البراميل المتفجرة تنهال على الفلوجة في مستهل حملة استعادة الأنبار

تحذيرات المراقبين من أثمان فادحة للعملية العسكرية الكبيرة التي أعلن عن انطلاقها في محافظة الأنبار العراقية بدأت تتجسّد مع سقوط مدنيين من سكان الفلوجة في قصف بالبراميل المتفجّرة، الأمر الذي ينذر بتحوّل المعركة إلى مستنقع تزيد من تعميقه نزعة الانتقام الطائفي لدى أطراف مشاركة في الحرب.
الأربعاء 2015/07/15
الصواريخ المنطلقة باتجاه المناطق المأهولة لا تفرق بين مدني ومقاتل من داعش

بغداد - قتل أمس ما لا يقل عن 21 مدنيا في قصف نفذته طائرات عراقية بالبراميل المتفجرة على أحياء في مدينة الفلوجة، وذلك تمهيدا لاقتحامها مع بداية عملية عسكرية كبيرة أعلنتها سلطات بغداد بهدف استعادة المحافظة من سيطرة داعش، لكن العديد من الدوائر العسكرية والسياسية شككت في نجاعتها، محذّرة من فداحة الخسائر البشرية التي يمكن أن تنجم عنها نظرا لتغلغل التنظيم داخل المدن ومنعه سكانها من مغادرتها، واعتبارا لمشاركة ميليشيات طائفية في الحرب يخشى أن تباشر عمليات انتقام بحق سكان الأنبار على خلفية اتهامات مسبقة لهم باحتضان تنظيم داعش والتواطؤ معه.

كما لا يخفي عراقيون خشيتهم من وجود قيادات سياسية وعسكرية عراقية تحمل ذات العقلية الانتقامية تقف وراء عمليات القصف العشوائي للمدنيين خصوصا في مدينة الفلوجة التي سبق لأفراد من عشائرها أن أعلنوا مبايعتهم بشكل صريح لتنظيم داعش.

ويقارن ملاحظون بين القصف العشوائي الذي يمارسه نظام بشار الأسد في سوريا بالبراميل المتفجّرة على سكان المدن الخارجة عن سيطرته، ولجوء القوات العراقية إلى نفس الأسلوب ضدّ سكان مدينة الفلّوجة، علما أن تقاربا شديدا يجمع النظامين الحليفين لإيران.

ونقلت أمس وكالة الأناضول عن مصادر طبية عراقية قولها إن طائرات تابعة للجيش العراقي قصفت أحياء في مدينة الفلوجة ببراميل متفجرة، وأن القصف أدى إلى مقتل 21 مدنيا بينهم نساء وأطفال، وجرح 24 آخرين، نقلوا جميعهم إلى مستشفى المدينة.

شبان المدينة وكهولها يحجمون عن مغادرتها خوفا من اعتقالهم بتهمة الانتماء لتنظيم داعش

كما نقل عن سكان محليين من الفلوجة قولهم إن الطائرات العراقية ألقت براميل متفجرة على الأحياء السكنية، مخلفة دمارا هائلا بدور المواطنين وممتلكاتهم، وأن أنقاض المباني ظلت إلى حدود مساء الثلاثاء تغطي الكثير من الجثث التي يسعى الأهالي لاستخراجها.

ومع بداية الحملة العسكرية الكبيرة التي أعلنتها السلطات العراقية الإثنين تحت عنوان “تحرير الأنبار”، بات سكان مدينة الفلوجة بمثابة أسرى القتال الدامي بين القوات الحكومية وميليشيات الحشد الشعبي من جهة، ومقاتلي تنظيم داعش من جهة مقابلة.

وقالت المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق التابعة للبرلمان والتي تتولى الدفاع عن حقوق المدنيين أمس إن تنظيم داعش منع المدنيين في مدينة الفلوجة من النزوح عنها.

وأكد فاضل الغراوي عضو المفوضية في بيان أن “تنظيم داعش ومنذ فترة تزيد على ثلاثة أشهر، اتخذ من المدنيين في الفلوجة دروعا بشرية، ومنعهم من الخروج من القضاء، وصادر ممتلكات أي شخص لا ينفذ تعليماته”.

وأضاف الغراوي أن “داعش قام بتفخيخ كافة الجوامع والمآذن والدور السكنية والطرق المؤدية إلى الفلوجة، وكذلك المؤسسات الرسمية فيها، بقصد إيقاع أكبر خسائر بشرية ومادية”.

ومن جهته، قال عيد عماش المتحدث باسم مجلس محافظة الأنبار “إن تنظيم داعش أطلق خلال اليومين الماضيين الرصاص على بعض العوائل التي حاولت الفرار من المدينة، واحتجز المدنيين في مدينة الفلوجة، ومنعهم من الخروج”.

غير أن منتقدين لسياسة بغداد تجاه سكان مدينة الفلوجة يقولون إن أسر داعش للمدنيين لا يعفي السلطات العراقية من مسؤولية حمايتهم والحفاظ على أرواحهم، مشيرين إلى أن القصف العشوائي على أحياء المدينة لم يتوقّف خلال الأشهر الماضية ما يثير شكوكا بشأن وجود نزعة انتقامية من المدينة التي مثّلت دائما مركزا لمعارضة السلطات المركزية وتحوّلت أثناء الاحتلال الأميركي إلى موطن لمقاومة ذلك الاحتلال.

تتذرّع القوات العراقية في حصارها الخانق للمدينة بمنع تسرّب عناصر "الدولة الإسلامية" منها

وتتذرّع القوات العراقية في حصارها الخانق للمدينة بمنع تسرّب عناصر داعش منها. وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن أمس أن القوات الأمنية لديها عدة طرق لضمان عدم خروج المطلوبين والإرهابيين مع المدنيين من نازحي مدينة الفلوجة.

ونقل موقع السومرية نيوز الإخباري عن معن قوله إن “جميع الأجهزة الأمنية لديها قاعدة معلومات مشتركة للمطلوبين، بالإضافة إلى وجود خبراء في التدقيق بالهوية”، مبينا أن “القوات الأمنية ستعتقل أي شخص يثبت تزويره للهوية، وسيجري معه تحقيق أولي ومعرفة الجهة التي ينتمي إليها”.

وفي ظل الحصار الخانق المزدوج على سكان الفلوجة من قبل القوات العراقية وعناصر داعش، لجأت بعض العوائل إلى المجازفة بمغادرة المدينة رغم كل المخاطر، حيث سجّل نزوح أعداد من السكان إلى منطقة البوعلوان رغم إطلاق النار عليهم من قبل عناصر تنظيم داعش.

لكن شهود عيان قالوا إن الغالبية العظمى ممن نجحوا في المغادرة هم من النساء والأطفال والعجزة، مؤكّدين امتناع عدد كبير من الشبان والكهول الذكور عن الخروج من المدينة لعلمهم أنهم محلّ اتهام مسبق من قبل القوات الحكومية وعناصر الحشد الشعبي بالانتماء إلى تنظيم داعش.

كما أكّد هؤلاء أن أي شخص قادر على حمل السلاح من أبناء مدينة الفلوجة بدءا من سن الخامسة عشرة عاما فما فوق يتم القبض عليه بمجرّد مغادرتها ويخضع لتحقيق طويل وعنيف، وأن العشرات من المقبوض عليهم يؤخذون إلى وجهات مجهولة حيث تنقطع أخبارهم.

3