البرقع ووحش البحيرة

جونسون الآن لا قيمة له ويعرف أن البرقع يعطيه مقعدا في حوارات تلفزيونية لا تنتهي، وسيحصل على شهرة وإن لم تتجاوز مدتها الأسبوع الواحد في موسم السخف.
الثلاثاء 2018/08/14
الضوضاء

لعلكم لم تنتبهوا إلى أننا دخلنا رسميا موسم السخف. وهو موسم سنوي يحل مع انفراط عقد البرلمان البريطاني بسبب الإجازة الصيفية. وحين لا يكون هناك برلمان منعقد لا تكون هناك سياسة ولا أخبار. تمتلئ الصحف بأخبار القطط ومخلوقات الفضاء وعودة ألفيس بريسلي إلى الحياة.

كان هنالك شيء اسمه وحش بحيرة نيس في أسكتلندا، احتل صفحات الصحف الشعبية لنحو عشرين عاما سخيفا، ثم ضاق الناس ذرعا بالوحش الذي لم يره أحد إلى يومنا هذا، واكتشفوا أنه من صناعة محرري الأخبار في الصحافة الرقيعة.

راح الوحش إذن ووجدت الصحافة بديلا. ذلك هو البرقع. كل من يريد أن يروّج لمطبوعته يستحدث حكاية فيها البرقع بشكل أو بآخر.

هذه الحيلة لم تعد ملكا لمحرري الصحف، بل صارت ضمن ذخيرة الشعبويين يحركون بها عواطف قرائهم البسطاء.

 صرت لا تمرّ ببار (حانة) أو مقهى دون أن تسمع نقاشا حول ما قاله الإسلام بهذا الصدد. بل إن البعض من السكيرين الإنكليز صار يعرف شيخ الإسلام ابن تيمية ويستشهد بموطأ مالك.

هناك فئة من الناس يطلقون عليهم “مضجري البار”، هؤلاء الذين يجالسونك دون معرفة ليستعرضوا معلوماتهم ومعارفهم إلى أن تزهق نفسك وتغادر إلى مكان آخر. هناك يستلمك مضجر آخر اختصاصه دوري كرة القدم وما يتوجب على أرسنال فعله ليظل في الصدارة.

كل هذه الضوضاء حول البرقع تخص خمسة آلاف مبرقعة في بلد يبلغ تعداد نفوسه أكثر من ستين مليون نسمة (وهذه هي الإحصائية الوحيدة المتاحة في بريطانيا). يعني أن مرتديات النقاب لا يشكلن نسبة واحد في المئة، ولا واحد في الألف، بل ولا واحد في العشرة آلاف.

إثارة موضوع البرقع يعني أنه يثار لأسباب لا نريد أن ندخل في لعبة تخمينها. هذا العام آلت مسؤولية إثارة اللغط السخيف إلى بوريس جونسون، وزير الخارجية المقال المعروف بشعبويته وقربه الأيديولوجي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

جونسون الآن لا قيمة له ويعرف أن البرقع يعطيه مقعدا في حوارات تلفزيونية لا تنتهي، وسيحصل على شهرة وإن لم تتجاوز مدتها الأسبوع الواحد في موسم السخف.

قررت أن أهجر الخواطر والأفكار فقصدت بارا قديما حديقته يتزاحم فيها الرواد. لمحت بيتر وكيث فاقتربت منهما وقبل أن يلمحاني سمعت بيتر يقول بحزم “لا، لا، لا ابن تيمية لم يقل ذلك. هذا عبث أضافه متأخرون…”. فاستدرت مئتين وسبعين درجه وتوجهت إلى حيث كان يجلس جون وصوته يلعلع “كان يجب الحفاظ على مارتن أونيل..”. فعرفت أن الدنيا بخير.

24