البراءة المتأخرة لطارق الهاشمي

السبت 2016/05/21

حدثان نحتاج التوقف عندهما والنظر إلى الأزمة العراقية بالأمل القليل في تصدع جدار العزل الذي فرضته إيران بين حقيقة ما يحدث في العراق والمجتمع الدولي.

من خلال أتباعها في العملية السياسية رسخت إيران وهم استقلال الدولة العراقية بعد الانسحاب الأميركي عام 2011، وخدعت المجتمع الدولي للتعامل معه على أنه واقع. لم يعد ما يتداوله الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن الإشراف المباشر لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، على السياسة في العراق، المؤشر الوحيد على التدخل الإيراني في العراق، ولا تصريحات جنرالات الحرس الثوري الموغلة في التجاوز على استقلال الدولة العراقية مؤشر على تقاسم إيران وتنظيم داعش احتلال العراق، إنما جاءت هتافات جماهير التيار الصدري الشيعي وأنصاره ضد إيران لتفضح للعالم حقيقة وهم الدولة العراقية وسياستها وحكومتها.

هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الدولي فإن رفع الإنتربول للشارة الحمراء عن نائب رئيس الجمهورية الأسبق، طارق الهاشمي، وتبرئته من تهم الإرهاب التي وجهها إليه القضاء العراقي حدثان يحتاجان من المجتمع الدولي التدخل في الشأن العراقي وتصحيح ما تركته الولايات المتحدة في العراق. قضية طارق الهاشمي ليست قضية شخصية انتهت بنهاية التهمة الموجهة ضده. قضية الهاشمي مؤامرة قام بها رجال حزب الدعوة من أجل تمرير قرارات معطلة بفعل الخلافات السياسية وأهمها ما يتعلق بالإعدامات وفضائح الاغتصاب والتعذيب التي طالت العراقيين السنة في السجون ومنها السجون السرية لنوري المالكي.

بعد انتخابات 2010 أثار إصرار عضو حزب الدعوة الإسلامية، خضير الخزاعي، على أن يكون النائب الثالث لرئيس الجمهورية، سخرية الإعلام والشارع العراقيين. الخزاعي لم يحصل في الانتخابات على الأصوات التي تؤهله لمقعد في البرلمان، فكيف يمكن أن يطالب بإصرار بمنصب نائب رئيس الجمهورية؟

كيف يمكن أن يكون حدث خطير كهذا عابرا في نظام دولة وتشكيل حكومة؟ في الحقيقة كان الحدث الخطوة الأولى لتهيئة خضير الخُزاعي لرئاسة الجمهورية. في تلك الأثناء كان الرئيس جلال الطالباني يعاني من مشاكل صحية منها الزيادة المفرطة في الوزن والشيخوخة وغيرهما مما يجعله مقبلا على أزمة صحية قد تمنعه من ممارسة عمله لبعض الوقت. وبناء على الدستور العراقي فإنه في حالة غياب رئيس الجمهورية لأي سبب يمنعه من ممارسة عمله، يتولى نائب الرئيس إنجاز مهماته لمدة ثلاثين يوما من غيابه، ثم يتم بعدها انتخاب رئيس جديد في حالة تجاوزه للمدة المقررة في الدستور.

لم يكن من الصعب على إيران ونوري المالكي إقناع أو إجبار القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي والنائب عن التحالف الوطني، عادل عبدالمهدي، بالتخلي عن منصب النائب الأول لرئيس الوزراء، فقد ذكر القيادي في الجبهة التركمانية والنائب عن القائمة العراقية نبيل حربو بأن عبدالمهدي أرسل كتابا إلى جلال الطالباني، يطلب فيه انسحابه من منصب نائب رئيس الجمهورية، ولم تتوضح أسباب تقديم الكتاب وأن التخلي عن المنصب كان بسبب خلافات داخل التحالف الوطني. في الحقيقة كان الهاشمي العقبة الحقيقة في طريق تولي خضير الخُزاعي لرئاسة الجمهورية وتوقيعه على القرارات المعطلة في حالة أي غياب مفاجئ للرئيس.

لم يكن قرار إزاحة طارق الهاشمي من منصبه أصعب من إزاحة عادل عبدالمهدي، لكن من الصعب التكهن بخطورة النتائج وإمكانية السيطرة على ما سيتبعها كردة فعل للمكون السني الذي يمثله الهاشمي في السلطة. اتهام المالكي لخصومه بالإرهاب، وممارسة الضغوط على القضاء العراقي لتبني التهمة قضائيا كانا من أسهل الطرق التي سلكها المالكي للتخلص من خصومه، رغم أن الهاشمي لم يكن خصما له في ذلك الوقت ولكن للضرورة أحكام.

قرار الإنتربول المتأخر ببراءة الهاشمي لا يكفي لتحقيق العدالة التي حُرم منها العراقيون الذين قتلوا بسبب التعذيب أو توقيع خضير الخُزاعي على قرارات إعدامهم. براءة الهاشمي لا تكتمل إلا بمراجعة جميع القرارات التي وقّع عليها الخُزاعي أثناء غياب الهاشمي بتهمة الإرهاب وجلال الطالباني بسبب إصابته بمرض غير قابل للشفاء. خضير الخُزاعي والمالكي ليسا متهمين بالتجاوز الدستور والتكتم على حقيقة حالة الرئيس الصحية، ولكن بالتآمر للاستيلاء على منصب الرئيس واستغلال صلاحياته في السلطة بما يخدم مصالحهما وحزبهما في إدارة الدولة.

كاتبة عراقية

9