البراغماتية الروسية تفاقم المأزق الأميركي في الأزمات الدولية

ظهرت بين طيات لقاء زعيمي أقوى قوتين نوويتين في العالم البراغماتية الروسية المعتادة وسط غابة من الأزمات الدولية، لتفاقم المأزق الأميركي في الأزمتين السورية والأوكرانية اللتين باتتا مرتبطتين ارتباطا وثيقا لإعادة توجيه بوصلة توازن القوى العالمية نحو الاستقرار والابتعاد عن أي تصادم محتمل.
الثلاثاء 2015/09/29
روسيا تنهي الفكرة النمطية بأن الولايات المتحدة هي شرطي العالم

نيويورك - دشنت روسيا حقبة أخرى في استراتيجيتها لإعادة تشكيل موازين القوى من جديد، ورسم خارطة جديدة للعلاقات تستند إلى الندية وتضمحل فيها الزعامة التي ظلت الولايات المتحدة تدعيها لسنوات عدة.

فقد شهدت الأمم المتحدة أمس الاثنين، مع افتتاح أعمال جمعيتها العامة، صداما بين الزعيمين فلاديمير بوتين الذي نجح في فرض نفسه في قلب الجدل حول النزاع في سوريا، وباراك أوباما الباحث عن استراتيجية حيال هذا البلد، وسط اهتمام دولي واسع النطاق.

وعقد الرئيسان الروسي والأميركي أول لقاء رسمي بينهما منذ أكثر من سنتين على هامش أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة بعد أن ألقيا بفارق دقائق خلال النهار كلمتيهما من منبر الأمم المتحدة عكستا الخلاف في مواقفهما حيال الملفين السوري والأوكراني الشائكين.

ويرى محللون أنه بغض النظر عن الجدل الذي احتدم بسبب تصريحات غير دبلوماسية حول طلب بوتين لقاء أوباما، فإن الحدث في حد ذاته حمل أهمية خاصة في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، فيما يعني اعترافا ضمنيا من جانب واشنطن بصعوبة عزل روسيا وحل أي من قضايا العالم دون رأي موسكو.

الرسائل التي وجهها الزعيمان في الجمعية العامة، بحسب هؤلاء، أظهرت تغلب نقاط الخلاف على نقاط التشابه في وجهات نظر البلدين تجاه الأزمة السورية، وبدرجة أقل الأزمة الأوكرانية التي لا تزال ضمن حسابات الطرفين للوصل إلى التوازن الاستراتيجي.

ويبدو أن أوباما لا يزال يرفض وضع الأزمتين في سلة واحدة، فبينما تسعى واشنطن بكل قوة للتوصل إلى حل سلمي في النزاع الدائر في شرق أوكرانيا قبل أي شيء، يرى بوتين أن مكافحة إرهاب داعش هو الطريق الأمثل لإنهاء الحرب في سوريا.

وبعدما عزله الغرب على خلفية دوره في النزاع في أوكرانيا، تمكن بوتين بشكل ملفت من التموضع من جديد في قلب السجال حول سوريا التي تشهد نزاعا داميا مستمرا منذ أربع سنوات ونصف.

وكانت مصادر أميركية نفت اعتبار الأزمة الأوكرانية هي السبب الرئيسي الذي طالما حال دون لقاء الرئيسين طيلة الفترة الماضية، فالعلاقات بينهما اتسمت بقدر هائل من التوتر بسبب إدوارد سنودن الموظف السابق في المخابرات المركزية الأميركية اللاجئ في روسيا.

الرسائل التي وجهها الزعيمان أظهرت تغلب نقاط الخلاف في وجهات نظر البلدين تجاه سوريا

وتغتنم موسكو تواصل حالة البلبلة في صفوف الغربيين حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد، لتؤكد أن دعمه هو الوسيلة الوحيدة لوضع حد لحرب أوقعت أكثر من 240 ألف قتيل حتى الآن.

وفي وقت يعمد فيه الكرملين إلى تكثيف تواجده العسكري في سوريا، حيث تنتشر قوات وطائرات حربية في أحد معاقل النظام، كشف بوتين عن مساعيه لتشكيل “أرضية مشتركة” مع دول المنطقة لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف.

ويلفت المراقبون إلى أن جملة من الأسباب دفعت مؤخرا إلى محاولة التوصل إلى حلول سياسية، دون جدوى، ولاسيما

على خلفية التدخل الإيراني، الذي يقوض الجهود الدبلوماسية الغربية أو العربية على السواء، وأخيرا ظهور الدور العسكري الروسي الذي يعزز من وضع الأسد، ويضعف من فرص دفعه إلى خطوات سياسية دولية.

وما يلاحظ أن دخول روسيا بقوة في الأزمة السورية لطف موقف الولايات المتحدة مؤخرا حينما أقر وزير خارجيتها جون كيري قبل أسبوع بأن الجدول الزمني لخروج الأسد من السلطة قابل للتفاوض.

البيت الأبيض الذي باغتته الهجمة الدبلوماسية الروسية، أكد أنه من “غير المسؤول” عدم إعطاء فرصة للحوار مع بوتين، داعيا إلى نهج براغماتي مع الكرملين يقوم على تناول الملفات كل على حدة.

ويقول بن رودز مستشار أوباما إن بلاده تراقب أفعال روسيا وليس الأقوال فحسب، مشيرا إلى أنه “بالنسبة إلى أوكرانيا، نادرا ما ترجمت الأقوال إلى أفعال. لكن في الملف النووي الإيراني، فإن روسيا وفت بالتزاماتها ولعبت دورا بناء”، غير أن التعاطي مع هذا الملف سيكون في غاية الدقة بالنسبة إلى واشنطن.

وأقر مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية، الأحد الماضي، بـ”أننا ما زلنا في بداية محاولاتنا لفهم نوايا روسيا في سوريا والعراق، ورؤية ما إذا كان هناك سبيل لإيجاد مخرج مفيد للأزمة”.

ووسط ضبابية الموقف الأميركي، يتحدث مراقبون عن احتمالات تغاضي واشنطن عن الخطوات الروسية في سوريا، حيث أن واشنطن لا تمتلك خيارات كثيرة لمواجهة الموقف الروسي، وبخاصة مع التحليلات التي تقول إن ثمة مخاوف من السقوط السريع لنظام الأسد، ما سيعني هدية لتنظيم داعش.

ويعتبر الكثير من الخبراء والدبلوماسيين الأميركيين أن سقوط الأسد يعني صعود تنظيم الدولة، ولكن عدم سقوطه وتعزيز موقفه في سوريا يعني ضياع التيارات المعارضة المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة ونهاية دورها.

ويرى البعض الأخر أن الحروب التي تديرها واشنطن في عدة مناطق من العالم ما هي إلا تعبير عن التراجع الأميركي على المستوى العالمي، مما يدفعها إلى الاستعاضة عن هذا التراجع بما تمتلكه من قوى عسكرية، حيث أن التراجع على المستويين الاقتصادي والسياسي هو ما جعلها تتجه نحو الحروب لتعويض ما تخسره على هذين المستويين.

وتقود واشنطن منذ أكثر من سنة ائتلافا عسكريا على داعش في سوريا والعراق، لكن الحملة لم تمنع التنظيم المتشدد من تعزيز مواقعه ولم تحد من تدفق المقاتلين الأجانب للانضمام إلى صفوفه، حيث ناهز عدد الجهاديين الأجانب الثلاثين ألفا منذ 2011، بحسب ما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين في المخابرات الأميركية.

5