البدايات الحلوة

البدايات لا تتعلق فقط بالأفلام، بل وبعمل المخرجين أيضا، فمخرجون كثيرون يبدأون حياتهم الفنية بأعمال شديدة الجرأة والجاذبية، لكنهم ينتقلون لإخراج أعمال أقل كثيرا في مستواها، ويكون الاختيار عادة اختياريا.
الأربعاء 2018/08/01
"2001.. أوديسا الفضاء" من الأفلام العالقة في الذاكرة

هناك الكثير من مشاهد البدايات في الأفلام ليس من الممكن نسيانها، من هذه الأفلام فيلم “العراب” (أو “الأب الروحي”) فلا أظن أن من الممكن نسيان مشهده الافتتاحي الذي يستغرق نحو سبع دقائق ويعتبر مدخلا إلى الفيلم وشخصيته الرئيسية وأجوائه الخاصة المثيرة الغامضة.

ويبدأ المشهد بشاشة سوداء وصوت رجل نسمعه قبل أن نراه، يقول “أنا أؤمن بأميركا”.. إنه داخل مكتب زعيم المافيا دون كورليوني، الذي وافق على مقابلته وقد جاء يقدّم تهانيه بزواج ابنة كورليوني الذي يجري الاحتفال به في حديقة المنزل في الخارج، لكن الرجل أخذ يروي له كيف اغتصبت ابنته الشابة وقتلت بوحشية وكيف أنه لم يحصل على العدالة من “النظام”، وقد جاء يطلب العدالة من رأس يترأس “النظام البديل”.

وينتقل الفيلم في مونتاج متواز بين كورليوني وهو يقابل الزوار المهمين جدا، وبين الحفل الراقص في الخارج، فيما يبدو أقرب إلى الأوبرا.. حيث يتم التعبير بالحركة والإشارة والإيماءة والموسيقى والضوء ومساحات الظلال واللقطات.

وليس من الممكن أيضا نسيان مشهد البداية من فيلم “2001.. أوديسا الفضاء”، الذي يدور في الأزمنة السحيقة قبل ظهور الإنسان، حيث تتراقص مجموعة من القردة، ثم تتقاتل وتتصارع على الطعام، وفي الظلام تكمن قردة تنتظر في صمت.. عديمة الحيلة.. وبين حين وآخر ينفجر الصراع بين مجموعات القرود المختلفة على الماء، والطعام.

وفجأة تكتشف القردة وجود عمود صخري غريب منتصب في وسط الصحراء، تتقافز القردة حوله، تصرخ، تقترب، تلمسه في رهبة، لقد أصبح معبودها المقدس.. إنه الغريب الذي سيعاود الظهور في باقي أجزاء الفيلم.

لكن البدايات الحلوة لا تضمن دائما نهايات حلوة، ففيلم “مهووسة جنسيا” للمخرج الدنماركي الشهير لارس فون تريير، الذي لم يعجبني شخصيا ولم أجده مثيرا للفكر والخيال، رغم أن كثيرين أبدوا إعجابهم بفلسفته العدمية وجرأته في التصوير، ينتهي نهاية غير مقنعة، بل وفاشلة تماما.. فالمرأة التي كانت تبحث طوال حياتها عن معنى اللذة تريد أن تسبر أغوار العلاقة الجنسية، تروي قصتها على رجل متقدّم في السن يبدو وقد أصبح بمثابة الأب البديل، فقد أنقذها مّمن أرادوا الاعتداء عليها ووفّر لها الحماية والملجأ في منزله.

ولكن بعد أن تنتهي امرأة من رواية قصتها، يقفز نحوها فجأة يريد اغتصابها، لكنها تطلق عليه الرصاص لينتهي الفيلم من دون أن نفهم لماذا اختار مخرجه نهاية هزيلة كهذه أفسدت فيلمه الذي بدا رصينا، رغم إفراطه في مشاهد الصدمة المجانية؟

البدايات لا تتعلق فقط بالأفلام، بل وبعمل المخرجين أيضا، فمخرجون كثيرون يبدأون حياتهم الفنية بأعمال شديدة الجرأة والجاذبية، لكنهم ينتقلون لإخراج أعمال أقل كثيرا في مستواها، ويكون الاختيار عادة اختياريا.

المخرج المصري حسين كمال مثلا، درس السينما على أعلى مستوى في معهد السينما الفرنسي، ثم عاد ليخرج فيلما شديد الطموح هو “المستحيل” عن رواية مصطفى محمود الذي كان يناقش موضوعا وجوديا فلسفيا، وبعده أخرج فيلما لا يقل طموحا هو “البوسطجي”، ثم “شيء من الخوف”، الذي أصبح من أشهر الأفلام عند الجمهور حتى يومنا هذا، وكان يتناول العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وتتردّد فيه عبارة أصبحت من العبارات الشهيرة المأثورة التي تتناقلها الأجيال هي “زواج فؤادة من عتريس باطل” وكان يردّدها في الفيلم شيخ القرية وهو يقود الأهالي في مظاهرة ضد العمدة الظالم، وقد أصبحت العبارة رمزا للاحتجاج على الظلم!

إلاّ أن حسين كمال تألم كثيرا بعد أن رأى – حسب روايته – الجمهور في سينما شعبية وقد أخذ يعبر عن غضبه الشديد ضد فيلم “البوسطجي”، ممّا دفعه إلى القفز ليخرج “أبي فوق الشجرة” الذي حقّق نجاحا تجاريا كبيرا، وظل حتى وفاته يخرج أفلاما تجارية لم يصل أي منها إلى مستوى أفلامه الأولى. والمفارقة أن “البوسطجي” أعيد اكتشافه في ما بعد وأصبح من أكثر الأفلام المصرية التي يحبها الجمهور.

16