البذاءة رد مبرر

ضروري أن يعلم “الذين يخافون الله” أن العهر الحقيقي هو أن يكونوا مزدوجي الخطاب ليس لهم مبدأ؛ إذا قال القطيع نعم فالأمر حق وإذا قال لا فهو باطل.
الأربعاء 2018/12/12
المشهد المسرحي أصبح موظفا في معركة انتخابية

فجأة دون سابق إنذار، نزع الممثل المسرحي ملابسه كلها خلال عرض مسرحي على ركح مسرح مدينة تونس في إطار أيام قرطاج المسرحية حتى يحرك العالم ساكنا، العالم الذي لم تهمه الحرب يوما حتى في أبشع صورها.

مثل المشهد الذي دام عشر دقائق فقط “صدمة”؛ فقد وقف الرجل “قلما” (وهو تعبير تونسي يعني “عاريا كيوم ولدته أمه”) أمام الجمهور تعبيرا عن رفض حكم الدكتاتور في سوريا.

كان الموقف استفزازيا إلى أبعد حد حتى أنه قسم التونسيين بعد أن أصبح حديث الساعة. قد يكون الموقف بذاءة فنية ردا على “بذاءة” العالم، وفق بعض المعلقين.

لكن معلقين آخرين حولوا المشهد إلى أمّ القضايا الصالحة للاستثمار الأخلاقي خدمة لـ”من يخافون الله”.

وأصبح المشهد المسرحي موظفا في معركة انتخابية قذرة قبل أوانها يحشد فيها “من يخافون الله” أنصارهم ضد المارقين عن الدين والأخلاق والمجتمع.

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فقد ذكّر الأمر بمظاهرات حرّاس الأخلاق عام 2011 حين حاولوا مهاجمة مقر محطة التلفزيون الخاصة “نسمة” إثر بث الفيلم “برسيبوليس” وهو فيلم رسوم متحركة إيراني صور مأساة وواقع هذا العالم في خطوط بسيطة لكنَّها مقنعة وواضحة جدًا، منقولة من خلال حديث الطفلة مارجي مع الله، الذي ظهر في الليل مطلاً على سريرها.

لم يتظاهر “الذين يخافون الله” هذه المرة كما تظاهروا سابقا ولم يتباكوا على الدين الذي ضاع ولا على الأخلاق التي قبرت لكنهم لجأوا إلى أسلوب جديد؛ لقد أصبحوا يستخدمون كل أنواع الشتائم لتخوين معارضيهم ونعتهم بالعهر خاصة.

فقد أصبح “التييييت” -ذلك الصوت الذي يعوض بعض الكلمات البذيئة- علامة مسجلة في تونس لأن البذاءة باتت أسلوب حياة.

الواجب الآن هو الرد على هؤلاء بما يفقهون، لأن الكلام البذيء أحيانا يكون رد فعل طبيعيا ومبررا على أفعال وأقوال حراس الأخلاق المتناقضة الذين يسعون إلى صناعة المتدين المهتم حصرا بالرسوم والأشكال يستفز ويجن جنونه ويسب بأبشع الصفات إذا رأى رجلا عاريا فوق خشبة مسرح في إطار عمل فني لم يطلب منه أحد مشاهدته، ولكنه لا يحرك ساكنا وهو يرى طفلا عاريا حافيا مشردا يبحث عن لقمة داخل صندوق القمامة.

ضروري أن يعلم “الذين يخافون الله” أن العهر الحقيقي هو أن يكونوا مزدوجي الخطاب ليس لهم مبدأ؛ إذا قال القطيع نعم فالأمر حق وإذا قال لا فهو باطل. بات ضروريا أن يعوا أيضا أن العهر الحقيقي هو اختصار التدين في الشكل دون المضمون.

24