البرادعي سياسي معاصر يلعب بقواعد كلاسيكية

السبت 2013/08/24
رجل يؤمن بالحوار

أنصار د.محمد البرادعي وأعداؤه كلهم لا يحترمون الحياد والموضوعية عند الحوار والمناقشة حول شخصيته ومواقفه سواء الدولية أو الاقليمية أو المصرية الداخلية، حيث يقدسه أنصاره للدرجة التي يصعب معها مجرد مراجعة أيّ من أقواله أو تصريحاته أو مواقفه، أو تصحيح بعض مما يثار حول أفكاره ورؤاه.

ويرى هؤلاء أن نظام حسني مبارك وأنصاره وراء تشويه سمعة البرادعي، باعتباره أول شخصية دولية ومصرية رفيعة المستوى تطالب علنية برحيل مبارك ونظامه وتقف في وجه مشروعه لتوريث ابنه، وتعلن ترشحها للرئاسة، وتفتح الطريق نحو تطور فاعل وحوار وتكاتف الحركات الثورية الشبابية التي كان لها الفضل في قيام ثورة 25 يناير والإطاحة بمبارك ونظامه.

من جانبهم، أعداء البرادعي لا يتراجعون أو يتوقفون عن اتهامه بالجهل ببنية المجتمع المصري وتركيبته وما أصاب الدولة المصرية وعلاقاتها العربية والإقليمية في العقود الماضية، فالرجل عاش معظم عمره البالغ 68 عاما في الخارج، وعندما أعلن العودة والترشح للرئاسة في 2010 لم يكن لديه أكثر من خطوط عامة لا ترقى لمستوى البرنامج الواضح، بل يرفض وضع برنامج، وأن مشاركته في ثورة 25 يناير والإعداد لها لم تتجاوز التصريحات المشجعة والمؤيدة للشباب، فضلا عن اتهامات بالعمل وفقا للإملاءات الغربية والأميركية والانتساب إلى الماسونية العالمية، ويذهب بعضهم إلى تحميله مسؤولية تدمير العراق واحتلاله في 2003، والتحالف مع جماعات الإسلام السياسي وتنظيماتها في مصر ومناصرتها قبل 25 يناير وما بعدها من باب إدماجها في الحياة السياسية والإصلاح، ثم التحالف معها في مواجهة مرشح النظام السابق ودعمه محمد مرسي رئيسا لمصر، وأخيرا بعد عزل مرسي من الحكم وإعلان الجماعة الإخوانية الحرب على مصر وجيشها، خرج للمطالبة بالحوار والمصالحة معها في إطار صفقة تسمح للرئيس المعزول وجماعته بخروج آمن وفقا لحوار له مع واشطن بوست، ثم هدد بالاستقالة حال فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، ثم استقال بالفعل فور البدء في فض الاعتصام.

الواقعة الأسوأ

ما يُحزن في أمر بعض الأعداء أنهم أحيانا لا يتورعون عن المساس بحياته الأسرية والعائلية، وتعد الواقعة الأسوأ تلك التي أعقبت إعلانه الترشح للرئاسة، وكان وراءها نظام الرئيس مبارك، ففي أغسطس 2010 نشرت صفحات على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك صورا خاصة لابنته ليلى خلال حفل زواجها من مصري يقيم في بريطانيا، وتظهر في إحداها كؤوس من النبيذ على طاولة العشاء، وصور أخرى تظهر فيها ليلى بلباس البحر مع زوجها الشاب، وهو ما أثار ضجة كبيرة واعتبرها البرادعي حملة يردّ بها نظام مبارك على من ينادي بالديمقراطية التي هي السبيل الوحيد للحرية والإصلاح الاقتصادي والعدل الاجتماعي ومعاملة المواطنين على أنهم بشر لهم حقوقهم الآدمية.

ولكن ما جرى فور إعلانه الاستقالة من منصبه اعتراضا على فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة، كان بمثابة البركان الذي أجهز على صورة الرجل وتاريخه وشخصيته وأفكاره، فقد أصاب انسحابه الأغلبية المناصرة والمؤيدة له بصدمة مروعة، ليتحول الكثير منهم إلى صفوف أعدائه، وتتصاعد حدة الاتهامات والهجمات المنتقدة لتصف قراره بالخزي والعار والتواطؤ، فليس هناك ـ من وجهة نظرهم ـ من معنى لقرار استقالته في وقت تواجه فيه البلاد حملة شرسة خارجية وداخلية من إرهابي الجماعة الإخوانية وحلفائها إلا أن يكون عميلا أميركيا، وعقدت الكثير من المقارنات بين موقفه من غزو أميركا وحلفائها للعراق واحتلالهم له وموقفه الحالي، حيث لم يقدم استقالته من وكالة الطاقة الذرية عند احتلال العراق، في حين يقدمها انتصارا للإرادة الأميركية وتبنيا لدعمها لإرهاب الجماعة الإخوانية وحلفائها، لتكون النتيجة أن الرجل باستقالته حافظ على مكاسبه مع أميركا والغرب الداعمين لجماعة الإخوان وبقائها إن لم يكن في الحكم فعلى الأقل في مراكز صنع القرار الأخرى.

التماس مع الحقيقية

كلا الفريقين الأنصار والأعداء يمثلون النخب السياسية والثقافية، وكلاهما يعترك في الغرف المغلقة وعلى شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد والفيسبوك وتويتر، أي خارج دائرة التماس الحقيقية مع مجتمع يعاني من الفقر والأمية والجهل، الأمر الذي جعل الرجل غائبا وغير ذي تأثير، وبعيدا عن تحقيق شعبية سواء بالسلب أو الإيجاب، فالأغلبية العظمي لا تكاد تعرفه أو تسمع به.

ومن ثمّ فإن معارك الأنصار والأعداء ظلت "جعجعة بلا طحين"، وهو ما يشكل خسارة كبيرة لأن للرجل حقيقة ـ وفقا لحواراته الصحفية والتلفزيونية ـ قيما ومبادئ تشكل رؤية مستقبلية حكيمة ومعتدلة يمكن في حال تمكنه من تطبيقها أن تدفع مصر نحو بداية حقيقية للنهضة.

تشكل وعي البرادعي في إطار الطبقة الوسطى التي كانت في فترة طفولته وشبابه تشكل القلب من النسيج الاجتماعي، تنفتح على الآخر وتتعايش مع مختلف الأعراق والديانات والثقافات، وتحتفي وتقدر وتحترم الثقافة والفن والموسيقى والآداب والعلوم الدينية، وتؤمن بالحرية والديمقراطية سبيلا للرقي المجتمعي، جدّه كان أحد كبار العلماء بالأزهر الشريف، ووالده المحامي مصطفـــــى البرادعي تولى منصب نقيب المحامين لثلاث دورات متتالية، متدين، اصطـــدم بالرئيسين جمال عبد الناصر وأنـــور الســـادات انتصارا لدولـــة القانـــــون وطلبا للتعدديــة والديمقراطية باعتبارهمـــا السبيل الوحيدة لنهضـــة مصر، لم يخف من بطشهما بل قاوم طرقهما في إيذائــــه مؤكدا ثباته على مواقفه.

وكما كانت مواقف والده الوطنية مع النظامين الناصري والساداتي عاملا مهما في إثرائه وثباته على مواقفه، تركت مؤلفات طه حسين، فى نفسه أثراً كبيراً.

حيث رأى نفسه "في هذا الضرير الذي جاء من أسرة شديدة الفقر وحصل على الدكتوراه من السوربون نموذجاً للإنسان المصري الذى بنى نفسه بنفسه عن طريق الفكر والعلم والتميز"، تعلم في مدارس مصرية وتخرج في كلية الحقوق عام 1962، هو أكبر إخوته لذا ووفقا لقوله "نلت اهتمام والدي ووالدتي لأكون مثالياً، ثم توليت مسؤولية إخوتي الصغار، وكان هناك تركيز بأن أكون مجتهداً في الدراسة ونموذجاً وقدوة"، توظف في وزارة الخارجية سنة 1964 واستكمل دراسته الجامعية بأميركا حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي، استقال من وزارة الخارجية اعتراضا على بعض اتفاقيات كامب ديفيد، ليعمل مدرسا وأستاذا زائرا للقانون الدولي في مدرسة قانون جامعة نيويورك، والتحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1984 حيث شغل مناصب رفيعة منها المستشار القانوني للوكالة، ثم في سنة 1993 صار مديرًا عامًا مساعدًا للعلاقات الخارجية، حتى عين رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997 خلفًا للسويدي هانز بليكس وذلك بعد أن حصل على 33 صوتًا من إجمالي 34 صوتًا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة، وأعيد اختياره رئيسا لفترة ثانية في سبتمبر 2001 ولمرة ثالثة في سبتمبر 2005.

الارتباط بالقراءة

الانفتاح الفكري والثقافي الذي نشأ وعاش د. البرادعي في كنفه سواء في مصر أو خارجها، وحرص على الاستمرار عليه وتوسيع مجالاته ودوائره حتى الآن أثرى تكوينه المعرفي والإنساني وطوره، وانعكس على مسيرته العلمية والعملية، ففي سن الـ 19 حصل على بطولة مصر في رياضة الاسكواش، وارتبط بالقراءة فقرأ لكبار الكتاب والأدباء والمؤرخين وتأثر برؤاهم وأفكارهم المستنيرة مثل علي عبد الرازق وتوفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ومحمد شكري وطاهر بن جلون وبهاء طاهر وعلاء الأسواني، وعشق سماع الموسيقى الكلاسيكية والجاز، وأم كلثوم، ويذكر في حوار معه أن عبدالحليم حافظ أثر في تكوينه العاطفي أثناء شبابه، وأن حفيدته قدمت له أغاني محمد منير وعمرو دياب وأعجبته. في 2009 أعلن د. البرادعي نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المستحقة في 2012 وحتى وصوله إلى القاهرة يوم الجمعة الموافق 19 فبراير 2010 وحتى رحيل مبارك في فبراير 2011، دأب الإعلام المصري القومي على تشويهه في حملات بدت منظمة ومحرضا عليها، وعلى الرغم من محاولاته توحيد صفوف المعارضة المصرية لاتخاذ مواقف حازمة وحاسمة مع نظام مبارك إلا أنها خذلته بترددها وترديها في الأوضاع القائمة آنذاك، على سبيل المثال مشاركتها ـ رغم الاتفاق على المقاطعة ـ في الانتخابات البرلمانية 2010.

أسس الجمعية الوطنية للتغيير في فبراير 2010 مع مجموعة من السياسيين والشباب والمجتمع المدنيين والتي وقّع على بيانها "معا سنغير" المطالب بالتغيير مليون مواطن مصري، ومن هنا بدأ البرادعي يثبّت أقدامه في الحركة السياسية المصرية، لكن تغيبه الكثير عن البلاد جعله بالنسبة للكثيرين كأنه غير موجود، وهو ما خلخل بنيان الجمعية وأفقدها حضورها القوي، ليسارع إلى تأسيس حزب "الدستور" 2012، مؤكدا "الدستور شعاره عيش – حرية – كرامة إنسانية، وهدفه جمع الشمل، الفكر المستنير، تمكين الشباب، إنكار الذات، العمل الجماعى، المصداقية… معا سنغير".

لم تختلف مواقف البرادعي من نظام الرئيس الإخواني محمد مرسي عن مواقفه من الأنظمة السابقة ـ ناصر ـ السادات ـ مبارك ـ فقد أسهم حدث إعلانه "ضرورة رحيل نظام مبارك" في إشعال ثورة 25 ينايرفي مرحلة أولى، وحدث تأسيسه لجبهة الإنقاذ الوطني في مرحلة ثانية، وهي تكتل سياسي تشكل في 22 نوفمبر 2012 بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي وحصن فيه قراراته الرئاسية بصفة نهائية غير قابلة للطعن من أي جهة أخرى، تتشكل الجبهة من 35 حزب سياسي وحركة سياسية وثورية وجميعها ذات أيدلوجيات ليبرالية ويسارية، ثم إعلانه ـ في ديسمبر 2012 ـ بعد وقوع أحداث الاتحادية التي استشهد فيها 8 معتصمين على يد المليشيات الموالية لجماعة الرئيس، من خلال قوله أن "شرعية مرسي قد سقطت"، في ولادة ثورة جديدة اكتملت في 30 يونيو حيث نزل ما يزيد عن 30 مليون مصري مطالبين بإسقاط مرسي وعزل النظام الإخواني، فما كان من وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي إلا أن اجتمع مع ممثلي الشعب المصري ليخرج في حضرتهم بخارطة الطريق التي كانت أولى خطواتها عزل مرسي وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا رئاسة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

وأثناء تشكل الحكومة الانتقالية تردد كثيرا ترشيح د. البرادعي رئيسا للوزراء، لكن يبدو أن استطلاعات الرأي لم تكن معه، أو ربما هو شخصيا لم يشأ وضع نفسه كما يقولون في "وجه المدفع"، ليتم اختيار د. حازم الببلاوي مكانه، ويتولى د. البرادعي منصب نائب رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، وهو المنصب الذي حقق فيه نجاحا كبيرا حتى كانت تصريحاته للواشطن بوست، هذه التصريحات التي ما كان ينبغي له أن يدلي بها، والمرتبطة بصفقة تحقق خروجا آمنا للجماعة الإخوانية وعودتها للعمل السياسي، ثم تهديده بالاستقالة حال فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة، وعلى الرغم من الهجمة الشعبية الشرسة ـ لا أقول هجمة إعلامية أو سياسية بل شعبية ـ اتضح أن الرجل يتمسك بما يراه ويؤمن به من ثوابت فكرية وقيم ومبادئ إنسانية تقوم ـ وفقا لأقواله ـ على الحوار والمصالحة وعدم الإقصاء ونبذ العنف.

الثورية الكلاسيكية

أصر الرجل على استنفاد كل سبل الحوار والدعوة للمصالحة فاتحا الباب أمام القيادات المصرية والعربية والأجنبية للمحاولة، وهو الأمر الذي كبّده ـ أيضا ـ خسائر فادحة في أوساط النخب السياسية والثقافية المؤيدة له، التي رأت في أدائه التزاما بقواعد كلاسيكية لا تتوافق مع اللحظة الثورية الشعبية المفوضة لحكومته، وحرصا على توفير غطاء سياسي لممارسات غير قانونية من فئة أعلنت صراحة الحرب على حكومته والعمل على إفشالها لتعطيل خارطة الطريق لثورة 30 يونيو، وهو الأمر الذي بدا معه متناقضا مع موقفه من الإرادة الشعبية الراغبة في إعادة البلاد إلى مسارها الصحيح.

وأخيرا جاءت الطامة الكبرى عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، إذا تقدم باستقالته في الساعات الأولى لمعركة الشرطة المصرية مع إرهابي الإخوان، ولم يتراجع عنها بل أكدتها الرئاسة بقبولها لها.

وهو الأمر الذي رأى فيه الكثيرون موقفا غير وطني وغير شريف ومخز، وطالبوه بالانسحاب من الحياة السياسية، فالمرحلة لا تحتمل حسابات المصالح الخاصة أو المثاليات الرومانسية أو النظريات غير القابلة للتطبيق.

13