البدري فرغلي سياسي مصري يُحرج الحكومات حيا وميتا

نائب الغلابة الذي كسر رحيله الحظر الصحي والأمني معًا.
السبت 2021/02/20
نصير العمال والمتقاعدين

عاش النائب البرلماني المصري السابق البدري فرغلي حياة دراماتيكية بامتياز، تمثل ثروة لكتاب السيناريو ومحبي السير والباحثين عن الحقوق. غير أن تتبع سطورها ليس سهلا منظوما، بل متفرقا بين كثرة الدروب والحقوق والمريدين والمنصورين على يديه، شحيحة في الرواية عن نفسها، ومشغولة دائما بالحديث عن الناس.

في الوقت الذي تفرض فيه الحكومة المصرية إجراءات لمنع التجمهر، لمواجهة فايروس كورونا ولدواع أمنية، لم تستطع في 15 فبراير الجاري أن تمنع تجمهرا من نوع خاص، اعتاد صاحبه أن يهتف طلبا للحقوق، مازجا الجد بالنكات، لكنه كان صامتا محمولا على الأكتاف إلى مثواه الأخير، في مشهد مهيب يليق بصاحبه الملقب بنائب الغلابة ونصير العمال والمتقاعدين في مصر.

مرشّح دون إرادته

اعتاد فرغلي الذي رحل عن عمر يناهز 74 عاما أن يُحرج الحكومات المتعاقبة، فقد كان النائب البرلماني الأشهر شعبيا لكثرة استجواباته للوزراء والمسؤولين في البرلمان، حتى سطرت في الوجدان الشعبي وزنا خاصا له ومكانة لم يبلغها غيره.

مكانة البدري ليست مستندة لاستجوابات ارتبك لها الوزراء في حكومات ما بين عام 1990 وحتى عام 2012 في مصر، حيث كانت نهاية عهده بالبرلمان، بل كسب مكانته تلك بمسيرة حافلة حافظت على ديمومتها لاحقا، ولم تشهد تحولات فجائية أو خطوط صعود وهبوط، بل ميزها الثبات.

على خلاف عادة السير المعروفة بكثرة التعرجات وجذب الأنظار بتحولاتها كان البدري من بينها خطا مستقيما، فلم ينحن لسلطان أو يصعد لجاه، ولم يتخل عن هيئته البسيطة العاكسة لبيئة فقيرة نشأ فيها ورفض أن يترفع عنها بدعوى المطالبة بحقوقها، بل انغمس حتى النهاية في معايشة تلك الحقوق، سواء أكانت حاضرة أو مهدورة.

فرغلي يقدّم نموذجا فريدا من المناضل اليساري الذي يفضل الفصل بين الدين والسياسة، لكنه لم يستغن عن تدينه الشعبي، وكان أقرب ما يكون إلى رجل الشارع وليس إلى سياسيين يحتاج الرجل العادي إلى معاجم لفهم أحاديثهم

في الحوار العميق الذي جلس البدري متحدثا فيه عن نفسه مع الإعلامي محمود سعد في برنامج “باب الخلق” قبل عامين سأله سعد عن سر انحيازه إلى الناس، وكان يقصد الفقراء منهم، فاعترضه الرجل وأجاب بتلقائية شديدة “أنا لست منحازا إلى الناس، أنا واحد منهم”.

ولأنه “واحد منهم” -أي الناس، وتحديدا أبناء محافظته بورسعيد في شمال شرق القاهرة- كان البرلماني الوحيد تقريبا الذي لم ينفق جنيها واحدا على الانتخابات أو الدعاية، ومثل المحافظة في 4 دورات برلمانية، وكان انتخابه ودعمه ودفعه إلى المشاركة عملا أهليا خالصا ومشروعا لأبناء المدينة “الباسلة”، وهو اللقب الذي عُرفت به مدينة بورسعيد التي أظهرت بسالة نادرة في مقاومة العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي عليها عام 1956. قال فرغلي ببساطته المعهودة “لم أدفع جنيها واحدا، كان الناس يكتبون لي في الصحف والبلكونات والشوارع”، مشيرا إلى أنهم كانوا يدعونه للترشح.

لم تقدم بورسعيد فقط سيرة كفاح فريدة في وجه العدوان الثلاثي أو في حروبها العديدة -من هزيمة 1967 إلى حروب الاستنزاف، وحتى النصر في حرب أكتوبر 1973- بل واصل شعبها العطاء بمشروع جديد صيغ داخل الميناء الشهير التابع لها على البحر المتوسط، حيث عمل البدري فرغلي طفلا ومراهقا وشابا في أعمال الشحن والتفريغ في هذا الميناء، حتى وصوله إلى البرلمان.

حمل مشروع تحويل هذه المدينة إلى سوق حرة، في ما يسمى “عصر الانفتاح” الذي أعلنه الرئيس الراحل أنور السادات منتصف السبعينات من القرن الماضي، عناء للعمال والطبقات الفقيرة والمهمشة، وجعلها عنوانا للمعارضة داخل البرلمان بصوت البدري فرغلي، أو نائب بورسعيد، الذي حقق مكاسب نوعية للملايين من أصحاب المعاشات والمتقاعدين.

لم يكن محل عجب أن تخرج الجموع الغفيرة في وداع فرغلي لمثواه الأخير؛ فهي لم تودع شخصا عاديا، بل أعلنت عن قوتها وقدرتها على تقديم نماذج أخرى مثل فرغلي، وبذلك كانت أولى بحمايته وصونه وتقدير سيرته ومحاكاتها.

صديق البسطاء

اسم فرغلي يرتبط بأصحاب المعاشات، على اعتبارها آخر قضية تبناها وأنجزها، لكن ذلك لا يمحو أعواما طويلة قضاها كقائد يدافع عن العمال ضد مشروعات الخصخصة والتسريح من العمل وهدر الحقوق
اسم فرغلي يرتبط بأصحاب المعاشات، على اعتبارها آخر قضية تبناها وأنجزها، لكن ذلك لا يمحو أعواما طويلة قضاها كقائد يدافع عن العمال ضد مشروعات الخصخصة والتسريح من العمل وهدر الحقوق

يرتبط اسم فرغلي بأصحاب المعاشات، على اعتبارها آخر قضية تبناها وأنجزها، لكن ذلك لا يمحي أعواما طويلة قضاها كقائد يدافع عن العمال ضد مشروعات الخصخصة والتسريح من العمل وهدر الحقوق.

يقول ابنه ياسر فرغلي لـ”العرب” إن والده حين عجز عن التصدي للخصخصة وبيع القطاع العام بكى حزنا على ضياع أملاك الشعب، وعندما واجه بيع مجمع الألومنيوم في نجع حمادي بجنوب مصر كتب له العمال وثيقة بالدم كشكر له، لافتا إلى أن تلك الوثيقة مازالت الأسرة تحتفظ بها في مكتبته.

أما بخصوص معركة المعاش فبفضل فرغلي حصل المتقاعدون على معاش يماثل الحد الأدنى للأجور ويقدر بـ1200 جنيه، بعدما كان لا يتجاوز لدى الكثيرين نصف ذلك المبلغ، عقب صولات وجولات مع الحكومة في قاعات المحاكم.

قبل يومين فقط من وفاة فرغلي كان قائما للتو من عملية جراحية في قدمه، مكث على إثرها يومًا في قسم العناية المركّزة، وأصر صبيحته على أن يسافر إلى القاهرة لحضور إحدى جلسات قضية على صلة بأزمة المعاشات تسمى “العلاوات الخمس”. حاول القريبون منه منعه من الذهاب، لكنه رفض، وأثار حضوره تعجب القاضي نفسه، وسأله لِمَ حضرت وأنت في تلك الحالة؟ فرد “جئت خوفا من الحق (الله) على حق الغلابة”. كان ذكر الله حاضرا دائما في أحاديثه وجلساته، وحين سئل متى تكف عن النضال؟ قال “من المهد إلى اللحد، أومّال أروح هناك أقوله إيه، أنا بخاف قوي من ربنا (فماذا سأقول له هناك في الدار الآخرة؟ أنا أخاف من ربّنا خوفا شديدا)”.

صاغ فرغلي نموذجا فريدا من المناضل اليساري، فقد كان عضوا في منظمة الشباب الاشتراكي وهو في سن السابعة عشرة، وانخرط في السياسة من نافذة حزب التجمع الممثل لليسار المصري رسميا في ذلك الوقت، والذي يفضل الفصل بين الدين والسياسة، بل وبعضه يرى في الدين مادة للإلهاء والتسكين، لكن فرغلي لم يستغن عن حسه الديني أو تدينه الشعبي، فكان نموذجا أقرب ما يكون إلى رجل الشارع وليس إلى سياسيين يحتاج الرجل العادي إلى معاجم لفك ما استغلق من أحاديثهم.

ويواصل ابنه الأكبر الحديث عن معارك والده السياسية قائلاً “سألته في إحدى معاركنا السياسية وكانت معركة قاسية جدا خلال انتخابات مجلس الشعب عام 2005: لماذا كل هذا القتال من أجل مصالح الناس؟ لماذا نموت من التعب؟ فأجاب: هل تعرف من يمر مِن على الصراط أسرع من النبيين والشهداء؟ فابتسمت وقلت: من؟ فأجاب: القائمون على حوائج الناس”.

كانت العائلة في حياة فرغلي هي المنهل الأول للتأثير والتأثر، فقد ولد لعائلة كبيرة مكونة من ستة أشقاء آخرين. كُتب عليه العمل منذ صغره، وحصل على الشهادة الابتدائية فقط، ثم شرع في العمل للمساعدة في الإنفاق على أسرته.

عمل في ميناء بورسعيد في مجال الشحن والتفريغ، أي في ظل بيئة مليئة بالحيوية والسياسة عقب العدوان الثلاثي على مصر، وشب ثوريا مؤمنا بحريتين؛ حرية أرضه من العدو وحرية الزملاء من الاستغلال.

عرف الرجل بلسانه الطليق والمناداة بالحقوق بين زملائه، وكان متحدثا باسمهم، حتى أنشأ معهم أول نقابة لعمال الشحن والتفريغ، وتولى منصب نقيبها أو رئيسها. وعقب إحدى ندواته التي هاجم فيها محافظ بورسعيد قالت له أمه مقولة ظلت تتردد في أذنه طويلا “إذا تكلمت لا تسرق، وإذا سرقت لا تتكلم”، فاختار من حكمة أمه شطرها الأول وتعهد بأن يظل نظيف اليد ليكون طليق اللسان. وكانت وصيته لأسرته أن تسامح دائما، وكان دائما يقول لهم “سامحوا الناس، فقد سامحت خصومي قبل أصدقائي”.

اعتقالات وسجالات

الحكومة المصرية التي تفرض إجراءات لمواجهة فايروس كورونا ولدواع أمنية، لم تستطع في 15 فبراير الجاري أن تمنع تجمهرا من نوع خاص، اعتاد صاحبه أن يهتف طلبا للحقوق، لكنه كان صامتا محمولا على الأكتاف
الحكومة المصرية التي تفرض إجراءات لمواجهة فايروس كورونا ولدواع أمنية، لم تستطع في 15 فبراير الجاري أن تمنع تجمهرا من نوع خاص، اعتاد صاحبه أن يهتف طلبا للحقوق، لكنه كان صامتا محمولا على الأكتاف

قضى فرغلي نحو خمسة أعوام ونصف العام من حياته قيد الاعتقال، ولم تكن على دفعة واحدة أو مدفوعة بقضية لها دلائلها وقرائنها، بل كانت اعتقالات سياسية دون محاكمات، تدوم ما بين ستة إلى ثمانية أشهر، ثم يُفرج عنه، ويعود مجددا وهكذا.

روى عن تلك الأيام قائلاً “كانت أفضل أيام حياتي، كنا نجلس ونغني ونتناقش ونقرأ، أصحاب الرأي والفكر كلهم كانوا رفقائي في السجن. لا يوجد سجن في مصر أو معتقل لم أدخله، فقد سُجنت 11 مرة”.

ويخص فرغلي بالذكر سجن الزقازيق، في شمال القاهرة، الذي دخله من أجل أبيات من الشعر كتبها ثم قرأها على الشاعرين عبدالرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، لكنهما طلبا منه عدم كتابة الشعر ثانية، ليس كي لا يكرر تجربته مع المعتقل، فقد كانا من الحكمة ليعتقدا أن مثله سيكون ضيفا دائما فيه، لكن لأن ما كتبه “ليس شعرا”. ومن كلماته التي اعتبرها شعرا “عرفيهم يا حبيبتي مهما يبنوا من قصور من عظام المحرومين/ مهما علوا مهما يبنوا ألف سور/ مش هيعموا عيون ولاد الحواري”.

ولسخرية القدر أو اختباره له ولنضاله الفريد فقد الراحل بصره في عام 2011، إثر تناوله وجبة مسمومة، ولم تُفلح محاولات استرداده، غير أن ذلك لا يأتي سوى كهامش في مسيرته، لأنه لم يترك أي أثر في رحلته أو عطائه، فقد بدأ معركة المعاشات بعد ذلك الفقد، وظل يذهب ويجيء ويناضل دون بصر لكن ببصيرة.

مكانة فرغلي ليست مستندة لاستجوابات ارتبك لها الوزراء في حكومات ما بين عام 1990 وحتى عام 2012 في مصر، حيث كانت نهاية عهده بالبرلمان، بل كسب موقعه عند الناس بمسيرة لم تشهد تحولات فجائية أو خطوط صعود وهبوط، بل ميزها الثبات

حرمه فقدان البصر فقط من اعتلاء الدراجة الشهيرة التي كانت وسيلة تنقله الرئيسية في مدينة بورسعيد، أما جلسته فكانت في مقهي “سمارة” في شارع أوجيني بالمدينة، وأوصى بإقامة عزائه في هذا المقهى، حيث كان يجلس ليستقبل الناس وشكاويهم، حتى بعدما ترك البرلمان.

لا يفضل المسؤولون في مصر هذا النوع من النواب، ولذلك يقول الكاتب الصحافي مصطفى السعيد عن فرغلي “كان النجم المتألق في استجواباته للوزراء، والتي كانت ترجف الحزب الوطني والحكومة، لأنه كان سريع البديهة، يتمتع بخفة ظل مع شعور بقوة الحق، يعززها أنه نظيف الذمة، لا يسعى لمكسب شخصي ولا يساوم”.

وروى الصحافي محمد الشحات موقفا لفرغلي حين كان نائبا مع وزير مجلس الشعب والشؤون النيابية، كمال الشاذلي، حيث وقف الأخير يرد على أحد استجواباته النيابية حول رئيس الوزراء، ولم يعجب فرغلي رده، فقال ساخرا “الحكومة أرسلت لنا وزير بلا حقيبة”، ويقصد مهام واضحة أو معلومات، فضحك النواب.

وبعد الجلسة ذهب الشاذلي إليه، وقال له وهو يضغط على حروفه “أنا يا بدري وزير بلا حقيبة؟”، وبخفة دم وسرعة بديهة رد “متزعلش يا سيادة الوزير، أنا والنية لله هجيب لك أحسن حقيبة من بورسعيد المرة اللي جايه”.

ولشدة ارتباطه بالفقراء قال له أحد وزراء الإسكان “إنت غاوي فقر”، فأجاب فرغلي “لا تخطئ بحق الفقر. هذا صديق ملازمني من ساعة ما اتولدت لغاية دلوقتي”.

مع كل ذلك لم يفكر فرغلي في كتابة مذكراته، لأنه لم يعتبر نفسه سوى خادم للناس، فرفعه الناس على أكتافهم، وهزت جنازته الصمت السياسي في بورسعيد، ومصر كلها.

12