البدائل الاقتصادية للأحزاب الإسلامية.. فاقد الشيء لا يعطيه

الجمعة 2014/01/10
"نهضة" مفهوم لم يتخط حدود الشعار وعاد بالوبال على مصر وشعبها

هل تملك تيارات الإسلام السياسي خاصة الإخوانية القدرة على تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية «تنفع الناس وتمكث في الأرض»؟ هل أوفت بوعودها التي قدمتها خلال الحملات الانتخابية؟ وهل تملك تيارات الإسلام السياسي بدائل فكرية تستعيض بها عن هنات مناويل التنمية التي أنتجتها أنظمة الاستبداد والتي كانت أحد معاول تحطيمها؟

منذ سقوط أنظمة الاستبداد تباعا في تونس ومصر وليبيا تصدرت المشهد السياسي تيارات إسلامية تقدمت إلى الانتخابات ببرامج راوحت بين مغازلة الجانب الديني للجماهير، وتقديم وعود تنموية واجتماعية برّاقة، وهي برامج كانت تقدّمُ- في مصر وتونس خاصة- على أنها اختزال لشعار «الإسلام هو الحلّ» الشهير.

لكن واقع الممارسة قدّم فشلا ذريعا لكل التجارب الإسلامية على غرار التجربة الإخوانية في مصر وتونس، وهي تجارب فشلت في إنتاج بدائل اقتصادية واجتماعية خاصة بها، وفشلت في تجاوز أزمات تنموية هيكلية كانت دافعا قويا في اندلاع الثورات.

الثابت أن قصور تيارات الإسلام السياسي على إنتاج حلول تنموية حقيقية لم يتبدّ مع واقع ما بعد الثورات فحسب، بل تجلّى قبل ذلك بعقود.

فكلما وصل تيار إسلامي إلى الحكم إلا وأطنب في التسويق لقدرته على إحلال العدل والمساواة تماهيا مع ما يقره الدين الإسلامي، لكن كل التجارب- دون استثناء- أدت إلى فشل يصل مرتبة الكوارث في بعض الأقطار (طالبان وحماس أفضل مثال) وحتى الأمثلة التي تمثل مفاخر للبعض على غرار المثل الإيراني فإنها تخفي أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة يتم العمل على إخفائها دائما برفع نسق الشعارات السياسية والصخب الأيديولوجي والمشاريع النووية وغيرها من دلائل التركيز على الهامش.

للفشل الإسلاموي قرينة أخرى في العراق، حيث أبدع الإسلاميون في إعادة البلد قرونا إلى الوراء وهم الذين يحكمونه اعتمادا على مرجعية إسلامية قوامها التنظيمي «حزب الدعوة الإسلامية»، وأساسها التنظيري فكر محمد باقر الصدر الاقتصادي صاحب كتاب «اقتصادنا» الذي يشيد بمزايا الاقتصاد الإسلامي وبقدرته على النهوض بالمجتمعات، بالتزامن مع نقد لاذع لأضرار الطروحات الاقتصادية الاشتراكية والليبرالية. لكن الواقع العراقي الحالي يمثل أكبر دليل على سوء الممارسة وتناقض التنظير.

في البال كذلك التجربة الإخوانية التركية التي «يفاخر» بها بعض عتاة الإسلاميين مثل القرضاوي، لكن النجاحات الاقتصادية التي تحققت في تركيا كانت تعود أساسا إلى الإرث المدني العلماني الأتاتوركي وإلى دولة قانون ومؤسسات عريقة بعمر جماعة الإخوان المسلمين، وحين حاول أردوغان وصحبه إضفاء «أسلمة» تدريجية على البلد أفضى ذلك بسرعة إلى استشراء الفساد، والذي يترجم مؤخرا في القضايا ضده وضد وجماعته.

بعد الثورات العربية ظهرت التيارات الإخوانية (النهضة في تونس وحزب الحرية والعدالة في مصر) حاملة لمشاريع انتخابية تعدُ بالخير العميم والخروج من مآزق تنموية تعود إلى عقود من الاستبداد الممنهج، فطرح حزب الحرية والعدالة على نفسه مهمة تحقيق معدل نموّ يصل إلى 10 بالمئة خلال خمس سنوات وتوفير فرص عمل بمعدل 200 ألف فرصة عمل سنويا (كان الشعار المركزي عنوانه «إيدي في إيدك.. نوصل مصر لبر الأمان» وهي مفارقة تكشفت بعد عام واحد من الحكم)، ولم يختلف حزب حركة النهضة (365 نقطة وشعار عام قوامه أوفياء صادقون) كثيرا عن ذلك المتصور الطوباوي حيث وعد الشعب باستحداث 590 ألف موطن شغل خلال الخمس سنوات القادمة، وتقليص نسبة البطالة إلى حدود 8.5 بالمئة في أفق 2016.

كل هذه الوعود لم تتحقق بل ازداد نسق الانحدار الاقتصادي في البلدين مما أنتج أزمات اجتماعية أثرت على البعد السياسي الذي اتسم بالتشنج والاستقطاب الحاد.

ودون الخوض في مظاهر الفشل الاقتصادي والاجتماعي البادية للعيان، فإن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هو: هل أن تلك الأحزاب الإسلامية كانت قادرة فعلا على تحقيق ما سوقته للجماهير من وعود بحجم الأحلام؟ وهل أن الأرضيات الفكرية التي تتكئ عليها تسمح لها بإحداث نقلة بذلك الحجم؟

للفشل دواع مرتبطة بسببين على الأقل، الأول يتصل باستحالة توفيق التيارات الإسلامية بين مناداتها بتطبيق الشريعة الإسلامية وبين رسم بدائل تنموية تتوافق مع مقتضيات الوضع الاقتصادي الدولي وتستجيب لضوابط نشاط اقتصادي لا يعير اهتماما للقيم بقدر ما يركز على النجاعة.

وهذا يعني أن الأحزاب الإسلامية تقدمت إلى المعترك السياسي بتصورات اقتصادية واجتماعية ليبرالية لا تقطع مع منوال تنمية أثبت عقمه في مصر وفي تونس وفي غيرها، لكنها كانت أيضا تغلف ذلك المنوال بغلاف من «التأسلم» يتخذُ أحيانا شكل «الاقتصاد الطاهر» في إحالة إلى أن الساسة الإسلاميين لا تشوبهم شائبة الفساد، وأحيانا أخرى شكل شعارات اقتصادية تقوم على «المالية الإسلامية» و«الاقتصاد الإسلامي».

كلما وصل تيار إسلامي إلى الحكم إلا وأطنب في التسويق لقدرته على إحلال العدل والمساواة، لكن كل التجارب أدت إلى فشل بمرتبة الكوارث

الملفت أن الأحزاب الإسلامية اتفقت في الإقرار بفشل منوال التنمية السابق وأقرت بعجزه وغياب الحوكمة واستشراء الفساد وارتفاع العاطلين عن العمل والاختلال بين الجهات وارتفاع مستوى الفقر والضغوط على الميزانية العمومية وغيرها من المظاهر، لكنها أصرت على اعتماد المنوال التنموي نفسه سواء في تونس أو في مصر، فكانت بذلك توفر نفس المقدمات وتنتظر نتائج مختلفة. وفي السياق نفسه تزعم الانطلاق من الشريعة الإسلامية وإرساء اقتصاد متحرر من الهيمنة الأجنبية لكنها تمد يدها إلى الاقتراض والتداين الأجنبي.

لهذا البعد سبب هيكلي فكري قاتل؛ فتيارات الإسلام السياسي عاجزة عن إحداث بديل اقتصادي يقطع مع ملامح الاقتصاد العالمي الذي وصل إلى مستوى يصعب الفكاك من «تعاليمه» باعتماد الأساليب والقواعد الاقتصادية الليبرالية، أي لا يمكن لأي حزب أو تيار ينخرط في المنظومة الليبرالية الشرسة ويدعي أنه سيقدم ما يناقضها، فالقروض والتمويلات القادمة من الجهات المانحة (البنك العالمي أو صندوق النقد الدولي) هي قروض ربوية بشكل صريح (حسب التوصيف الإسلامي) ومع ذلك تتدافع الحكومات الإسلامية من أجل الحصول عليها بل والإيفاء بكل شروطها المجحفة.

المسألة مزدوجة؛ سياسية ممارساتية وفكرية نظرية. الأولى تقوم على أن الأحزاب الإسلامية مستعدة لبيع بلدانها ثمنا للبقاء في السلطة، أما المسألة الثانية فقوامها أن الرؤى الفكرية الإسلاموية في هذا المستوى لا يمكنها أن تنتج تغييرا اقتصاديا حقيقيا لأنها تنطلق من نفس الرؤية الليبرالية، ولانها إن سعت إلى القطع معها تقعُ في تناقض قاتل بين إمكان التطبيق الاقتصادي للشريعة الإسلامية وبين مقتضيات اقتصاد عالمي يتطوّر يوميا وينتج رؤاه الجديدة

نخلص إلى القول بأن الأحزاب الإسلامية لا يمكنها تلبية الاحتياجات الحقيقية في العيش الكريم للمواطنين، بالنظر إلى وجود تناقضات جوهرية بين منطلقاتها الفكرية والواقع الاقتصادي في العالم، فضلا على أنها لم تتقدم بما يثبت جديتها في إحداث التغيير الحقيقي، لأنه لا يمكن تحقيق ما يصبو إليه المواطن من عيش كريم وكرامة ومساواة بالاعتماد على شعار «الإسلام هو الحل» الذي يختزلُ في بعض المعاملات والأحكام على شاكلة الجلد والرجم وقطع الأيادي

13