البراءة نقطة ضعف الكاتب ونصه أمام محكمة القراء

قدر الأعمال الأدبية أن تظلّ محكومة بالتأويلات والقراءات المتباينة، البريئة منها والمتجنّية، والباحثة عن تحوير أو تأطير.
الاثنين 2019/04/22
الأعمال الأدبية محكومة بالتأويلات والقراءات المتباينة

هل هناك قراءة بريئة؟ وهل هناك كتابة بريئة بالمقابل؟ هل بالإمكان التعاطي مع النصوص بمعزل عن سياقاتها الزمانية والمكانية وظروف أصحابها ودوافعهم؟ ألا تُخرج القراءات الموجّهة المنطلقة من مواقف مسبقة الأعمال الأدبية من إطارها وتفرض عليها قيود التأويل والتوجيه؟

تختلف القراءة من قارئ لآخر، ذلك أنّ اختلاف القراءات يساهم في إثراء النصوص وإغنائها وإيجاد علامات مختلفة فيها، كما قد يضعها في خانة التأطير حين لا يحرّرها من سطوة الحكم المسبق الدافع للتنقيب في خباياها وقراءة ما بين سطورها.

لكلّ عمل أدبيّ مغازيه المتنوّعة، سواء كانت مغازي فنّيّة تجريبية أو سياسية أو فلسفية.. وتكون مقاصد مدفونة في عالم الكتابة المنسوجة بحكايات تحاول نقل رؤى صاحبها بأساليب مختلفة يلجأ إليها للإيحاء بالبراءة.

ربّما تكون محاولة الإيحاء بالبراءة أسلوباً يمنح الكاتب مخارج للتملّص من أيّ مساءلة محتملة، وبخاصة حين يعرض قضايا إشكالية متعلّقة بمحظورات دينية أو اجتماعية أو سياسية، فيكون تمثيل البراءة، أو تقنيع العمل بها، طريقة للوصول للقرّاء وتجاوز حواجز الرقابات المفترضة التي من شأنها إبقاء النصوص رهينة تأويلات سلبية.

يستخدم الكاتب أساليب متعدّدة في صياغاته، ويمكن أن يتحوّل أيّ أسلوب إلى نقطة للتشكيك عند مَن يقرأ العمل بغاية مبيّتة همّها اختلاق مواضع ضعف، وتصيّد لما يمكن أن يكون منافذ لتصغيره أو إبراز ضعفه وانعدام حيلته.

ضمير المتكلّم مثلاً قد يتحوّل إلى أداة للتشكيك بالكاتب وسيرته، وبرغم أنّه قد يستعمل للتملّص من قبل الكاتب، أو للإيحاء والإيهام بأنه حين يكتب به فإنّما يطوّعه لصالح بناء نصّه، وليس لانحسار خياراته السردية، أو عدم قدرته على تحميله لشخصية متخيلة مفترضة، بحيث تكون السيرة المتخيلة قناعاً لهندسة عوالمه الأدبية.

وحين يلجأ الروائي لضمير الغائب، فإنّه يستحضر امرئاً قد ينطبق على هذا القارئ أو ذاك، في هذا المكان أو في مكان آخر بعيد، ويكون الغائب صيغة لاستحضار الماضي بذكرياته المختلفة وعبره ودروسه، ليضخ فيه تجدداً من خلال ترهينه وبثّ روح فيه.

قد يتعرّض الكاتب لتحدّيات مختلفة وهو يصوغ عوالمه، وعليه تقمص الشخصيات التي يدوّنها كي يكون مقنعاً بتعبيره عنها، وكي لا يبدو وكأنّه سطحيّ لا يغوص إلى الأعماق، أو يخشى من التعمّق، أو يفتقر للعمق المتخيّل.

قد تكون هناك قراءة ما تصف المتكلم بأنه يفتقر للتجارب واقعياً، ويحاول التعويض عن ذلك في الكتابة، ويتقمّص شخصيات بعيدة كانت مصدراً للإلهام وملاذاً للأحلام لتقديم نفسه في سياقها ومن خلالها. وقد تظهر قراءة أخرى تصِم اللاجئ إلى صيغة الغائب بأنه متهرّب من مواجهة ذاته، والتعبير عن تجاربه وقناعاته وأفكاره ورؤاه بجرأة، وأنه يفتقر لروح المغامرة والمواجهة، لذا يقدّم دواخله بأساليب ملتوية.

ولا يخلو الأمر عند استعمال كلّ ضمير من قراءات مشككة، بعيدة عن روح النصّ، تلعن البراءة المفترضة، وتروم النبش في ما وراء الكلمات والضمائر لكشف ما يظنه صاحبها أنه يخفيه من أسرار متعلقة بالكاتب وماضيه، لكن المربك بالنسبة للكاتب هو التقيد بتلك القراءات التي تحاول تأطير خياله، وفرض رقابة قاسية عليه، بحيث يتردّد في اعتماد الأسلوب الذي يجده الأنسب لعمله والأقرب لروحيته، فيحاول إرضاء المشكّكين على حساب تضييع بوصلته.

يمكن الإشارة إلى أنّ زعم الانطلاق من البراءة في تدبيج العمل الأدبيّ نقطة ضعف له ولكاتبه، لأنّ أيّ عمل يكون بالضرورة حاملاً لرسائله ونوايا صاحبه ومغازيه المتناثرة بين ثناياه، بحيث يوحي بالبراءة لكنّه محمّل برموز تغني التأويل وتمضي به في رحاب الإثراء بالقراءات.

من جهة أخرى يستدعي الحديث عن البراءة حديثاً عن الاتّهام والجناية. ولطالما وصفت أعمال أدبية بأنّها تحمل كمّاً ما من التجنّي على فئة أو شريحة تقارب واقعها أو تاريخها، بحيث يكون الاتّهام بالتجنّي نوعاً من التبرّؤ ممّا قد يثيره العمل من حساسيات لدى مَن ينكش في خباياهم، أو ينقل صوراً من فظائع تعرّضوا لها أو قاموا بها.

هل يمكن توصيف بعض الأعمال بأنها جنايات أدبية، ولاسيما تلك التي تحرّض على العنف والكراهية والتنكيل بالآخر، ولكن مَن يملك السلطة لتصنيف الأعمال وفرزها والزعم بصلاحيتها أو فسادها، ووصفها بالسوء أو الحسن؟ أليست الأمور نسبية، وما يمكن أن يثير حفيظة بعضهم قد يكون باعثاً على الراحة لدى آخرين يرون فيها تجسيداً لتطلّعاتهم ورؤاهم حيال هذه القضية أو تلك؟

يختلف مفهوم البراءة والجناية بحسب القارئ والمؤوّل، ولكلّ ذرائعه ومبرّراته وتأويلاته التي يستقيها من تجربته وواقعه، بحيث يخرج العمل من إطار لآخر، بحسب الرغبة، فيصفه بالبريء أو المتجنّي، ولن يحتاج إلى أيّ مساءلة لأنّ حكمه مباشر ولا ينتظر أيّ تحكيم أو تقييم لاحق.

لعلّ قدر الأعمال الأدبية أن تظلّ محكومة بالتأويلات والقراءات المتباينة، البريئة منها والمتجنّية، والباحثة عن تحوير أو تأطير، بحيث يتراجع النصّ أمام نوايا القرّاء ومقاصد الكُتّاب، ويصبح شيئاً قابلاً للتجيير في سياقات مختلفة تتقاطع مع رغبات مَن يطوّعها لغاياته، ولعلّ هذا إحدى نقاط قوّة الأدب في ميادين الواقع والتاريخ.

15