءات المتداولة مرات عدة منذ سنة 2010 لتصل هذا العام 2015 إلى حدود مئة ألف مهاجر انطلاقا من مدينة طرابلس اللبنانية باتجاه تركيا، التي لا تفرض تأشيرة دخول على اللبنانيين، ومنها بطريقة غير شرعية باتجاه أوروبا.

وإذا كانت نسبة اللاجئين السوريين بين هؤلاء المهاجرين هي الأعلى (بحدود الـ90 بالمئة)، فإن نسبة اللبنانيين منهم (حوالي عشرة آلاف مهاجر) ودون حرب ودون أحداث أمنية كبيرة، هي نسبة كبيرة جدا.

صحيح أن اللبنانيين اعتادوا طريق الهجرة منذ مطلع القرن العشرين، فارتادوا الأميركيتين وأفريقيا وأستراليا، إضافة الى البلدان العربية وخصوصا الخليجية، إلا أن طبيعة هجرة القرن العشرين مختلفة تماما عما يشهده لبنان في هذه المرحلة، سواء من حيث المعدلات أم من حيث النوعيات. كما أن لبنان لم يشهد هجرة غير مشروعة إلى الخارج في تلك المراحل. أما هجرة اللبنانيين إلى أوروبا فقد كانت محدودة. كما أن الهجرة الواسعة التي شهدها لبنان خلال، وبسبب الحرب الأهلية كانت أيضا أخف وطأة مما نشهده اليوم دون حرب، حيث أصبح كل مولود لبناني مشروع مهاجر في ظل سيطرة ائتلاف مافياوي لم يبق في البلاد ما يمكن للشباب أن يبقى لأجله.

قد يلخص ما صرح به المسؤول الأوروبي الأسباب المادية التي تدفع عائلات لبنانية بأكملها إلى توسل خيار الهجرة غير الشرعية رغم نسب المخاطر المرتفعة التي تكتنفها والتي أزهقت مئات الأرواح، للبحث عن وطن بديل يؤمّن حدا أدنى مقبولا لحياة كريمة لم يعودوا يأملون أن يعيشوها في وطنهم الأم لبنان، غير أن فقدان الأمل هذا يرتبط أكثر بفشل المحاولات الكثيرة التي عاشوها وعايشوها لتحسين ظروف العيش في هذا البلد. وهذا يفسر اطّراد تزايد نسبة الذين يتوسلون هذه الطريق، فإما حياة كريمة أو موت ينهي المعاناة!

لا يجد قليلو الحيلة من اللبنانيين بارقة أمل تجعلهم يتحملون المزيد، ولذلك فإن فكرة الهجرة واللجوء تبقى واردة لديهم مهما كانت المخاطر

أمام فشل القوى المسيطرة على البلاد في تأمين حد أدنى من الخدمات الضرورية قادت مجموعات شبابية وشعبية المحاولة الأخيرة لحراك شعبي مطلبي بعد أن فاض الكيل ووصل الأمر بالمسؤولين عن البلاد أن يتركوها تغرق بالنفايات فكانت جولات عديدة من الاعتصامات والمظاهرات التي وقفت حيالها القوى السياسية بأذن طرشاء. أربعة أشهر والنفايات تتراكم في الشوارع والساحات دون التوصل إلى حلول مقبولة بيئيا وصحيا من قبل المسؤولين. وبالمقابل عمدت القوى المتحكمة بالواقع السياسي والاقتصادي والإعلامي إلى الالتفاف على الحراك الشعبي واختراقه والعمل على تشويه سمعة كوادره وإلصاق التهم ببعضهم، وصولا الى دفع شبيحة حركة أمل للتعدي على المعتصمين، ومحاولة إخراس صوتهم وقمع تحركهم الأخير من خلال حملة اعتقالات واسعة لم تشهد البلاد لها مثيلا، وصولا إلى إحالة عدد من الناشطين المدنيين إلى المحاكمة العسكرية.

وقد سخرت حملة “طلعت ريحتكم” وباقي الحملات المشاركة بالحراك من ذلك بنشرها معلومات فاضحة تعرّي سلوك القوى السياسية وأدواتها حيال الحراك:

*22 جولة عنف في طرابلس حصدت أكثر من 125 قتيلا و911 جريحا عدا عن الخسائر المادية الكبيرة: عدد الموقوفين 35

* اشتباكات بين تيار المستقبل وجماعة شاكر البرجاوي حصدت قتيلين: عدد الموقوفين 1

* أحداث 7 مايو 2008 حصدت 71 قتيلا: الموقوفون 7

* أحداث برج أبي حيدر في حي سكني أوقعت قتيلا و15 جريحا: الموقوفون صفر

* تظاهرة مطلبية قطع خلالها شريط شائك وكُسر لوحا زجاج: الموقوفون 62 وإحالة 10 إلى المحكمة العسكرية لا يزال 2 منهم قيد الاعتقال منذ عشرة أيام.

ولا تزال مدينة بعلبك في البقاع اللبناني تشهد احتجاجات واسعة رافضة لتردي الوضع الأمني والاجتماعي في المدينة التي لا يمر يوم واحد فيها دون أن يشهد تعديات واشتباكات وعمليات سطو أو خطف أو قتل، في حين لا يرف لأجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية جفن أو تسارع إلى تنفيذ خطتها الأمنية الموعودة بما يعيد الأمن لهذه المدينة وللبقاع عموما.

وأمام هذا الواقع، لا يجد قليلو الحيلة من اللبنانيين بارقة أمل تجعلهم يتحملون المزيد، ولذلك فإن فكرة الهجرة واللجوء تبقى واردة لديهم مهما كانت المخاطر.

4