البدانة ما بين الأمراض والرشاقة والرضى عن النفس

الأحد 2016/01/24

يحتل موضوع البدانة حيزا هاما في الإعلام، وقُدمت برامج كثيرة عن أنواع الحميات المؤدية لإنقاص الوزن، حتى أنه استوقفتني في الأشهر الماضية إطلالة لإعلامية مشهورة (وهي ليست بدينة على الإطلاق) لكنها سمحت للتلفزيون الذي تقدم فيه برنامجا أن يصورها في غرفة العمليات بكل مراحل عملية شفط طبقة من الدهون في منطقة المعدة! واعتبرت أن هذه العملية ضرورية وأراحتها نفسيا لأنها –حسب رأيها– يجب أن تطل على الجمهور بأجمل شكل ومقاس.

لست ضد سعي المرأة والرجل للحصول على جسد رشيق وجميل والأهم جسد مُعافى وسليم، لكن ثمة بعض النقاط الهامة التي تجب الإشارة إليها:

أولا: هنالك هوس واضح للحصول على جسد بمقاسات مُعينة، وترسيخ لمفاهيم الجمال المرتبط بالقبول الاجتماعي للشخص سواء كان امرأة أم رجلا، ويقدم لنا الإعلام نماذج من المطربات الراقصات والمطربين الراقصين أيضا يمثلون فيديو كليبات عارضين أجسادهم الرشيقة التي تصبح غاية المشاهدين ليقلدوها ويتمثلوا بها.

هناك حالة من تسليع الجسد أي تحويله إلى سلعة كبقية السلع التجارية، وتحديدا وضع جمال المرأة ونحافتها ورشاقتها ومطابقتها لمواصفات الجمال الدارجة في المرتبة الأولى للحصول على الوظائف والمكتسبات، وأصبح التركيز على الرشاقة الأميل للنحول هدفا للكثيرات حتى أنني أعرف صبيّة كانت تبدأ نهارها بشرب كوب من عصير الحامض لاعتقادها أنه يذيب الشحوم حتى أصيبت بعد أشهر بقرحة معدية مهددة بالانثقاب.

وأصبح معظم الناس يتعاملون مع أنفسهم كما لو أنهم أجساد فقط، وأكبر دليل الارتفاع المذهل في عمليات التجميل لدى الجنسين وأصبحت تجارة الجمال رابحة بشكل خرافي، ولا يجب أن نغفل الآثار الكارثية لبعض عمليات التجميل خاصة حين يمارس هذه العمليات دجّالون ولا يمتّون للعلم بصلة. ومن المعيب تقديم صورة البدين في معظم المسلسلات والأفلام –العربية خاصة– كشخص يثير الضحك وذي شخصيته هزلية! وهناك حالة لا إنسانية من السخرية من البدين، ويعاني الأطفال البدناء من هذه الظاهرة أيضا وهذا ما يولّد عقدا نفسية خطيرة لديهم حتى أن بعضهم قد يمتنع تماما عن الطعام ويُصاب بمرض فقدان الشهية (آنوريكسيا) أو قد يلجأ لالتهام كميات هائلة من الطعام ثم يُجبر نفسه أن يتقيأها.

ثانيا: ثمة فرق كبير بل هائل بين الرضى عن الذات والبدانة ويجب أن أذكر هنا سيدة مشهورة إعلاميا وبدينة أسست جمعية عنوانها الرضى عن الذات والسيدة هي فاطمة باركر التي أطلت علينا في عدة فضائيات تدافع عن البدناء وتحثهم على قبول بدانتهم بكل رضى وافتخار وتقول غير معقول أن تكون كل مقاسات البشر (سمول أو ميديوم) فهناك مقاسات كبيرة وعلى الشخص البدين أن يقبل نفسه ويعتز بها وهناك جمال خاص للبدناء فبعض الرجال يفضلون المرأة البدينة والعكس أيضا وعلى المجتمع أن يُغير نظرته للبدناء ويحترمهم ولا يسخر منهم، والإنسان ليس جسدا فقط بل هو عقل وروح. وتستشهد السيدة باركر بأشهر إعلامية في العالم وهي أوبرا وينفري التي لم تعقها بدانتها كي تكون أشهر شخصية إعلامية في العالم.

أحيي جهود السيدة فاطمة باركر لأنها أسست جمعية الرضى عن الذات، والعنوان بحد ذاته يُشكل مدخلا للثقة بالنفس وتقديرها، لكنْ ثمة فرق هائل بين الرضى عن الذات وبين قبول البدانة وكأنها تمثل الحالة المثالية للرضى عن الذات، فأن يكون البدين راضيا عن ذاته شيء والتأكيد أن البدانة مرض شيء آخر.

لا يجب بأيّ منطق تبرير البدانة والخلط بينها وبين حالة الرضى عن الذات، لأن البدانة تشكل مدخلا للعديد من الأمراض خاصة السكري والعقم وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الشحوم والكوليسترول وأمراض المفاصل وغيرها، ويجب الإقرار بأن البدانة مرض ويجب إنقاص الوزن من أجل الصحة أولا والعيش بطريقة صحية وسليمة، وقد انتبهت دول متقدمة لمشكلة البدانة خاصة عند الأطفال فمنعت التلاميذ من أكل الوجبات سريعة التحضير وعالية الحريرات، بل إن أحد وزراء الصحة أجبر المدارس أن تقدم يوميا التفاح للطلاب كي يتعلموا الأكل الصحي.

ثمة خطوط رفيعة وحدود دقيقة بين المتناقضات أحيانا ويجب أن نتمتع بالوضوح الذهني والمحاكمة الموضوعية لكل ما يحصل حولنا، يجب أن نحترم أجسادنا فالجسد مكان حضور الروح كما يقول جبران خليل جبران ولا يجب أن نلهث وراء النماذج الدعائية ومقاييس الجمال والإغراء التي يحاصرنا بها الإعلام، لكن لا يجب أن نقبل بأن الرضى عن الذات يعني أن نترك العنان لأنفسنا لنأكل ما نشاء من طعام مؤذ يؤدي بنا إلى مرض البدانة.

يجب أن نتحرر من هوس تقليد النجوم الذين يرسخهم الإعلام كنماذج للجمال النموذجي الدارج والمستند على مقاييس معينة كنفخ الوجنتين والشفتين ووشم الحاجبين إلى آخر ذلك من الإجراءات التجميلية التي تتحول غالبا إلى إجراءات تشويهية. يجب ألا نسمح لأنفسنا أن ننساق للتشبه بنجوم يرسخهم الإعلام لغاية وحيدة لا أخلاقية ولا إنسانية وهي: الربح والربح فقط.

كاتبة من سوريا

21