البرادعي وصباحي وموسى غابرون في أنقاض الزمن التائه

الأحد 2015/10/11
جياد ثورة خائرة تعكس أحوال طبقة سياسية عاجزة

لو لم تكن لثورة 25 يناير 2011، أيّ ميزات غير أنّها أسقطت ورق التوت عن الثائرين الوهميين، لكفاها مَفخرة ومَأثرة، عمّا سواها من نقائص وَصَمَها بها كارهوها. فالثورة التي سارت في طريق غير الطريق الذي انطلقت منه، لم يكن انحراف مسارها، سببه غياب قيادة للثورة كما زعم كثيرون، أو ادّعوا تبريرًا للمسار الخاطئ الذي سارت إليه، ولكن الحقيقة أن فقدانها بوصلة طريقها، كان بسبب أكذوبة النخب السياسية على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية، وشعاراتها المخاتلة التي رفعتها، وهو ما انتهى إلى أفول نجوم هؤلاء جميعا بانتهاء فصل 25 يناير 2011، وبداية مسار جديد في 3 يوليو 2013.

قبل ثورة 25 يناير، لم يكن في المشهد السياسي، سوى تحركات وتظاهرات محدودة أشرفت عليها حركة كفاية (الحركة المصرية من أجل التغيير) التي أسّسها إسحاق روحي ورفقاؤه في يوليو 2004، وحركة شباب 6 أبريل (تأسست عام 2008 عقب إضراب عمال المحلة الكبرى في 6 أبريل)، كان المشهد يتلخّص في هذه الوقفات الاحتجاجية التي تنتهي ببعض الاحتكاكات مع الأمن ثمّ يعود كلّ طرفٍ من حيث أتى.

اكتفت القيادات البارزة مِن النّخبة السياسية بترقُّب الغد المحمّل بالضباب والغيوم. وفي عام 2009 على غير العادة طُرح اسم عمرو موسى كمرشحٍ محتملٍ للانتخابات الرِّئاسيّة، من قبل أطراف سياسيّة لكن مجهولة الهُوية، وهو الأمر الذي دَفَعَ بجريدة «المصري اليوم» لتجري حوارًا مع عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزير الخارجية المصري، ومن بين أسئلة الحوار، كان سؤال حول الرئاسة، ولم يكن لدى الرجل الجرأة ذاتها التي جعلته يُصَفّق فيها لرئيس الوزراء التركي آنذاك أردوغان عندما اعترض على هرتلات شيمون بريز رئيس وزراء إسرائيل في ندوة عن غزة خلال مؤتمر دافوس 2009.

في حال سؤال الرئاسة قدّم عمرو موسى جوابًا دبلوماسيًّا، فلم ينفِ نيّته الترشُّح لمنصب الرِّئاسة وفي ذات الوقت لم يستبعده أيضًا، وترك المجال مفتوحًا أمام التوقعات، وأرسل رسالة لمن يجسُّون النبض، مفادها “إنّ مِن حقّ كلِّ مواطنٍ لديه القدرة والكفاءة أنْ يطمحَ لمنصب يحقِّق له الإسهام في خدمة الوطن”، وإمعانًا في إيصال الرِّسالة لمن خصّهم بها دون تحريف قال “إن الصِّفات الواجب توافرها في رئيس الجمهورية تنطبق أيضًا على جمال، نجل الرئيس حسني مبارك، وإن صفة المواطنة وحقوقها والتزاماتها تنطبق عليّ كما يمكن أنْ تنطبقَ عليكَ كما يمكن أن تنطبقَ على جمال مبارك”، وبعد عام من هذا الحوار، أجرى مقابلة مع فضائية «دريم» ولكن هذه المرة كان واضحًا حيث قال “طالما سيترشح الرئيس مبارك سأصوِّتُ له في الانتخابات الرِّئاسية فأنا أعلمُ طريقة إدارة الرجل للأمور”.

البرادعي يسارع على الدوام إلى الهروب من مسؤولياته مكتفيا بالتغريد منتقدا للأوضاع السياسية في مصر، وهو ما جعله يواجه غضبة من مؤيديه ومن معارضيه أيضا، لتخليه عما كان منوطا به

هكذا الدبلوماسي الحصيف الذي ينتمي في الدبلوماسية لمدرسة إسماعيل فهمي، لم يلقِ بنفسه إلى التهلكة، وهو ذات السيناريو الذي تكرّر مِن قبل في مؤتمر دافوس، فبعد التصفيق، وقف حائرًا، ماذا يفعل، حتى أشار له «بان كي مون» الأمين العام بأن يجلس، فعاد إلى مكانه هادئًا متابعًا الجلسة التي انسحب منها أردوغان.

بورجوازية وفلاحون

حصافة عمرو موسى جاءت بعكس صراحة محمد البرادعي المنتهية ولايته حديثًا حينها، لرئاسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي أعقاب انتهاء الولاية، أعلن عودته إلى مصر، بل أعلن بكلِّ جرأة إمكانية ترشُّحه للانتخابات الرئاسيّة في عام 2011، وإن كان وضع شروط ستّة، صارت هي “منافستو” الجمعية الوطنية للتغيير التي أسّسها البرادعي عقب عودته إلى مصر مباشرة في 2010.

قادت تلك الجمعية بالفعل حراكًا شعبيًّا بجمع توقيعات من عموم مصر لتعديل الدستور. أما حمدين صَباحي فهو أصغرهما سنّا، مولود في بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، لأب فلاح كعموم المصريين، على عكس عمرو موسى المولود في القاهرة عام 1936، والذي ينتمي إلى أسرة سياسية حيث والده محمود أبوزيد موسى كان نائبًا في مجلس الأمة عن حزب الوفد، مثل البرادعي المولود في 17 يونيو 1942، الذي تنحدر جذوره إلى بلدة أبيار مركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، فوالده هو مصطفى البرادعي نقيب المحامين لأكثر من فترة في عهد الرئيس الرّاحل جمال عبدالناصر، وعضو البرلمان في عهد السّادات، الذي وَقَفَ مُعارضًا للسّادات أثناء توليه رئاسة مجلس الأمة في الستينات. تخرّج حمدين في كلية الإعلام لذا اتّخذ من الصحافة مهنة له، حيث عمل في صحف جميعها تنتمي إلى الحزب الناصري المؤمن بمبادئه، منذ أن كان طالبًا في ثانوية بلطيم حيث أسّس رابطة الطلاب الناصريين.

كان حمدين على عكس رفيقيه قادمًا ومحملاً بميراث ثوري، لا مجد عائلي، وهو ما جعله يقف في مواجهة مع الرئيس السّادات عام 1977 عقب الانتفاضة الشعبية ضدّ غلاء الأسعار وإلغاء الدعم، بصفته رئيسًا لاتحاد طلاب كلية الإعلام ونائبًا لرئيس اتّحاد طلاب جامعة القاهرة.

وبينما كان الرئيس يسعى لامتصاص آثار قرارات رفع الدعم، قام حمدين بالتحدّث منتقدًا سياساته الاقتصادية والفساد الحكومي بالإضافة إلى موقفه من العلاقات مع “العدو” في أعقاب حرب أكتوبر، وهو ما أغضب الرئيس خاصّة بعد كلمة عبدالمنعم أبوالفتوح رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، ما جعله يتحدّث عن كبير العائلة، ورئيس العائلة المصرية، وهو ما كان بداية حقيقية للدمج بين وظيفة رئيس الجمهورية، والدولة، فصار أيّ انتقاد لسياسة الرئيس انتقاد وهدم للدولة المصرية.

اتكأ الثلاثة على امتلاكهم قبل ثورة يناير 2011، ميراثًا تنوّع بين الثوريّ والدبلوماسيّ والتقنيّ أو حتى الكاريزمي يدخلهم ميدان الثورة، مَحمولين على الأكتاف؛ فالبرادعي كان لمواقفه ضدّ مبارك بتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير، وعمرو موسى بإنجازات منصب وزير الخارجية الذي كان رصيده وميراثه التليد، حتى عندما ترأس أمانة جامعة الدولة العربية خلفًا للدكتور عصمت عبدالمجيد، كان يسير بهَدْى وزارة الخارجية، وما أسبغته عليه من مكانة دولية ومهابة إقليمية. أما حمدين فكان لنضاله ودخوله السّجن في عهد السّادات بعد انتفاضة الخبز كأصغر معتقل، ثمّ اعتقاله للمرة الثانية بعد أحداث سبتمبر 1981، مع السياسيين والمفكِّرين الذين أودعهم السّادات السّجن.

ثورة 25 يناير توصف بأنها سارت في طريق غير الطريق الذي انطلقت منه، لم يكن انحراف مسارها، سببه غياب قيادة للثورة كما زعم كثيرون، ولكن الحقيقة أن فقدانها بوصلة طريقها، كان بسبب أكذوبة النخب السياسية على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية، وشعاراتها المخاتلة التي رفعتها

عندما قامت الثورة لم يكن حاضرًا في القاهرة سوى عمرو موسى، الذي لم ينزل إلى الميدان إلا متأخِّرًا، بعدما أتت الأيام الثماني عشر الماضية أكلها، ومن ذات الميدان أعلن عن رغبته صراحةً هذه المرة لترشّحه للانتخابات الرّئاسية القادمة.

في الـ25 من يناير كان حمدين صباحي في بلدته يقود الثوَّار ومؤمِّنًا على ذات المطالب التي تردّدت من قِبل الثوّار، ومع تصاعد الأحداث في يومي 26 و27 عاد إلى القاهرة، وفي جمعة الغضب الـ28 من يناير كان حمدين على رأس مظاهرة كبيرة من ميدان مصطفى محمود، متوجِّهًا إلى ميدان التحرير قلب الثورة.

على ذات الخُطى عاد البرادعي الذي كان غائبًا، ومن مسجد الاستقامة في الجيزة كان هو الآخر مع النخبة يتصدّر مسيرة ضخمة متجهةً حيث تولي مسيرة حمدين صباحي، ليوحّد الميدان، الناصري حمدين صباحي، مع الليبرالي البرادعي، ثم في مرحلة لاحقة مع عمرو موسى ابن جميع الأنظمة، فقد أذاب الميدان الفروق والانتماءات الأيديولوجية، وهو ما لم يتكرر في 30 يونيو 2013. لكن رويدًا رويدًا استأثر بالمشهد البرادعي وعمرو موسى، أما حمدين فقد فضّل الاكتفاء بمشاركة الثوّار الميدان مُبتعدًا عن اللقاءات والمشاورات، وإن كانت جميعها لم تغب عنه، لأنه حاضر فيها بصفته واحدًا من ثوّار الميدان.

واجهات براغماتية

في غمرة حَميّة الثورة وشعاراتها، أعلن كل من عمرو موسى وحمدين صباحي، دخولهما السباق الانتخابي، لأوّل انتخابات بعد الثورة ستجرى في مايو 2012، وقبلها بقليل سجّل البرادعي أوّل تراجع له عن مواقفه، بانسحابه من غمار السباق، وسط انتكاسة وخيبة أمل لكلِّ مناصريه. عقب المناظرة الشهيرة التي جرت في 10 مايو بين عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح، أظهرت استطلاعات الرأي أفول نجم عمرو موسى، حيث برزت حالة التعالي التي كان يتعامل بها في الحوار، والذي كان ينقصه أن يَنْفُثَ سُحب دخان سيجاره الشهير في وجوهنا وهو يتحدث، وهو ما تمّ تصديقه عمليًّا بحلوله خامسًا في الترتيب، في مفاجأة أصابته بالذهول، في حين تقدّم حمدين إلى المرتبة الثالثة.

قبل السّباق الانتخابي سعت أطراف للجمع بين حمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح لتكوين تحالف يمثِّل مرشح الثورة، إلا أن المسعى تعثّر لأسباب مجهولة، ليخرج الجميع من السِّباق وينحصر بين مرشحيْن كلاهما طعمه مرٌّ، الأوّل مرشح المعسكر القديم أحمد شفيق والثاني مرشح الإخوان محمد مرسى الذي فاز بفارقٍ ضئيلٍ.

تجربة الانتخابات الرئاسية وفوز مرسي أعادت أطراف اللُّعبة إلى ساحة الملعب ثانيًّا، وفي تطوّر مُفاجئ تحالف الثلاثة: البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي، بعد الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس مرسي.

في الـ22 من نوفمبر 2012 تشكّلت جبهة الإنقاذ الوطني من 35 حزبًا سياسيًّا وحركة سياسية وثورية وجميعها ذات أيديولوجيات ليبرالية ويسارية، وكانت الصُّورة التي تجمع حمدين بوصفه ممثلاً للتيار الشعبي المصري، وعمرو موسى ممثلاً عن حزب المؤتمر المصري، ومحمد البرادعي ممثلاً لحزب الدستور.

بدأت جبهة الإنقاذ الواجهة السياسيّة لتكتل الأحزاب السياسية تُمارس ضغوطًا على مرسي، وتهديدها بمقاطعة الانتخابات البرلمانية، ورغم التحفظات على هذا التكتل من قبل الكثيرين بسبب تسلّل الفلول إليه إلا أنّهم كانوا عازمين على ما انتووه من إسقاط مرسي، وكان لهم ما أرادوا في 3 يوليو 2013 حيث تمّ إعلان خريطة طريق جديدة.

لكن في المسار الجديد كان البرادعي حاضرًا في الصورة أما عمرو موسى وحمدين فلم تكن الأدوار جاهزة لهما بعد.

وما إن تمّ انتخاب عمرو موسى رئيسًا للجنة الخمسين المنوط بها تعديل دستور 2012، حتى قامت لجنته بتعديل الدستور كاملاً في مخالفة لخارطة طريق 3 يوليو 2013، والأنكى أن دستور موسى بعد حفلة الابتهاج عند الاستفتاء عليه، بدأت معاول الهدم تضرب فيه، وهو ما دفع عمرو موسى لأن يخرج عن صمته، بعد حملة شعواء مارسها بعض الإعلاميين عليه ليقول في حدّة غير معهودة «طبّقوا الدستور أولاً قبل التفكير في تعديله».

الثلاثة يستثمرون في تسويق أنفسهم قبل ثورة يناير، معتمدين ميراثا تنوع بين النضالي والدبلوماسي والتقني ليدخلهم ميدان الثورة؛ فالبرادعي وظف مواقفه ضد مبارك في تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير، وعمرو موسى ذكر بإنجازاته كوزير للخارجية وأمين عام لجامعة الدول العربية، أما حمدين فكانت حصته نضاله ودخوله السجن

لم تكن مواقف النخبة ثابتة، فبينما احتل البرادعي واجهة خريطة 3 يوليو بتوليه منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، كان حمدين صباحي غائبًا، وما إن تمّ فضّ اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 حتى كان البرادعي أوّل القافزين معلناً استقالته، رغم أنه بحكم موقعه كان بوسعه أن يفعل شيئاً، أو في أبسط الحلول تقديم حلٍّ للخروج من المأزق.

اكتفى البرادعي بممارسة عادته في التغريد بتويتات، أما صباحي فعرف أن دوره في الحياة السياسة بات مجرد ضيف شرف أو كمبارس، فاكتفى بذلك أمام الجمهور، في حين وقف عمرو موسى يجمّل صورة الدولة وقرارتها، فتوالت الطعنات المباغتة لتشويه أهم إنجاز يفتخر به عمرو موسى بعد الثورة وهو رئاسته للجنة الخمسين لتعديل الدستور.

الاضطراب سببه النخبة الفاشلة

سقطت جياد الثورة في ميدان الثورة الحقيقي، ولم يبقَ مِن كلّ واحد منها إلا ذكرى ماضٍ لا علاقة له بالحاضر أو بالثورة، سيظل عمرو موسى يردِّد أغنية شعبان عبدالرحيم التي غنّاها له، «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل».

أما حمدين فسيبقى غارقًا في نوستالجيا استعادة صورة الشّاب الناحل ذي الملابس البيضاء وهو مقتاد إلى السّجن، ليمحو بها صورة الحاضر المشوّش.

أما البرادعي فسيظل أيقونة الثورة في بدايتها، ولعنتها في نهايتها، وما بين الجميع سيبقى الثوّار الحقيقيون فاقدين لثقة النُّخبَة التي خذلتهم يومَ أن قدموا لها بدمائهم مصر حرّة، فألقت بها في هاوية سحيقة، بسبب اللامبالاة والإيثار والخوف والهروب، فلا الحياة السياسية في مصر خرجت منها حتى الآن، ولا الجياد استطاعتْ أن تنطلق خطوة واحدة إلى الإمام.

7