البدوي الأخير

الاثنين 2014/11/17

هو آخرهم، ولن يأتي بعده من كان مثله يحمل في قلبه ضمير المثقفين العرب الملتزمين بتراثهم والمدافعين عن آخر قلاع العروبة الأصيلة، اللهم إلا إن كان سينهج نهجه.

هو ذاك المثقف الذي لم يمنعه انفتاحه على الثقافات المختلفة وبالذات الغربية، عن رعاية مشغولات امرأة بدوية أو قروية في أعماق صحارى الجزيرة العربية.

وهو ذلك المميز الذي مزج بين الثقافتين الغربية والشرقية عبر رعاية أعمال ساهمت في مواجهة ما يسمى بصراع الحضارات، فقربت الغرب للشرق والشرق للغرب.

هو من ساهم بجهوده وبتنفيذه لتوجيهات قادته في الإمارات في صنع ملحمة ثقافية إماراتية رفعت من اسم دولته عاليا، مزحزحاً الفكرة المسبقة للغربي عن العرب في أعمال بينت أن للإسلام عدة وجوه حضارية تسمو على وجه داعش ومموليها الكالح.

رحل وترك في العين دمعاً لا يني يُذكر به.

رحل أبوخلف، محمد بن خلف المزروعي تاركا وراءه حديقة من أزهار المحبة والود، زكية الرائحة وأخبارا طيبة على كل لسان. وفي هذا قدر الله وإرادته.

كيف يمكن وصف هذا الرحيل المفاجئ من قبل من أحبه الناس وأصبح الصديق المخلص لمئات من المثقفين والإعلاميين العرب؟

هو الرجل الذي لا يعرف أن يقول لا لمحتاج، ولا أن يبخل بنصيحة لمضطرب.

لم يعامل أحدا حسب ديانته أو عرقه. رأيته في مجلسه العربي والغربي. ورأيته يحنو على من مر على صالونه وهو مكسور.

رأيت أبا خلف كيف ينتشل بيديه الضائعين والفاقدين بوصلتهم الوطنية ويعيدهم على جادة الصواب، وهمه أن يبذل قصارى جهده في جعلهم أقوياء.

رحيل أبي خلف لم يكن خسارة للإمارات وحدها التي شهدت نشأته، وأحبته كثيراً، بل للعرب والثقافة العربية.

ما من أحد يشغل مكان أحد، وخسارة الرجال الفريدين لا تعوض، لكن الطريق تتسع للعابرين على خطى بعضهم في تطلعهم إلى تحقيق القيم السامية، والأفكار المضيئة.

المشكلة الكبرى مع هذا الرجل أنه ظلم أناسا كثيرين بأن جعلهم يحبوه صادقين، من قلبهم، بما سبقهم إليه ليثبت لهم بالأعمال أن الرجال أفعال قبل أن يكونوا أقوالاً، وأن هناك من يجعل للصداقة معنى ساميا، فلا تبلى الصداقة ولا تبلى ذكراها. في الحديث الشريف “الناس أخبار. طيبوا أخباركم”. ما أطيب أخبارك أيها الراحل الغالي.

نم بسلام واتركنا نف الوفاء والذكرى حقهما علينا.


كاتب صحافي سعودي

9