البرامج الطبية تجارة مشتركة بين فضائيات مصرية وأطباء يبحثون عن الشهرة

80 بالمئة من الأطباء يرون أن المعالجات الإعلامية للمشكلات الطبية لا تتمتع بالمصداقية مطلقا لتركيزها على نشر الشائعات الصحية والأخبار الطبية الكاذبة.
الخميس 2019/08/29
القليل من البرامج الطبية تحظى بالثقة

القاهرة  - أصبحت البرامج الطبية جزءا رئيسيا من الخارطة البرامجية في معظم الفضائيات المصرية، لما تحققه من عوائد مالية قد لا تتوفر في برامج أخرى، بفعل عملها بنظام “تأجير الساعات”، ويكون فيها ظهور الطبيب نظير مقابل مادي، مما أدى إلى زيادة شركات إنتاج تلك البرامج التي ضمنت تحقيق عوائد من ورائها.

وانعكس هذا الاتجاه على جودة البرامج التي تركز على الجانب الدعائي للطبيب من دون أن تساهم في تقديم ثقافة طبية يحتاجها أغلب المواطنين الذين يجهلون التعامل مع الأعراض التي تظهر عليهم، خاصة في القرى والنجوع الفقيرة، وأصبحت تجارة مشتركة بين الفضائيات الباحثة عن المال لتعويض جزء من خسائرها، والطبيب الذي يكون في كثير من الأحيان مجهولا ويسعى إلى الشهرة.

والتفت المجلس الأعلى للإعلام مؤخرا لفوضى تلك البرامج إثر شكاوى عدة من نقابة الأطباء، واشترط موافقته على البرامج الطبية العاملة بنظام تأجير الوقت أو الإنتاج المشترك، وحظر ظهور الضيوف الأطباء، إلا بعد الحصول على موافقة نقابة الأطباء ووزارة الصحة والجامعة التابع لها الطبيب لتحديد درجته العلمية، على أن تطبق تلك الضوابط مطلع شهر سبتمبر.

وكشفت دراسة حديثة أعدت في كلية الآداب قسم الإعلام بجامعة المنصورة (شمال القاهرة)، أن 80 بالمئة من الأطباء يرون أن المعالجات الإعلامية للمشكلات الطبية لا تتمتع بالمصداقية مطلقا لتركيزها على نشر الشائعات الصحية والأخبار الطبية الكاذبة والمبالغة والتهويل تجاهها، وعدم دقة المعلومات وغياب الإشراف الطبي والصحي على كثير من المواد المنشورة بما يسمح بوجود العديد من التجاوزات.

وتؤكد تلك النسبة على أن معالجة وسائل الإعلام للشؤون الطبية والصحية تخلو من الموضوعية والشفافية والأمانة فيما أشار 20 بالمئة فقط ممن شملتهم الدراسة إلى توافر عناصر الثقة والموضوعية والتنوع والتفاعلية.

وأشارت الدراسة التي حملت عنوان “اتجاهات الأطباء نحو معالجة وسائل الإعلام التقليدية والجديدة لشؤون الطب والصحة وتأثيراتها علي مستقبل العلاقة مع المرضى”، إلى أن وسائل الإعلام فشلت في تزويد الجمهور بالمعلومات الصحيحة والموضوعية عن الكثير من القضايا الصحية، وروجت لأساليب علاجية غير علمية، مثل التداوي بالأعشاب والطب البديل.

وما زالت المكاسب التي حققتها قناة “الصحة والجمال” والتي تقوم على فكرة تأجير الهواء للأطباء مستمرة منذ عام 2007، وكانت دافعاً لفضائيات لتكرار الأمر استغلالا للجماهيرية الواسعة.

وتقدم فضائية “سي.بي.سي” برنامج “أسأل طبيبك”، وتعرض “القاهرة والناس”، برنامج “الدكتور”، وتذيع فضائية “المحور”، برنامج “الطبيب”، ودخلت فضائية الحياة السوق ببرنامج “طبيب الحياة”، وتعرض “النهار”أكثر من برنامج مثل “اطمن”، “ازاي الصحة”، و”ابدأ من جديد”. وتستعد فضائية “صدى البلد” لإطلاق حزمة برامج، مثل “طبيب البلد”، و”عيش صح”.

الفضائيات تستعين بما يمكن تسميته “سماسرة البرامج الطبية”، وهدفهم الأساسي التواصل مع أكبر عدد من الأطباء وعرض الظهور عليهم بمقابل مادي متفق عليه برضاء القناة والطبيب والسمسار

وقال محمد أشرف، صحافي ومعد برامج طبية، إن حالة الركود التي تعاني منها الفضائيات نتيجة زيادة معدلات الإنفاق واستمرار الخسائر الفادحة بفعل غياب الجمهور دفعا أصحاب القنوات للبحث عن وسائل للتعويض.

وأضاف لـ”العرب”، أن الفضائيات تستعين بما يمكن تسميته “سماسرة البرامج الطبية”، وهدفهم الأساسي التواصل مع أكبر عدد من الأطباء وعرض الظهور عليهم بمقابل مادي متفق عليه برضاء القناة والطبيب والسمسار الذي يعمل في بعض الأحيان في البرنامج.

وبحسب أشرف يتم جذب الطبيب لدفع أموال تصل خلال النصف ساعة إلى 30 ألف جنيه ( 1800 دولار)، من خلال إغرائه بنماذج حققت شهرة بعد ظهورها في التلفزيون، والسماح له بنشر مكان عياداته وأرقام هواتفه، وإمكانية التنسيق مع المريض أثناء إذاعة الحلقة.

ويضمن ظهور الأطباء على الفضائيات الشهرة، بسبب حالة الجهل الشائعة وسط الجمهور، والتي دفعت القناة للاستعانة بهم، فيما يركز مقدمو البرامج على خلق صورة ذهنية براقة للطبيب تساهم في الترويج له، وهي أداة سهلة لخداع جمهور لا تتوفر لديه القدرة على التفرقة بين الجانب الدعائي والإعلامي.

ودفعت هذه المعطيات الأطباء المشاركين في الدراسة الأخيرة للتأكيد على أن المرضى المتلقين للبرامج الطبية لا يقتنعون في غالبية الأحيان بتشخيص الطبيب لطبيعة المرض، ويجد الطبيب صعوبة في التوعية بكيفية التعامل مع الأعراض التي تظهر عليهم.

كما تغيب ضوابط ظهور الأطباء على الفضائيات المصرية، على الرغم من وجود قوانين وقرارات حددتها نقابة الأطباء، وتحظر ترويج الطبيب لنفسه من خلال وسائل الإعلام.

وأشار أيمن رشوان، وهو طبيب ومقدم برنامج “الدكتور” على فضائية “القاهرة والناس”، إلى أن البرامج الطبية بحاجة إلى تطبيق منظومة القوانين التي تحدد عملها، بعد أن خرجت عن الحد الأدنى من المهنية، بما انعكس على صورتها لدى الجمهور، وبالتالي التأثير سلبا على صورة الأطباء.

وأوضح لـ”العرب”، أن هيمنة الجانب التجاري ترجع إلى عدم وجود رعاة من الممكن أن يكونوا بدائل للعمل بنظام تأجير الوقت، مع أنها تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، لكن الثقافة العامة لدى المعلنين تذهب إلى برامج المنوعات.

وأصبح المجلس الأعلى للإعلام مطالبا بمراجعة عمل تلك البرامج والتأكد من سلامة الشروط التي وضعها مع محددات نقابة الأطباء.

وأكد رشوان أن هناك مواصفات لابد أن تكون موجودة في الطبيب قبل الظهور في وسائل الإعلام، أهمها الحصول على شهادة الدكتوراه، والقدرة على مخاطبة الجمهور من خلال تبسيط المعلومات وشرحها.

18