البحوث الجامعية سنوات من الجهد تنتهي إلى سلة المهملات

البحوث في العلوم الإنسانية في تونس وسيلة لإخفاء الأمراض.
الأربعاء 2021/03/24
البحث العلمي ليس ترفا إنه رؤية وهوية (لوحة للفنان نزار عثمان)

في كل سنة أمرّ بالكثير من عناوين البحوث في العلوم الإنسانية وخاصة في حقل الأدب في تونس وأتفاجأ من ثيماتها التي لا تمت بصلة إلى بيئتها ولا أجد فيها ما هو جديد ومثير، عدا التكرار، وكأن جهاز البحث معطل ومشلول، لذا يردد فقط ما يعرف مسبقا، أو ماذا يعني جهل الباحث بقضايا بلاده أو باحثيها وأدبائها، إلخ.

آلاف من البحوث الجامعية في العلوم الإنسانية تقدم سنويا لنيل رسائل الماجستير أو الدكتوراه، تختزل سنوات من الجهد والسهر والبحث، ولكنها في النهاية تذهب ما أن يتم تقديمها إلى النسيان وإلى غبار الأرفف وفي أحيان كثيرة يكون مصيرها سلة المهملات.

كي لا نتهم بالشخصنة ولا بالتعميم في تناول بعض العناوين أو البحوث التي قد تتوافق مع بحوث موجودة فعلا، نبدأ حديثنا بضرورة تنسيب كل ما سيطرأ فيه، ومن ناحية أخرى نشير إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على تونس فحسب، بل هي أيضا ظاهرة تطول الكثير من الأقطار العربية الأخرى.

باحثون بلا جدوى

من الضير أن نقول لباحث ما أن بحثه بلا جدوى، وكأننا أفنينا الليالي الطويلة والتعب والسنوات بمجرد كلمة فضفاضة “بلا جدوى”. ولكنها حقيقة مؤلمة، الباحث جزء من المشكلة فيها، علاوة على منظومة البحث المعطوبة.

بداية يعود الإشكال في أساسه إلى طريقة النظر إلى البحث العلمي، وهنا نخصص المقال للبحث في العلوم الإنسانية مركزين بشكل خاص على البحوث الأدبية. فالتحصيل العلمي في تونس كان وما زال وسيلة للترقي الاجتماعي، والطريق نحو الوظيفة.

 لو سألت أيا كان لماذا يدرس ستكون الإجابة: الوظيفة. وهذا ممكن ومعقول، لكن بونا شاسعا بين واقع التوظيف والتعليم، كل منهما في واد. تأثر البحث العلمي بهذا الواقع، فتزايد أعداد الباحثين في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، ومرده الأساسي البطالة ومحاولات تحسين المستوى التعليمي للظفر بوظيفة، فيقضي الطالب أو الطالبة سنوات في التحصيل العلمي الإضافي هربا من شبح البطالة. ولكنه يحاصرهم في النهاية.

البحث لغايات اجتماعية ووظيفية ستنتج عنه بحوث متسرعة ووظيفية أيضا، تحاول الوصول بأيسر الطرق إلى لقب الماجستير أو الدكتوراه، ومن ثم تحسين شروط التفاوض مع الدولة للتشغيل. بينما البحوث مجرد “لوك” وتكرار غريب وعجيب في أغلبه.

الجامعات ليست فقط أماكن للتوظيف والبحث العلمي ليس وسيلة للترقي الاجتماعي فقط هذه نظرة مغلوطة ومكررة

قليلون هم من يواصلون البحث لغايات بحثية، فالأغلبية لا يهمها من البحث إلا الترقّي وبالتالي لا ضير في سلك الطرق السالكة، فنجد جل البحوث تصب في ثيمات ومواضيع مكررة. نجد عناوين مستهلكة من قبيل “الحماسة في شعر المتنبي”، “الإيقاع في شعر محمود درويش”، “الحارة في روايات نجيب محفوظ”، “أدب ضد الاحتلال”، “الأدب والتحليل النفسي”، “قراءة سيميائية تأويلية في أنا يوسف يا أبي للشاعر محمود درويش”، وغيره من القضايا المكرسة.

لا ننكر أهمية القضايا الأدبية المطروحة قديمها وجديدها، لكن التركيز على قضايا مستهلكة ولو من زوايا جديدة على حساب الأدب المعاصر والراهن وقضايا علم النفس والاجتماع والفلسفة وغيرها من علوم إنسانية ينبئ بخلل ما. خلل يؤكده الانقطاع الكبير بين الساحة الثقافية والأدبية وما ينتج فيها والبحوث المطروحة في داخل أسوار الجامعات، التي باتت مؤسسات للتكرار، ولا علاقة لها ببيئتها، أو ماذا نفهم مثلا من باحث تونسي لا يفقه شيئا في الأدب التونسي، بينما يبحث حول شاعر أو أديب عربي أو عالمي نال حظه من البحث.

الجامعات كما أسلفنا ليست فقط أماكن للتوظيف، والبحث العلمي ليس وسيلة للترقي الاجتماعي فقط، هذه نظرة مغلوطة أودت بنا إلى آلاف البحوث السنوية حول قضايا مفرغة، تستهلك السنوات في تحبيرها، تُناقَش أمام لجان، توزع بعض الحلوى، ويمنح اللقب إلى الباحث، بالحصول على “دكتوراه”، فيضيف حرف الدال والنقطة إلى اسمه على حسابه في فيسبوك، أو على وثائقه الخاصة، أما البحث فإلى الغبار، وفي أحسن الحالات ينتقل الباحث “دال” للتدريس في الجامعة بعقود هشة، ويقدم لسنوات نفس البحث المكرر، وتستمر السلسلة على ما هي عليه.

لو سألنا ماذا استفاد مثلا الأدب التونسي من البحث حول الإيقاع في شعر درويش أو سميح القاسم، لن نجد إجابة، غير التبرير ربما أو الغضب في حالات مقابلة، بينما الظاهرة تستفحل يوما فآخر، خاصة في البحوث الأدبية، أكثر مما هو الحال في بقية العلوم الإنسانية.

لا نتهم الباحثين فقط ولا نحملهم بمفردهم العبء لواقع بحثي مأزوم، فالجامعات بدورها من أساتذة وإدارة والمخطط التنموي والتعليمي للدولة كلها تشترك في هذا الواقع الذي يذهب ضحيته بدرجة أولى طالب العلم أو الباحث.

البحث هوية

من ناحية أخرى تنعكس الصراعات الموجودة في الساحة الثقافية على ما يحدث في الجامعة، ونجد مثلا من يجمع بين الإبداع والجانب الأكاديمي من خلال الإشراف على رسائل ماجستير أو دكتوراه، فيكرس نفسه عينا وحكما من داخل أسوار الجامعة على الساحة، ويمنع طلبة من البحث حول هذا أو ذاك، ويوجههم إلى المكرر نفسه في شخصنة كاملة.

لو سألنا ماذا استفاد مثلا الأدب التونسي من البحث حول الإيقاع في شعر درويش فلن نجد إجابة

الشخصنة أنهكت وما زالت تنهك الساحة الثقافية والبحثية، ناهيك عن تصدر الجامعات لمواقع سلطوية وبقاء الأدب والإبداع والكتابات في العلوم الإنسانية في الهامش.

التحكم كبير من قبل السلطة الأكاديمية في البحوث الجامعية، توجهه إلى عدم التمرد ليحافظ حرس المعبد على ذواتهم كموجهين أساسيين للساحة الثقافية.

من ناحية أخرى الدولة لا تولي الاهتمام الحقيقي للبحوث العلمية إلا من حيث الأرقام، تكتفي بارتفاع أعداد الباحثين، وهم في الأصل هاربون من شبح البطالة، دون أن توفر لهم أساسيات البحث من مؤطرين ومكتبات ومخابر وآليات دعم للبحوث الميدانية وغيرها من الأدوات.

ربما تعجز الدولة فعليا عن توفير سبل البحث العلمي الجاد وذي الجدة والجدوى، وربما أجهزتها أكثر راحة بـ”التخلص” من بعض طالبي الشغل عبر رميهم في مجال البحث، الذي ينتهي إلى النهاية نفسها ألا وهي البطالة، مع إضافة حرف الدال إلى اسم المعطّل.

البحث العلمي ليس ترفا، وليس درجة اجتماعية، ولا هو وسيلة بعض المبدعين الفاشلين إبداعيا في التحكم في الساحة الثقافية من باب “البحث”، إنه أرقى من ذلك، إنه هوية وطنية تبدأ من محليتها إلى الكونية، إنه تحقيق للإنسانية وللخصوصية وربط لجسور المعرفة بين الذات والآخر، ولذا ننتظر استفاقة ما حتى لا يبقى البحث العلمي مجرد قشور لإخفاء الأمراض.

14